أعلنت إيران منذ أيام عن توصلها إلى اتفاق مع العراق لنزع سلاح مجموعات كردية معارضة مناوئة لطهران، ونقلها من إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بالحكم الذاتي، في سبتمبر الحالي.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعان: "حصل اتفاق بين إيران والحكومة العراقية، وعلى أساس هذا الاتفاق، التزمت الحكومة العراقية أن تنزع السلاح من الجماعات الإرهابية الانفصالية المسلحة في العراق وإقليم كردستان حتى أواسط شهر سبتمبر (أيلول)، وإخلاء الثكنات العسكرية التي أقامتها هناك ونقلها إلى المعسكرات التي خططت لها الحكومة العراقية".
سلطت تلك المستجدات الأضواء مرة أخرى على "المسألة الكردية". ما قصة الأكراد في إيران؟ وما عددهم وأماكن انتشارهم؟ وكيف يعيشون في ظل حكم النظام الإسلامي الذي يرفض أي دعوة للانفصال أو الحكم الذاتي؟
عودة بالتاريخ
في القرن السابع قبل الميلاد، أسس الأكراد مملكة ميديا العظيمة في إيران، وشاركوا الفارسيين في بناء الإمبراطوريات المتعاقبة في أراضي الهضبة الإيرانية على مدار القرون المتتالية.
كان الاعتقاد الشائع بأن كلاً من الفرس والأكراد من الآريين، أي أن لهم أصولاً مشتركة، الأمر الذي أسهم إلى حد بعيد في سيادة الهدوء والتصالح بين القوميتين في العصور القديمة، التي استمرت حتى القرن السادس عشر الميلادي، بالتزامن مع نشوب الصراع الصفوي العثماني.
وقف الأكراد في معظم الأوقات إلى جانب السلطنة العثمانية لاتفاق الطرفين في اعتناقهما للمذهب السني، كما رفضوا الأوامر الصفوية بتحويلهم قسرياً إلى اعتناق المذهب الشيعي الاثني عشري.
في ظل تلك الأحداث وقعت معركة "قلعة دمدم"، التي نشبت بين القوات الصفوية وبعض الإمارات الكردية التي حاولت أن تحافظ على استقلالها السياسي. وحاصرت فيها القوات الصفوية القلعة الواقعة بالقرب من بحيرة "أرومية" في شمالي غرب إيران.
بعد سنة كاملة من الحصار، دخل الصفويون القلعة ونكّلوا بالأكراد، ونفوهم إلى بعض الجبال القريبة. بقيت الذكرى حاضرة في الوجدان الجمعي لأكراد إيران، وكُتبت قصائد عديدة في وصف ما حدث.
عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهر الحلم بتأسيس دولة للأكراد في إيران، وقاد الزعيم الكردي سمكو آغا حركة ثورية محاولاً أن يقيم إمارة كردية مستقلة في غربي إيران.
وفي سنة 1930 قضت السلطة القاجارية على هذا التمرد بشكل كامل بعدما نجحت في اغتيال سمكو آغا.
تجدد حلم إقامة الدولة الكردية في إيران مرة أخرى أثناء اندلاع الحرب العالمية الثانية. ففي سنة 1941 سيطرت القوات السوفيتية على شمالي إيران، وسمحت للأكراد بإقامة نوع من أنواع الحكم الذاتي في الأراضي التي يشكلون أغلبيتها.
على أثر ذلك، تشكل حزب "جمعية إحياء كردستان"، وقام زعماؤه بإدارة الأمور في مدنهم. وفي يناير 1946 تم الإعلان عن تأسيس جمهورية "مهاباد" الكردية، واختيار قاضي محمد، زعيم الحزب رئيساً للجمهورية الوليدة.
لم يطل عمر تلك الدولة، حيث انسحب السوفييت بعد شهور وتركوا الأكراد دون مساندة. وفي ديسمبر 1946 دخلت القوات الإيرانية إلى "مهاباد" وسيطرت على جميع مدنها، وحظرت اللغة الكردية، كما تم شنق قاضي محمد بتهمة الخيانة العظمى.
الأكراد اليوم
يُعدّ كُرد إيران ثالث أكبر مجموعة عرقية في البلاد بعد كل من الفرس والأذربيجانيين، بتعداد أكثر من ثمانية ملايين نسمة، ما يشكل 10% من مجموع سكان إيران، ويتركز تواجدهم في محافظات: كرماشان، وإيلام وكردستان وأذربيجان الغربية ولورستان، في شمال وغرب إيران، بالإضافة إلى محافظتي خراسان وطهران، شمال وشرق البلاد.
بشكل عام، يشيع المذهب السني بحسب الفقه الشافعي بين الأغلبية الغالبة من أكراد إيران. يفسر الباحث عبد الباري عزيز عثمان في بحثه "الكرد والمذهب الشافعي" اختيارهم له: "جاء بعد أن رأوا أن الترك قد تمذهبوا بمذهب الإمام الحنفي، والفرس تبنوا التشيع، ولأن لديهم نزعة استقلالية فكان تمذهبهم بالشافعي ليكونوا مختلفين عن الشعوب المحيطة بهم...".
هذا لا يعني غياب المذهب الشيعي عنهم، إذ توجد مجموعات كردية في إيران تتبعه، وأخرى تعتنق الديانتين اليارسانية والزرادشتية.
