شاشة هاتف محمول تعرض بعض "أيقونات" مواقع التواصل الاجتماعي- صورة تعبيرية.
شاشة هاتف محمول تعرض بعض "أيقونات" مواقع التواصل الاجتماعي- صورة تعبيرية.

شهد العراق في الفترات الماضية قضايا متعددة تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان والحريات العامة، تدخّل فيها مواطنون عراقيون عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي للضغط على السلطات السياسية والأمنية والقضائية للتحرك السريع للبتّ بهذه القضايا.

في قضية الطفل موسى ولاء الذي عذّب وقتل على يد زوجة أبيه عذراء الجنابي، تحركت السلطات الأمنية والقضائية بعد حملة غضب شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي الشهر الماضي للمطالبة بتوقيف زوجة الأب ومحاكمتها.

وبالفعل، بسرعة لافتة، صدر حكم بالسجن 15 عاماً بحق السيدة المتهمة بالجريمة، لكنه لم يرض الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين طالبوا به، إذ اعتبروه حكماً "مخففاً".

اللافت في هذه القضية أنها اثيرت عبر مواقع التواصل، قبل أن يقتل الطفل، وانتشرت صوره في المدرسة وعلى وجهه آثار تعذيب قبل مقتله، لكن الشرطة المجتمعية تباطأت في التحرك، وفي هذا يحمّلها بعض رواد مواقع التواصل مسؤولية مقتل الطفل.

أمر مشابه حدث مع طيبة علي، الصبية التي قتلت على يد أبيها بعد أن وثِقت بالشرطة المجتمعية التي حاولت إصلاح ذات البين مع أهلها، وهو ما سمح للأهل باستدراجها إلى العراق لتلقى لاحقاً مصرعها. في هذه القضية أيضاً تحرك نشطاء عراقيون على مواقع التواصل، لمحاولة تأمين العدالة لطيبة بعد مقتلها.

الأمر نفسه شهدته قضية العراقيين المخطوفين في إيران، التي ضج بها العراق مؤخراً، وكانت طي الكتمان، قبل إثارتها في مواقع التواصل من قبل أهالي المخطوفين، لتتحول إلى قضية رأي عام وتتحرك السلطات لحلّها.

 

"المقاومة الرقمية"

تلمس الباحثة في مؤسسة "أنسم" للحقوق الرقمية، آسيا عبيدي، وجود "دور حقيقي لوسائل التواصل في التأثير على الرأي السياسي في العراق".

تقول لـ"ارفع صوتك": "البعض بات يطلق على الحكومات المتعاقبة اسم حكومات التريند، كون التحرك والتأثير السياسي والتغيير في بعض الأحيان لا يتم من دون وجود موجة من الغضب والتعبير عن الرأي على وسائل التواصل الاجتماعي و تحول أي قضية إلى قضية رأي عام".

هذا النوع من التعبير "بدأ في الحقيقة بصورة غير منظمة"، كما تشرح العبيدي، وفي عام 2019 وبعد انتهاء موجة التظاهرات، تقول: "حاولت الحكومة العراقية التغطية على موضوع معاقبة الجناة الذين تسببوا بمقتل أكثر من 400 متظاهر سلمي في العراق لتظهر لدينا حركة مضادة على وسائل التواصل الاجتماعي و تميزت هذه الحركة بالانتظام والشكل المنظم أكثر وهي حركة أطلق عليها اسم (إنهاء الإفلات من العقاب)".

وتتابع أن هذه الحركة "نشرت الكثير من الفيديوهات والتسريبات التي أحرجت الحكومة العراقية وأجبرتها على وضع هذا الملف في ضمن ملفات التحقيق".

تؤمن العبيدي مع زملائها في "أنسم" بـ"الدور الذي يحدثه التريند العراقي" حيث يساهم في "إحداث الكثير من التغييرات الملموسة. فظهور مفهوم المقاومة الرقمية جعل الموازين تختل بين السلطة الحاكمة وبين الشعب المنتفض"، على حدّ تعبيرها.

وقبل ظهور مفهوم "المقاومة الرقمية"، كانت السلطة الحاكمة "هي من تمتلك مقومات الفوز والقمع والبقاء، بالتالي إمكانية السيطرة وتكميم أفواه المعارضين"، بحسب العبيدي.

وتبيّن، أن "هذا توقف عن الحصول في العراق، خصوصا فترة مظاهرات تشرين 2019 وما بعدها، بسبب انتقال المعارضين والناشطين من ساحات التظاهر الواقعية إلى الساحات الافتراضية (فيسبوك وتويتر على  وجه الخصوص)".

وتقول العبيدي إن "ما يثبت هذا الادعاء هو لجوء الحكومة العراقية إلى المسارعة في محاولات سن قانون الجرائم الإلكترونية، وهدفه تكميم الأفواه ومنع أي شكل من أشكال التعبير عن الرأي التي يكفلها الدستور العراقي".

"انعكاس لأرض الواقع"

في السياق نفسه، يقول العضو السابق لمفوضية حقوق الإنسان علي البياتي: "عندما تكون قضايا الفساد والمحاصصة والآليات غير القانونية هي الطاغية والحاكمة، فبكل تأكيد تزداد أهمية مواقع التواصل الاجتماعي".

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أنه "مع التطور في مجال التواصل الذي يسمح لكل فرد أن يكون له حساب وصوت، وإمكانية حماية البيانات والهوية، سواء من خلال حسابات وهمية أو حسابات شخصية واقعية، لا تعود هذه الحسابات مجرّد كيانات رقمية، بل تمثل انعكاساً لأرض الواقع، وتتحرك وفق حاجات المجتمع".

