صورة تعبيرية لعاشقين- أرشيف
صورة تعبيرية لعاشقين- أرشيف

تختلف الآراء والأفكار حول المساكنة في العالم العربي، وحيث أن البعض يعتبر أنها فعل يرتبط بالحرية الشخصية، يرفضها البعض الآخر تماما لاعتبارات اجتماعية ودينية وثقافية.

والمساكنة نوع من العلاقات تطلق عليها أيضا تسمية "مصاحبة" أو حتى "زواج المساكنة"، حيث يعيش الشريكان في بيت واحد، كأنهما زوجان تماما، لكن دون عقد زواج.

ويشغل هذا النوع من العلاقات الرأي العام اللبناني منذ سنوات، فيما يتجدد الجدل حوله في مواقع التواصل مع تجدد الحديث عنه من قبل بعض الفنانين والمشاهير عن تجاربهم الشخصية، أحدثهم المغني يوري مرقدي والمغنية مايا دياب بالإضافة للممثل عبدو شاهين والمغني أيمن زبيب.

تقول اللبنانية ميشيل سعادة (33 عاماً)، التي تعيش المساكنة منذ سنوات، إن هذه التجربة "لا تختلف عن الزواج والفرق فقط في الإعلان".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "يظهر أفراد أسرتي الكثير من الدعم لكنهم يذكرونني باستمرار بأننا في مجتمع شرقي ديني لا يتقبل المساكنة بسهولة. بالنسبة لي، لا أشن حربا مع المجتمع وأكتفي بالاستمتاع بالأيام التي أقضيها مع حب حياتي".

"نحن سويا منذ 5 سنوات الآن على الحلوة وعلى المرة. ربما سنتحدث يوما عن الزواج حين نخطط للإنجاب ولكن حتى حينها لن يتعلق الأمر بعقد الزواج نفسه إنما بتسوية وضع الأولاد"، تتابع ميشيل.

الأمر ليس نفسه بالنسبة للسورية سارة (32 عاما)، التي تعيش في لبنان حالياً. تقول لـ"ارفع صوتك": "سمحت لي المساكنة لي باكتشاف شريكي اللبناني الذي عشت معه في بيروت، وخلال تلك المدة تيقنت أنني لا أستطيع الاستمرار معه".

وتضيف "تعرفت عليه وعلى كل تفاصيل حياته. كيف يستيقظ وكيف ينام. تفاصيل صغيرة كيف لي أن أعرفها في سياق آخر؟ بعض التفاصيل كانت تدفعني للبقاء. لم أشعر مثلا بالقرف حين مرض. ولكن تفاصيل أخرى دفعتني للرحيل، كأن يرفع يدي عنه وهو نائم حين أحضنه أو فورات غضبه غير المبررة، أو أن يتناول القهوة دون أن يحسب حسابي، أو أن يطالبني بدفع نصف إيجار الشقة".

"ساعدتنا المساكنة في بلورة خياراتنا، كانت تزداد رغبتي أحيانا بأن أمضي عمرا معه بينما كان هو يزداد ترددا وفي النهاية ترددت بدوري ورحلت"، تتابع سارة.

 

محط جدل

يشكل موضوع المساكنة محط جدل على الرغم من طرحه مرارا على الساحة اللبنانية. ففي السينما مثلا، برزت المساكنة في خلفية الفيلم الكوميدي "خبصة" (2018) حيث تقيم نايلة (تلعب دورها الممثلة اللبنانية رولا بقسماتي) مع حبيبها فارس (يجسد دوره الممثل جنيد زين الدين) في منزل واحد لمدة أربعة أعوام، حتى تصطدم العلاقة برغبة البطلة بإنجاب الأطفال، وهي عكس ما يريد شريكها.