من جهة أخرى، يعاني كرد إيران من سوء الأوضاع المعيشية. يلقي الباحث الإيراني كامران شهسواري الضوء على المسألة في دراسة "القوميات في إيران والحقوق السياسية".
يقول إن مناطقهم تُعتبر "من أشد المناطق فقراً وترديّاً مقارنة بغيرها، كما أن نسبة البطالة فيها تعتبر الأعلى نسبة، ومعدل التنمية الاقتصادية هو الأدنى بالنسبة لبقية المناطق الإيرانية. يضاف إلى ذلك أن سياسة الدولة الإيرانية في تلك المناطق هي الأكثر تشدداً؛ مما يدفع تلك الأقليات إلى تشكيل مقاومات تدافع من خلالها عن هويتها".
وبحسب وسائل إعلامية، فإن نحو "80 ألف كردي يعملون في مهنة العتالة،" إذ يقومون بنقل البضائع على ظهورهم بين الجبال الوعرة عبر الحدود الإيرانية - العراقية، ويعانون من تعقب السلطات الإيرانية لهم لكون أعمالهم "غير قانونية".
وأكدت أخرى "غياب الخدمات التعليمية والصحية عن الكثير من المناطق التي تعيش فيها أغلبية كردية".
سنوات من الاضطهاد
تتباين وجهات النظر في ما يخص تعامل الدولة الإيرانية مع الأكراد الذين يعيشون فوق الأراضي الإيرانية. يرى أصحاب الرأي الأول أن الثورة الإسلامية الإيرانية تعاملت بـ"تسامح كبير" معهم، وأن الدستور الإيراني اعترف بشكل صريح بالأقليات الدينية والعرقية التي تعيش في إيران.
يعبر أحد الكتاب الإيرانيين عن ذلك الرأي فيقول "...إذا ما قارنا بين أوضاع الكرد الإيرانيين بعد الثورة الإسلامية وأوضاع نظرائهم في الدول الثلاث -العراق وتركيا وسوريا- فإننا نجدها أفضل بكثير، فما حصل للكرد في هذه الدول من مجازر لم يحدث للكرد الإيرانيين بتاتاً... الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تنكر يوما الهوية الكردية. وبناءً عليه؛ فإنها لم تمنع التحدث باللغة الكردية ولبس الزي الكردي… إلخ، كما حدث ذلك في تركيا التي لم يحظ الكرد فيها بحقوقهم الأولية إلا مؤخراً...".
في المقابل، يتهم العديد من الباحثين النظام الإسلامي الإيراني الحاكم باضطهاد الأكراد، مستندين للأحداث الدامية التي وقعت بعد "الثورة الإسلامية" سنة 1979.
ساند الأكراد الإيرانيون الخميني في النضال ضد النظام الشاهنشاهي، ولعبوا دوراً مهماً في المظاهرات التي اندلعت في شمالي غرب إيران سنة 1979، وتوقعوا أن يسمح لهم نظام الملالي بتأسيس دولة قومية في مناطق انتشارهم.
في مارس 1979 توجه وفد من السياسيين الأكراد إلى مدينة قم لعرض مطالبهم على آية الله الخميني، ليُفاجأ الوفد برفض زعيم الثورة مطالبهم، فرجعوا إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية وبدأوا في حشد أهلها لانتزاع حقهم في إقامة دولة خاصة بهم.
وبعد شهر واحد من تلك المقابلة، اندلعت المواجهات العسكرية بين القوات الإيرانية وقوات البشمركة الكردية التي، وحينها أعلن الخميني "الجهاد"، وأفتى بـ"وجوب القتال ضد الكفار"، يقصد الأكراد.
على أثر تلك الفتوى قُتل آلاف الإيرانيين الكُرد من المدنيين والعسكريين على حد سواء بعدما قُصفت مدنهم بالطائرات الحربية، واعتُبر 20 أغسطس ذكرى سنوية موجعة للأكراد الذين سقط آباؤهم ضحايا في تلك المعارك غير المتكافئة.
اضطهاد النظام الإيراني للأكراد استمر في حقبة الثمانينيات أيضاً، واضطر الآلاف منهم للفرار إلى العراق أثناء اندلاع حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، ولا يزال الكثير منهم يعيشون في ظروف معيشية بالغة الصعوبة في المخيمات الموجودة بإقليم كردستان العراق.
في الوقت ذاته، أقدم النظام الإيراني على اغتيال العديد من السياسيين الأكراد الذين هربوا خارج إيران، من بينهم زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني عبد الرحمن قاسملو، وخلفه صادق شرفكندي.
الاستهداف الإيراني للأكراد وصل إلى أوجه العام الماضي. ففي 16 سبتمبر 2022 تفجر الغضب الكردي في إيران عقب مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني أثناء وجودها قيد الاعتقال بتهمة مخالفة قوانين الحجاب.
تحولت جنازة أميني في مسقط رأسها (مدينة سقز) إلى مظاهرة عارمة ضد الحكومة الإيرانية، وبعد أيام اتسعت رقعة المظاهرات لتمتد إلى الكثير من المدن الإيرانية.
وأكدت تقارير منظمات حقوقية دولية استخدام أجهزة الأمن الإيرانية القوة المفرطة بحق المتظاهرين، فيما نفذت مجموعة من الضربات التي استهدفت المعارضة الكردية الإيرانية المنفية في إقليم كردستان العراق متهمة إياها بالتورط في "أعمال شغب".
