"كنت أفقد الوعي نتيجة الضرب والتعذيب.. كنّا نتمنى الموت أو أن يتم إعدامنا في كل لحظة"، يقول محمد عبد السلام لـ"ارفع صوتك"، في إشارة إلى عدم تحمله ورفاقه السجناء في زنازين النظام السوري، قسوة ما تعرّضوا له.
يضيف "تعرضنا لأنواع التعذيب في سجن صيدنايا، مثل حمام الدم. بقيت في السجن خمسة أشهر".
و"حمام الدم" وسيلة لتعذيب المعتقلين يسمح فيها لهم بالاستحمام في كل شهرين مرة، وأثناء ذلك يتعرضون للتعذيب باستخدام أدوات حادّة، حتى يختلط الماء بالدم، بحسب عبد السلام، الذي ينحدر من مدينة إدلب في الشمال السوري، ويعيش حالياً في إسطنبول بتركيا.
اعتقُل مع شقيقه في 16 أبريل عام 2012، ضمن حملة أمنيّة واسعة في الحي الذي يسكنه بإدلب، وتنقلا في عدة مراكز اعتقال وفروع أمن، ليبقى شقيقه لاحقاً في فرع "الأمن الجنائي"، بينما نُقِل إلى فرع "الأمن العسكري" الذي يُعد أكثر فروع الأمن التابعة للمخابرات السورية بطشاً إبان اندلاع ثورة عام 2011.
يقول خلال مقابلة مع "ارفع صوتك": "بعد نحو شهرين من الاعتقال والتعذيب، بدأ التحقيق معي في قضية انشقاق المقدّم حسين الهرموش، وكان من أوائل الضباط المنددين بقمع المظاهرات وقتل المدنيين وانشقّ عن الجيش، وبقيت قوات الأمن السورية تضع ملف انشقاقه ذريعة لتسجيل الاتهامات بحق معتقلين ليست عليهم إدانات قانونية".
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، الإثنين، أن شابا من قرية الغارية الشرقية بريف درعا قد قضى تحت وطأة التعذيب في سجن صيدنايا بعد اعتقال استمر أكثر من عامين
نفيه للاتهامات، كان "بداية مسلسل التعذيب الجسدي والنفسي من دون توقّف"، وفق تعبيره. استمر على هذه الحال 17 يوماً. أخبَر بعدها المحقّقين بتسجيل ما يشاؤون من الاتهامات على أمل أن يتوقف التعذيب عنه. بُصِم وهو مُقيّد ومعصوب العينين على قائمة من 13 تهمة.
بعد ذلك، نُقِل وآخرين في رحلة التعذيب إلى حلب، ومن مطار حلب إلى مطار اللاذقية، وهناك استقبلتهم مجموعة من عناصر الأمن بالضرب والتعذيب، ثم نُقلوا إلى حمص، ومنها إلى دمشق في فرع المنطقة المعروف بـ(الفرع 245)، وفق قوله.
في هذا الفرع، أعيد التحقيق مع عبد السلام واتهامه بالمشاركة في انشقاق الهرموش، وبقي تحت التعذيب حوالي 20 يوماً، قبل أن يُنقل مجدداً إلى "فرع التحقيق العسكري 247"، وهناك استُقبل أيضاً بأنواع تعذيب مختلفة، منها الصعق بالكهرباء. ثم نُقِل إلى فرع أمني في منطقة برزة، ومنها إلى الفرع الأمني سيّء الصيت، المعروف بـ"فرع فلسطين" في منطقة المزة بالعاصمة السورية دمشق.
خلال سبعة أشهر، نُقِل بين أكثر من 30 فرعاً أمنياً داخل دمشق. يقول عبد السلام: "ذقتُ جميع أنواع التعذيب الممنهج، وكنتُ شاهداً على وفاة أشخاص تحت التعذيب". بعد ذلك، تقرّر نقله مع معتقلين آخرين إلى صيدنايا، أو "المسلخ البشري" كما وصفته منظمة "العفو" الدولية.
كان عبد السلام برفقة نحو 100 معتقل حين الوصول إلى سجن صيدنايا في أكتوبر 2013. كان الاستقبال مشابهاً لأماكن أخرى. "تعذيب شديد لمدة أيام، توفى على إثره 15 شاباً، لم يتحمّلوا الضرب والصعق بالكهرباء" حسب شهادته لـ"ارفع صوتك".
ويتابع: "العناصر الذين عذّبوني ظنوا أنني مِت، فنقلوني إلى غرف الملح المخصصة لجثث المعتقلين الذين يموتون تحت التعذيب، حيث يتم ملؤها بالملح من أجل حفظها من التعفّن والتحلل".
"بعد أن استعدتُ الوعي فتحت عينيّ وإذا بي موجوداً بين عشرات الجثث، والملح قد ملأ فمي، وهنا بدأت بالصراخ كي يعرفوا أني لم أمُت بعد"، يقول عبد السلام.
أعيد إلى زنزانته، وبعد نحو شهرين تحوّل إلى فرع أمني للتحقيق معه مجدداً حول انشقاق الضابط الهرموش. وهنا يشير إلى أنه التقى بالهرموش في سجن صيدنايا، حيث استجوبا معاً تحت التعذيب والضرب، رغم تأكيدهما أنهما لا يعرفان بعضهما.
في تلك الأثناء أصدرت السلطات السورية شهادة وفاة لعبد السلام، كان ذلك عام 2014، تفيد بأنه "تُوفى بسبب نوبة قلبية"، وعندما وصل الخبر إلى والده رفض تصديق ذلك. ومن خلال وسطاء متنفذين استطاع الأخير إطلاق سراح ابنه بعد دفع 40 ألف دولار أميركي، حصل عليها من بيع أرض العائلة.
لم يلبث عبد السلام أن تنفس الحريّة، حتى أعيد اعتقاله قبل وصوله إلى إدلب. يقول "عند أحد حواجز محافظة حماة أوقفت للتفتيش، واعتقلوني هناك وعدت للسجن الذي قضيت فيه 55 يوماً أخرى، والسبب أنني مسجّل في القيود الرسمية (مُتوفّى)".
التعذيب الذي تحدث عنه عبد السلام، "لا يعادل 1% من أصناف العذابات التي تعرض لها خلال خمس سنوات من الاعتقال" على حدّ تعبيره.
تمكن لاحقاً من اللجوء إلى تركيا، ويعيش اليوم في مدينة إسطنبول مع زوجته وأطفاله الخمسة. يقول "أتمنى أن تتوفر له الظروف المناسبة لتعليمهم بشكل جيد" يحقّق به ما فاته بسبب ظروف الاعتقال والحرب عموماً.
يحاول عبد السلام، تجاوز "الأهوال" التي ظلّت عالقة في ذاكرته من سجون النظام السوري، واصفاً الأخيرة بأنها "مسالخ حقيقية".
ومثل آلاف السوريين في تركيا، يعاني ظروفاً معيشية صعبة، يرغب بسببها في اللجوء إلى إحدى الدول الأوروبية، على أمل بدء حياة جديدة هناك.
