ثارت حالة من الجدل في المجتمع العراقي مؤخراً على خلفية انتشار مقطع فيديو تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر ممرضة في قسم الرضع في إحدى مستشفيات كردستان العراق، منشغلةً بهاتفها وتضرب رضيعة ثم تلقيها على السرير، فيما قامت ممرضة أخرى بالضغط بقسوة على خدي الرضيعة.
هذا الأمر دفع وزارة الصحة في الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي، إلى اتخاذ سلسلة إجراءات عقابية بحق المستشفى. وجاء في بيانها، بأنه "تم إعفاء الممرضتين رغم عدم وجود تصريح بعملهما في قائمة المستشفى، وإيقافهما عن العمل في المجال الطبي والصحي لمدة ستة أشهر".
"كما تم إغلاق قسم الأطفال حديثي الولادة بالمستشفى لعدم وجود الشروط الصحية لحين التنظيم واتباع الإرشادات الصحية وإغلاق قسم جراحة الولادة"، وفق البيان.
وقال: "ستتم معاقبة المدير والمستشفى وفق ضوابط غرامة المخالفات وإنذار مدير المستشفى لعمل الأطباء والموظفين والعاملين بالمستشفى حسب القائمة المعتمدة من وزارة الصحة، إضافة إلى تحويل ملف انتهاك حقوق المرضى إلى المحكمة المختصة".
تبعاً للعرف السائد في العديد من البلدان العربية، فإن ضرب أو تعنيف الأطفال أمر شائع في ظل سياق مجتمعي يعطي السلطة الكلية للأب والأم والعائلة، إلا أن ذلك لا يحظى بدعم الجميع، من مواطنين عاديين أو خبراء قانونيين ورجال دين.
في هذا التقرير، نلقي نظرة على قوانين بعض الدول العربية، وكيفية تعاملها مع العنف الموجه ضد الأطفال.
العراق
كان العراق من أوائل الدول العربية التي صادقت على اتفاقية حقوق الطفل المقرّة من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1989، ورغم ذلك شهدت بلاد الرافدين ارتفاعاً كبيراً في معدلات العنف ضد الأطفال بعد سنة 2003، الأمر الذي يمكن تفسيره في ظل تصاعد التوترات العرقية والطائفية في معظم المدن العراقية.
بحسب بعض التقارير فإن نحو 90% من الأطفال العراقيين الذين تتراوح أعمارهم بين عام و14 عاماً يتعرّضون بشكل أو بآخر للعنف بأساليب مختلفة.
ووفق المسح المتعدد المؤشرات لمنظمة "اليونيسيف" الأممية سنة 2018، فإن أربعة من بين كل خمسة أطفال في العراق يتعرضون للعنف في المنزل أو في المدرسة.
وكان مجلس القضاء الأعلى في العراق، أصدر إحصائية رسمية تفيد أن المحاكم سجلت 1600 دعوى تتعلق بممارسة العنف ضد الأطفال خلال سنة 2019.
يرى الكثيرون أن بعض النصوص الواردة في المدونات القانونية العراقية تتحمل المسؤولية في انتشار الممارسات العنيفة ضد الأطفال. على سبيل المثال ورد في المادة (رقم 41 من قانون العقوبات العراقي)، أن "لا جريمة إذا وقع الفعل (الضرب) استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالاً للحق، تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عُرفاً".
في سبيل الحد من تلك المشكلة، حاولت المجالس النيابية العراقية المتوالية في السنين الأخيرة أن تقدم مشروع قانون للحد من ظاهرة العنف الأسري، لكنه هذا أُجهض لمرات عديدة لأن بعض النيابيين رأوا أنه سيؤدي إلى "سلب حق تربية وتأديب الوالدين لأولادهم، وإضعاف العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة وتعميق الخلاف... فهو وسيلة ضغط على الوالدين لكيلا يمارسوا حقهم في تربية أولادهم وتصحيح سلوكهم".