تعتبر نور حسين، المتخصصة في العلوم الاقتصادية أن "الاقتصاد هو بحد ذاته دافع للمساكنة ورادع عنها. فمن ناحية، دفعت الأزمة بالكثير من المقيمين في لبنان من مواطنين ونازحين ولاجئين، لتفادي الزواج بسبب عدم القدرة على دفع تكاليف الزفاف وما يترتب عن الارتباط الرسمي (من مهر واحتفالات ومؤخر وهدايا الخ)، فيفضل الشريكان تجربة السكن معا".

"وينسحب ذلك على المصاريف الخاصة، فبغياب العقد الرسمي لا يوجد فعلا توصيف رب الأسرة، فلا يتوجب على الرجل كما هو شائع التكفل بمصاريف شريكته ويكون الشريكان عادة مستقلين ماديا"، تضيف حسين.

وترى أن في ذلك "مشكلة" مبينة: "ماذا لو توفي أحد الشريكين؟ لا يوجد في القانون اللبناني أي نظام أو تشريع خاص بالمساكنة، بالتالي في حال لم يكن الشريك خصص مما يملك لشريكته، ليس بإمكان المرأة المطالبة في ضوء قانون الأحوال الشخصية بأي حق، فتحرم هي وأولادها منه من حقوقهم الإرثية، ما يعني أنها لا تمتلك القدرة على الوصول لأموال وممتلكات شريكها". 

 

آراء وأحكام

من الناحية الثقافية-الاجتماعية، يقول الباحث في العلوم الاجتماعية محمد علي: "المساكنة لا تشكل جزءا من المجتمع اللبناني ظاهريا ولو أن بعض التفاصيل المتداولة قد تشير للعكس، ولا يجاهر الجميع بالمساكنة".

ويشير إلى أن الوضع يختلف من منطقة لأخرى ومن مجتمع لآخر داخل لبنان، مبيناً "في المدن حيث نواة العائلة تختلف وحيث يقيم الشبان بعيدا عن أسرهم، قد تتيح الظروف المساكنة كخيار، والباقي منوط بالأفراد أنفسهم. أما في القرى حيث الجميع يعرف ما يحصل خلف الأبواب الموصدة، أعتقد أن الأفراد يترددون باللجوء للمساكنة خوفاً من التابو والوصمة والعقاب المجتمعي".

"وفي كل الأحوال، حتى لو تقبل المجتمع وجود شريكين يقيمان معا بلا زواج، فهو بعيد للغاية عن تقبل طفل ما يُعرف بـ(الخطيئة)، الذي يولد خارج الأطر المقبولة ثقافيا واجتماعيا (عقد الزواج)"، يتابع علي.

في السياق، ترفض أمينة علي، وهي أستاذة وأم لأربعة أولاد، المساكنة، مبينة لـ"ارفع صوتك": "هل يعني ذلك أننا تحولنا بالكامل إلى الثقافة الغربية؟ أنا شخصيا لا أتصور أن أحدا من أولادي يختار الإقامة مع شريك بالمساكنة. لن نتقبل هذا الشخص بسهولة".

من جهتها، تقول الباحثة الأكاديمية د. ناتالي روفايل، المتخصصة في الآداب والعلوم الإنسانية: "لا شك بأن المجتمع اللبناني لا يتقبل هذه الفكرة بسهولة، ويعتبر أن المساكنة لا تعكس الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها أبناء المجتمع أو حتى طريقة التربية التي لا تتقبل إقامة رجل وأنثى سويا. ولكن هذا ليس مرادفا لقلة الأخلاق".

"فأي شخصين يقرران الإقامة سويا لا بد أنهما يتبادلان مشاعر الحب أو أن هناك ما يجمعهما. ويمكن النظر للمساكنة كخطوة مسبقة قبل الزواج، وكاختبار يساعد الأفراد على معرفة مقدرتهما على إكمال الحياة معاً وتقبل الواحد الآخر كما هو. برأيي هذا أفضل من الزواج لفترة قصيرة ثم فك الارتباط بالطلاق"، تؤكد روفايل.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.