سجن صيدنايا كما يظهر في صورة التقطها قمر صناعي تابع لمركز دراسات فضائية فرنسي، نشرت 2016- تعبيرية
سجن صيدنايا كما يظهر في صورة التقطها قمر صناعي تابع لمركز دراسات فضائية فرنسي، نشرت 2016- تعبيرية

"كنت أفقد الوعي نتيجة الضرب والتعذيب.. كنّا نتمنى الموت أو أن يتم إعدامنا في كل لحظة"، يقول محمد عبد السلام لـ"ارفع صوتك"، في إشارة إلى عدم تحمله ورفاقه السجناء في زنازين النظام السوري، قسوة ما تعرّضوا له.

يضيف "تعرضنا لأنواع التعذيب في سجن صيدنايا، مثل حمام الدم. بقيت في السجن خمسة أشهر".

و"حمام الدم" وسيلة لتعذيب المعتقلين يسمح فيها لهم بالاستحمام في كل شهرين مرة، وأثناء ذلك يتعرضون للتعذيب باستخدام أدوات حادّة، حتى يختلط الماء بالدم، بحسب عبد السلام، الذي ينحدر من مدينة إدلب في الشمال السوري، ويعيش حالياً في إسطنبول بتركيا.

اعتقُل مع شقيقه في 16 أبريل عام 2012، ضمن حملة أمنيّة واسعة في الحي الذي يسكنه بإدلب، وتنقلا في عدة مراكز اعتقال وفروع أمن، ليبقى شقيقه لاحقاً في فرع "الأمن الجنائي"، بينما نُقِل إلى فرع "الأمن العسكري" الذي يُعد أكثر فروع الأمن التابعة للمخابرات السورية بطشاً إبان اندلاع ثورة عام 2011.

يقول خلال مقابلة مع "ارفع صوتك": "بعد نحو شهرين من الاعتقال والتعذيب، بدأ التحقيق معي في قضية انشقاق المقدّم حسين الهرموش، وكان من أوائل الضباط المنددين بقمع المظاهرات وقتل المدنيين وانشقّ عن الجيش، وبقيت قوات الأمن السورية تضع ملف انشقاقه ذريعة لتسجيل الاتهامات بحق معتقلين ليست عليهم إدانات قانونية".

صورة قمر صناعي لسجن صيدنايا أحد أكبر مراكز الاعتقال في سوريا
ضحايا جدد يوميا.. "مسلخ صيدنايا" مقبرة لمعتقلي النظام السوري
لا تزال أنباء مقتل معتقلين تحت التعذيب في سجون النظام السوري تتوالى يوما بعد يوم، لاسيما تلك القادمة من سجن صيدنايا الذي باتت تصفه منظمات حقوقية بأنه أخطر معتقل للتعذيب والقتل في البلاد.

وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، الإثنين، أن شابا من قرية الغارية الشرقية بريف درعا قد قضى تحت وطأة التعذيب في سجن صيدنايا بعد اعتقال استمر أكثر من عامين

نفيه للاتهامات، كان "بداية مسلسل التعذيب الجسدي والنفسي من دون توقّف"، وفق تعبيره. استمر على هذه الحال 17 يوماً. أخبَر بعدها المحقّقين بتسجيل ما يشاؤون من الاتهامات على أمل أن يتوقف التعذيب عنه. بُصِم وهو مُقيّد ومعصوب العينين على قائمة من 13 تهمة.

بعد ذلك، نُقِل وآخرين في رحلة التعذيب إلى حلب، ومن مطار حلب إلى مطار اللاذقية، وهناك استقبلتهم مجموعة من عناصر الأمن بالضرب والتعذيب، ثم نُقلوا إلى حمص، ومنها إلى دمشق في فرع المنطقة المعروف بـ(الفرع 245)، وفق قوله.