"بالتالي، عندما تنتظم لأي سبب بهدف إيصال رسالة ما، فمن الطبيعي أن تستمع لها مؤسسات الدولة. وما لا يبدو طبيعياً في العراق، عدم وجود مجسات وآليات داخل مؤسسات الدولة لتحسس خرق القانون والانتهاكات والأذية في حق أي فرد عراقي"، يوضح البياتي.

ويعزو ذلك إلى أسباب كثيرة، منها "الفساد والمحاصصة وسوء الادارة وعدم اعتماد الحوكمة الإلكترونية"، ما يؤدي إلى "أن يأخذ الناس المبادرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

من هنا يتضح الدور المحوري الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في العراق في تشكيل الرأي العام وحشده، حيث "تعتبر منفذاً لحرية الرأي والتعبير لدى كثير من العراقيين"، كما يقول عبد الرحمن منصور، المدير التنفيذي لـ"مجتمع التحقق العربي". وهي منصة هدفها "الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والتعلم الآلي لرصد المعلومات المضللة باللغة العربية".

ويوضح لـ"ارفع صوتك"، أن هذا الدور المحوري يزيد من أهمية مواقع التواصل الاجتماعي كفضاء عام و"تتواصل محاولات الاشتباك مع هذا الفضاء من المجموعات والفصائل المختلفة لصناعة روايات سائدة ومهاجمة الخصوم".

"في حقيقة الأمر ينعكس الوضع والانقسام العام بشكل جلي على المشهد الافتراضي بكل تفاصيله الصغيرة، إذ أصبحت لدينا معارك سياسية واجتماعية لها صدى رقمي مماثل"، يتابع منصور.

 

مقاومة مضادة

المشكلة، بحسب البياتي، أن الدور الذي يلعبه الأفراد في هذا الفضاء العام "لا يغطي إلا نسبة ضئيلة جداً من الانتهاكات والتجاوزات".

"كما أن إثارة أي قضية تخضغ لمنطق التريند، يجري التجاوب معها أحيانا بشكل شكلي من قبل السلطات، وتنتهي خلال أيام من دون أي متابعة، وينشغل الرأي العام بقضايا أخرى بسبب كثرة الانتهاكات والتجاوزات"، يتابع البياتي.

من جهتها، ترى آسيا العبيدي، أن الظهور التدريجي لـ"المقاومة الرقمية" كان في البداية "عشوائيًا"، ولكن مع مرور الوقت، "تحولت هذه المقاومة إلى تنظيم أكثر فاعلية، وأصبحنا نرى منظمات نسوية وأفرادًا آخرين يتّحدون لنشر الوعي بقضايا هامة مثل العنف الأسري وجرائم قتل النساء وتعنيف الأطفال والعديد من القضايا الاجتماعية الحساسة الأخرى".

وبفضل هذه الجهود، تقول العبيدي، "أصبحت الحكومة العراقية تأخذ ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي بجدية، وتتعامل مع القضايا التي تُنشر وتصبح معروفة بشكل أسرع بكثير من تلك التي لم يتم نشرها".

هذا يعني أن "تحوّل المقاومة الرقمية إلى آلية تنظيمية فعالة هو خطوة إيجابية نحو تحقيق التغيير وتعزيز الشفافية والمساءلة في المجتمع العراقي"، بحسب العبيدي.

بناء على الرصد الذي يجريه "مجتمع التحقق العربي" لمنصات التواصل الاجتماعي في العراق، يقول عبد الرحمن منصور: "إلى جانب استخدام المواطن العراقي العادي لمنصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن رأيه في الأحداث المختلفة، أو التفاعل مع قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية بعينها، هناك استخدام آخر منظم من قبل الفصائل العراقية المختلفة لمحاولة التلاعب بهذا الرأي العام".

ويشير منصور إلى أن مؤيدي القوى العراقية المختلفة يقومون من خلال مجموعات فيسبوك وتطبيق "تليغرام"، بحشد أنصارهم للمشاركة المباشرة في الفعاليات المختلفة على الأرض وأيضاً من أجل الحملات الرقمية المنظمة.

مع هذه المعطيات يبرز تحدِّ آخر يتحدث عنه البياتي يتمثل في "إنضاج وتنظيم الدور المهم الذي يقوم به أفراد لتقويم عمل المؤسسات والحد من الانتهاكات، حتى يكون في صالح المجتمع والعملية الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان".

ويعتقد أن "العمل المدني والسياسي وأي جهد آخر يهدف إلى إنجاح العملية الديمقراطية لا يمكن أن يتم بالطرق التقليدية وحدها، بل يحتاج إلى جهود العالم الرقمي لتنظيم هذا النوع من الحملات لتكون مؤسساتية أكثر لجهة دورها الرقابي، بهدف إصلاح المؤسسات ورفع الضرر عن الناس".

منصور يخلص، استناداً إلى الرصد والتحليل الذي قامت به المنصة، إلى أن "إستراتيجيات استخدام منصات التواصل الاجتماعي من قبل فصائل في السلطة أو خارجها في العراق أصبح واقعاً يومياً، واستهداف الرأي العام بهذا الكم الكبير من المعلومات المغلوطة والمضللة أو لاغتيال الأشخاص معنوياً، أصبح يحدث بشكل ممنهج وبأدوات تكنولوجية تستخدم أنماطاً يجعلها تحدياً ضخماً يواجه المستخدمين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".