من جهتها، عملت وزارة التربية العراقية في السنين الأخيرة على منع ظاهرة العقاب البدني في المدارس. وفي سنة 2014، أصدرت تعليمات صارمة للابتعاد عن العنف واستخدام الضرب كمنهج للتعليم.
وأكدت لجنة التربية النيابية بالوزارة، أن "عقوبات شديدة وقوية" ستُتخذ بحق من يستخدم العنف في كافة المدارس من الكوادر التدريسية والتعليمية تصل إلى الفصل من الوظيفة.
سوريا
وقعت الحكومة السورية على اتفاقية حقوق الطفل الدولية عام 1993، لكن ذلك لم يمنع رتفاقم ظاهرة العنف ضد الأطفال في السنوات التي تلت تلك، سواء من الآباء في المنازل أو الأساتذة في المدارس.
وفق إحدى الدراسات التي أعدتها "اليونيسيف" مؤخراً، فإن نحو 78% من أطفال سوريا يتعرضون للعنف البدني كعقاب تربوي، في حين يتعرض 25% من الأطفال السوريين لضرب يصل إلى درجة العنف الجسدي الشديد.
وتشجع المدونة القانونية السورية على ممارسة العنف ضد الأطفال برفضها تجريم ذلك الفعل بشكل صريح. وبحسب المادة (رقم 185 من قانون العقوبات لسنة 1949)، "يجيز القانون: ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام".
في السياق ذاته، أشارت إحدى الدراسات الصادرة عن "المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية"، إلى أن العديد من الجرائم التي تمس الأطفال تم وصفها في القوانين السورية على أنها "جنحة"، مثال ذلك (المادة 192، والمادة 487، والمادة 488، والمادة 476).
مصر
صادقت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل عام 1990، وبعدها بست سنوات أصدرت الحكومة المصرية "قانون الطفل"، الذي احتوى على عشرات المواد القانونية التي اهتمت بتأمين النواحي التعليمية والصحية للأطفال المصريين.
رغم ذلك، لا تزال ظاهرة ضرب الأطفال واحدة من أهم المشكلات القائمة في المجتمع المصري، ولم تتعرض المدونة القانونية المصرية لتلك الممارسة، ما أسهم -بشكل كبير- في زيادتها وانتشارها.
في مايو سنة 2016، أطلقت "اليونيسف" بالتعاون مع أكبر مؤسستين دينيتين في مصر -وهما الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حملة إقليمية لحماية أطفال الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من العنف.
كذلك أطلق المركز الإعلامي للأزهر في سنة 2019 حملة بعنوان "جنة"، لمناهضة العنف ضد الأطفال، والتوعية والتذكير بحقوق الطفل على والديه ومجتمعه، وتوضيح الأسس السليمة لبناء طفل سليم.
في عام 2020 أجرى المجلس القومي للطفولة والأمومة دراسة عن تعرض الطفل المصري للعنف في البيئات التي يفترض أن تكون آمنة بالنسبة إليه، وأبرزها البيت والمدرسة والنادي الرياضي.
خلصت الدراسة إلى أن نسبة الأطفال من سن سنة إلى 14 سنة الذين يتعرضون للعنف بدرجات مختلفة من الأب أو الأم أو المعلم تصل قرابة 93%، ونحو 65% من المراهقين في سن 13 و14 سنة يتعرضون للضرب بواسطة عصا أو حزام.
في الآونة الأخيرة، جرت بعض المحاولات لإيجاد صيغة قانونية لتجريم ممارسة العنف ضد الأطفال. على سبيل المثال في سنة 2021 تقدم بعض أعضاء البرلمان المصري بمشروع قانون بشأن تعديل قانون الطفل.