في هذا الفرع، أعيد التحقيق مع عبد السلام واتهامه بالمشاركة في انشقاق الهرموش، وبقي  تحت التعذيب حوالي 20 يوماً، قبل أن يُنقل مجدداً إلى "فرع التحقيق العسكري 247"، وهناك استُقبل أيضاً بأنواع تعذيب مختلفة، منها الصعق بالكهرباء. ثم نُقِل إلى فرع أمني في منطقة برزة، ومنها إلى الفرع الأمني سيّء الصيت، المعروف بـ"فرع فلسطين" في منطقة المزة بالعاصمة السورية دمشق.

لم يتنفس عبدو الصعداء سوى حين عاد السجان، ووضعه في سيارة نقل السجناء، وتأكد أنه بات في طريقه إلى المحكمة.
قصص مروّعة من صيدنايا.. "المسلخ البشري" لمعتقلي النظام السوري
ويصف عبدو الغرفة المستطيلة، ستة أمتار بالعرض وسبعة أو ثمانية بالطول، أحد جدرانها من الحديد الأسود يتوسطه باب حديدي. تقع الغرفة في الطابق الأول من المبنى المعروف بالأحمر، وهو عبارة عن قسم مركزي تتفرع منه ثلاثة أجنحة.

خلال سبعة أشهر، نُقِل بين أكثر من 30 فرعاً أمنياً داخل دمشق. يقول عبد السلام: "ذقتُ جميع أنواع التعذيب الممنهج، وكنتُ شاهداً على وفاة أشخاص تحت التعذيب". بعد ذلك، تقرّر نقله مع معتقلين آخرين إلى صيدنايا، أو "المسلخ البشري" كما وصفته منظمة "العفو" الدولية.

كان عبد السلام برفقة نحو 100 معتقل حين الوصول إلى سجن صيدنايا في أكتوبر 2013. كان الاستقبال مشابهاً لأماكن أخرى. "تعذيب شديد لمدة أيام، توفى على إثره 15 شاباً، لم يتحمّلوا الضرب والصعق بالكهرباء" حسب شهادته لـ"ارفع صوتك".

ويتابع: "العناصر الذين عذّبوني ظنوا أنني مِت، فنقلوني إلى غرف الملح المخصصة لجثث المعتقلين الذين يموتون تحت التعذيب، حيث يتم ملؤها بالملح من أجل حفظها من التعفّن والتحلل".

"بعد أن استعدتُ الوعي فتحت عينيّ وإذا بي موجوداً بين عشرات الجثث، والملح قد ملأ فمي، وهنا بدأت بالصراخ كي يعرفوا أني لم أمُت بعد"، يقول عبد السلام.

أعيد إلى زنزانته، وبعد نحو شهرين تحوّل إلى فرع أمني للتحقيق معه مجدداً حول انشقاق الضابط الهرموش. وهنا يشير إلى أنه التقى بالهرموش في سجن صيدنايا، حيث استجوبا معاً تحت التعذيب والضرب، رغم تأكيدهما أنهما لا يعرفان بعضهما.

في تلك الأثناء أصدرت السلطات السورية شهادة وفاة لعبد السلام، كان ذلك عام 2014، تفيد بأنه "تُوفى بسبب نوبة قلبية"، وعندما وصل الخبر إلى والده رفض تصديق ذلك. ومن خلال وسطاء متنفذين استطاع الأخير إطلاق سراح ابنه بعد دفع 40 ألف دولار أميركي، حصل عليها من بيع أرض العائلة.

محمد عبد السلام في صورة حديثة خاصة بارفع صوتك
صورة عن وثيقة شهادة الوفاة الصادرة بحق محمد عبدالسلام بينما كان حياً في سجون النظام- خاص بارفع صوتك

لم يلبث عبد السلام أن تنفس الحريّة، حتى أعيد اعتقاله قبل وصوله إلى إدلب. يقول "عند أحد حواجز محافظة حماة أوقفت للتفتيش، واعتقلوني هناك وعدت للسجن الذي قضيت فيه 55 يوماً أخرى، والسبب أنني مسجّل في القيود الرسمية (مُتوفّى)".

