في الثالث من سبتمبر الحالي، أصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد مرسوماً تشريعياً يقضي بإلغاء "محاكم الميدان العسكرية" بعد عقود طويلة من العمل بها، وانتهاكات جمّة تسبّبت بها هذه المحاكم للسوريين.
وبحسب وكالة أنباء النظام (سانا)، يقضي المرسوم الجديد "بإنهاء العمل بالمرسوم التشريعي رقم 109 الصادر في 17 من آب عام 1968، وتعديلاته، المتضمّن إحداث محاكم الميدان العسـكرية"، وبحسب المرسوم الجديد الذي حمل الرقم 32، "تُحال جميع القضايا التي كانت من اختصاص محاكم الميدان العسـكرية، إلى القضاء العسكري لإجراء الملاحقة فيها وفق أحكام قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسـكرية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 61 لعام 1950 وتعديلاته".
انتهاكات تحت غطاء "قانوني"
ومُنحت "محاكم الميدان العسكرية" أو ما تُعرف محلياً باسم (المحاكم الميدانية) في سوريا، وهي محاكم استثنائية، شّكّلت وفق المرسوم رقم 109، الصلاحيات التي تكون عادة من اختصاص النائب العام على أن تكون أحكامها "غير قابلة للطعن".
وفي العام 1980 عدّل رئيس النظام السوري السابق حافظ الأسد، مرسوم إنشاء هذه المحاكم، واستغلّ التعديلات في محاولة لتشريع و"قوننة" الإعدامات الميدانية التي استهدفت مُعارضي حكمه حينذاك.
وبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، أعاد بشار الأسد سيرة أبيه في استغلال القانون، وارتكب نظامه من خلال هذا القانون جملة انتهاكات بحق المتظاهرين السّلميين، وقالت منظمة العفو الدولية إن هذه المحاكم تعمل "خارج نطاق قواعد وأصول النظام القانوني السوري".
وفي تقرير أصدرته عام 2017، نقلت المنظمة الحقوقية عن قاضِ سابق في "محاكم الميدان" قوله: "يسأل القاضي عن اسم المحتجز، وعما إذا كان قد ارتكب الجريمة أم لا. وسوف تتم إدانة المحتجز بصرف النظر عن إجابته".
وأضاف القاضي: "يخضع المحتجزون قبل إعدامهم لإجراءات قضائية صورية لا تستغرق أكثر من دقيقة واحدة أو اثنتين.. وتتصف هذه الإجراءات بأنها من الإيجاز والتعسف بحيث يستحيل معهما أن يتم اعتبارها إجراءات قضائية معتادة". ووصفت "أمنيستي" الإجراءات بأنها "مهزلة.. تنتهي بإعدام المُحتجزين شنقاً".
توقيت المرسوم الجديد وتأثيره الحقوقي
المحامي والناشط الحقوقي السوري أنور البني يؤكد أن النظام السوري أعدم عشرات آلاف المعارضين لنظامه تحت بند محاكم الميدان، ومنها الإعدامات الجماعية التي حصلت في سجن صيدنايا سيئ السُّمعة، والذي وصفته منظمة العفو الدولية بأنه "مسلخ بشري"، تتم فيه عمليات الإعدام خارج القانون وفق إجراءات صورية وخارج إطار القانون.
ويقول البني إن المحاكمات التي تستهدف شخصيات من النظام متورطة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، تستدلّ على السجلّات للخاصة بما يسمى "محاكم الميدان"، ولذلك يرى الناشط الحقوقي أن النظام السوري لم يُصدر هذا المرسوم بناءً على الاستياء الشعبي منه، وليس لنيّته إيقاف الانتهاكات، بل إن هناك هدفان اثنان وراء توقيت إصدار المرسوم، بحسب البني.
الهدف الأول يتعلق بمحاولة الأسد التنصّل من مسؤوليته الشخصية عن توقيع الآلاف من قرارات الإعدام، فيما يتعلق الهدف الثاني بمحاولة طمس الأدلة والإثباتات التي تُدين نظامه وتُدينه شخصياً، عقب إنشاء الأمم المتحدة آلية البحث عن المفقودين.
ويعبّر البني عن اعتقاده بأن إلغاء محاكم الميدان لن يغيّر في واقع انتهاكات النظام السوري أي شيء، "لأن عمليات القتل والإعدام ليس شرطاً أن تتم عبر محاكم الميدان.. هي مظهر شكلي فقط يمكن التخلي عنه ومتابعة الممارسات والانتهاكات نفسها"، بحسب تعبير الناشط الحقوقي السوري.
ويذهب إلى الرأي نفسه الكاتب والمحلل السياسي السوري حسن نيفي، الذي يقول لـ"ارفع صوتك" إن إلغاء المحكمة الميدانية "لن يكون له أي دور في تقييم سوك النظام السوري حقوقياً وأممياً، لأن وسائل الإجرام لديه عديدة، ولا تنحصر بالمحاكم الميدانية، وجميع تلك الوسائل والأدوات هي بحوزة النظام، ولا يزال يستخدمها حتى الآن"، ويتابع نيفي: "قصف المدنيين بالطيران على سبيل المثال هو أكثر شناعة من المحاكم الميدانية".