جاء في هذا المشروع: "...إذا حدثت إصابة الطفل بجرح أو ضرب نشأ عنه قطع أو انفصال عضو فقد منفعته، أو نشأ عنه كف البصر أو فقد إحدى العينين، أو نشأ عنه عاهة مستديمة يستحيل براؤها يعاقب بالسجن من 3 سنين إلى 5 سنين، وإذا ترتب على ذلك وفاة الطفل نتاج إهمال متعمد من جانب أحد الأبوين أو الولي أو الوصي عليه تكون العقوبة هي السجن مدة لا تقل عن 10 سنوات".
من جهة أخرى، عملت السلطات المصرية على تجريم ضرب الأطفال في المدارس، ففي سنة 2021، قررت وزارة التربية والتعليم تنفيذ أحكام القرار الوزاري (رقم 287 لسنة 2016) الصادر بشأن لائحة الانضباط المدرسي، وأصدرت تعليمات رسمية للمدارس، شددت خلالها على حظر استخدام العقاب البدني والنفسي مع الطلاب.
تونس
صادقت تونس على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل عام 1991. في بادئ الأمر، حافظت المدونة القانونية التونسية على نفس الروح التي شاعت في باقي المدونات القانونية العربية فيما يخص مسألة العنف ضد الأطفال، حيث جاء في الفصل (رقم 319 من المجلة الجزائية التونسية): "يستوجب العقوبات المذكورة الأشخاص الذين يرتكبون المعركات أو الضرب أو العنف ولا ينجر منه لصحة الغير أدنى تأثير معتبر أو دايم. وتأديب الصبي ممن له سلطة عليه لا يستوجب العقاب...".
في سنة 2010، حقق البرلمان التونسي طفرة مهمة في هذا المضمار عندما صدر تعديل (رقم 40)، وجاء فيه "...تلغى عبارة (وتأديب الصبيّ ممّن له سلطة عليه لا يستوجب العقاب) من الفصل 319 من المجلة الجزائية".
بذلك التعديل، صار كل من يمارس العنف ضد الأطفال -سواء كان من الأب أو الأقارب أو المدرسين- مشمولاً بالقوانين التي تُجرّم العنف ضد الطفل.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، حيث أثار سخط العديد من الآباء التونسيين، الذين هاجموه بدعوى أنه "أحياناً لا مفرّ من استعمال الضرب لفرض الانضباط والسيطرة على الأبناء وحمايتهم من الانحراف...".
في المقابل، رحبت المديرة الإقليمية لـ"اليونيسيف" في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باعتماد تونس لهذا القانون، وعدّته حدثاً مهماً في المنطقة.
رغم ذلك، تشير العديد من التقارير إلى أن ممارسة ضرب الأطفال لا تزال قائمة في تونس، ففي سنة 2013، أجرت وزارة التنمية والتعاون الدولي بالتعاون مع "اليونيسف" دراسة، أظهرت أنّ أكثر أطفال تونس يتعرضون إلى أشكال متعددة من العنف، منها العنف المعنوي، والجسدي، والعمل الإجباري، والاستغلال الجنسي.
وفي 2018، أُثير الجدل مرة أخرى حول مسألة العنف ضد الأطفال بعدما انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمن مشاهد صادمة عن تعرض أطفال من مرضى التوحد للضرب والتعذيب في مركز لرعاية أطفال التوحد.
من هنا، عملت السلطات التونسية في الآونة الأخيرة على إطلاق بعض الحملات التوعوية التي تبين حجم التهديدات المجتمعية التي تمثلها ظاهرة العنف ضد الأطفال، حيث نظمت الحكومة التونسية في مارس الماضي حملة للتوعية بمخاطر العنف ضد الأطفال تحت شعار "يكبر وما ينساش".
جاءفي بلاغ الوزارة أن هدف الحملة هو "خلق وعي مجتمعي للتصدي لجميع أشكال العنف المسلط على الطفل والتحسيس والتوعية والتثقيف بالجوانب القانونية والنفسية وآثار العنف على الأطفال والمجتمع".