التعذيب الذي تحدث عنه عبد السلام، "لا يعادل 1% من أصناف العذابات التي تعرض لها خلال خمس سنوات من الاعتقال" على حدّ تعبيره.

تمكن لاحقاً من اللجوء إلى تركيا، ويعيش اليوم في مدينة إسطنبول مع زوجته وأطفاله الخمسة. يقول "أتمنى أن تتوفر له الظروف المناسبة لتعليمهم بشكل جيد" يحقّق به ما فاته بسبب ظروف الاعتقال والحرب عموماً.

يحاول عبد السلام، تجاوز "الأهوال" التي ظلّت عالقة في ذاكرته من سجون النظام السوري، واصفاً الأخيرة بأنها "مسالخ حقيقية".

ومثل آلاف السوريين في تركيا، يعاني ظروفاً معيشية صعبة، يرغب بسببها في اللجوء إلى إحدى الدول الأوروبية، على أمل بدء حياة جديدة هناك.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

قوات أمنية في بغداد
صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات الأمن العراقية في بغداد - تعبيرية

الحرة- مصطفى هاشم- رغم أن تظاهرات خريجي المهن الصحية والطبية تتواصل في العراق منذ أشهر للمطالبة بالتعيين المركزي في مؤسسات الدولة، وفق القانون، فإن الحكومة لم ترد بجدية على هذه الدعوات إلا بعد وقوع أحداث عنف ضد المتظاهرين الثلاثاء، تسببت في موجة من الاستياء الشعبي.

وتسلط التظاهرات التي ينظمها خريجو الكليات "المهن الصحية" الضوء على معاناة هذه الشريحة من المجتمع، وتؤكد على حقوقهم في التوظيف.

وينص القانون رقم 6 لعام 2000 على تعيين خريجي كليات المهن الطبية والتمريض والرعاية الصحية، وهو ما أقر به وزير الصحة صالح مهدي الحسناوي في مؤتمر صحفي العام الماضي.

وتقول الناشطة الباحثة في الشأن السياسي، نهاد الشمري، في حديث مع موقع "الحرة": "كان من المعروف أن خريجي كليات المهن الصحية من الطب والصيدلة والتمريض وغيرهم يعينون فور تخرجهم، لكن هذا الأمر توقف في الفترة الأخيرة بسبب عدم وجود ميزانيات تغطي المرتبات للأعداد الهائلة من الخريجين".

وقالت إن هؤلاء المتظاهرين "دخلوا هذه المعاهد والكليات الطبية على أمل أن يتعينوا في القطاع الحكومي لكن صدموا أن هذا الأمر قد توقف".

ويؤكد رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان العضو السابق في مفوضية حقوق الإنسان العراقية، فاضل غراوي، أن الدولة عليها أن تكفل حق العمل وبضمنه توفير فرص العمل للخريجين والتعيينات في المؤسسات الحكومية، خاصة أن هناك قوانين صدرت سابقا بتعيين خريجي المهن الصحية، وبالتالي هم يطالبون بتطبيق هذا القانون أسوة بأقرانهم الذين تم تعيينهم".

ويشير غرواي في حديثه مع موقع "الحرة" إلى أن "القانون لم يتغير ولكن موازنة عام 2024 لم تتضمن مخصصات مالية لتعيين حملة الشهادات العليا بعكس ميزانية العام السابق، ولذلك هم يطالبون بأن تتضمن ميزانية عام 2025 المبالغ التي تضمن تعيينهم".  

عدد هائل

وتلفت الناشطة السياسية نهاد الشمري إلى أن التضخم الاقتصادي والترهل الوظيفي قد أثرا سلبا على قدرة الحكومة على استيعاب جميع الخريجين.

وقالت إن الحكومة الحالية تتحدث عن تفعيل القطاع الاقتصادي الخاص والمشترك بغية إنجاز حلول لهذا الملف وتوفير فرص عمل، لكن هذا الموضوع يتطلب وقتا وخططا وهو ليس حلا آنيا ولذلك خرج الطلاب ليطالبوا بحقوقهم وإيجاد حلول سريعة للمشكلة.

وعزت الشمري سبب عدم وجود ميزانية لتعيين خريجي المهن الصحية إلى أخطاء حكومية.

وأوضحت أن "الحكومة العراقية توسعت في السنوات الأخيرة في منح رخص لجامعات أهلية بدأت تنافس الجامعات الحكومية وتخرج أعدادا هائلة من الخريجين، مما دفع الدولة إلى إيقاف التعيينات في القطاع الحكومي بسبب هذه الأخطاء".

وأشارت إلى أن التوسع في الجامعات الأهلية فاقم مشكلة التوظيف.

وقالت الشمري إن هذه السياسات الخاطئة حرمت خريجي الجامعات الحكومية ذات المعدلات العالية جدا من حقهم في التعيين لأن هناك جامعات أهلية بدأت تنافس هذه الكليات بمعدلات أقل بكثير، إذ يدفع فيها الطالب أموالا كثيرة حتى يتخرج ويساوي الطالب الحكومي، وذلك بدون وجود دراسات لقياس مدى جدوى خريجي هذه الجامعات".

وفي عام 2022، كان عدد خريجي كليات الطب 2,767، وخريجي كليات طب الأسنان 4,860. وبلغ عدد خريجي كليات الصيدلة 5,756. وفي فئة الكوادر الصحية والتمريضية، كان عدد خريجي المعاهد 14,812، وخريجي الكليات التقنية 7,648. بالإضافة إلى ذلك، بلغ عدد خريجي كليات التمريض 2,665، وخريجي معاهد التمريض 6,827، وأعداديات التمريض 91، بحسب خطاب وزير الصحة لمجلس الخدمة العامة الاتحادي لغرض المصادقة على تعيين خريجي المهن الطبية والصحية والتمريضية لسنة 2022، وفق ما نشرته وكالة الأنباء العراقية.

ويرى غراوي أنه يتوجب "على الحكومة توفير كل الإجراءات الأساسية للاستجابة لمطالبهم المشروعة من خلال تعيينهم في مؤسسات الدولة، وكذلك إمكانية إعطائهم فرصة إيجابية على اعتبار أنهم خريجون في تخصصات دقيقة مهمة للدولة العراقية".

اعتداءات أمنية

واستخدم بعض عناصر قوات الأمن العنف المفرض لفض تظاهرة خريجي المهن الصحية  بما في ذلك الضرب بالهراوات واستخدام خراطيم المياه، مما أدى إلى حدوث إصابات بين المتظاهرين، بحسب غراوي.

وأثارت هذه الممارسات ردود فعل قوية من نشطاء المجتمع المدني، بعد انتشار مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي. ودعت منظمات حقوق الإنسان الحكومة إلى تحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.

واعتبر الروائي العراقي أحمد سعداوي في تغريدة على منصة "أكس" أن السلطة في بلاده "لا تتعلم أبدا".

وأدان غراوي الذي كان عضوا في المفوضية العليا لحقوق الإنسان سابقا، الاعتداءات الأمنية واعتبرها انتهاكا صارخا لحقوق المتظاهرين.

وطالب الحكومة باتخاذ إجراءات حازمة ضد أفراد الأمن المتورطين في استخدام العنف، وضمان توفير فرص العمل للخريجين وفقاً للقوانين السابقة.

استجابةً لهذه الأحداث، وجه رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قيادة العمليات المشتركة بالتحقيق في ملابسات الاعتداءات التي حدثت خلال التظاهرات.

وأكد على أهمية تواجد القوات الأمنية في موقع التظاهرات المستقبلية لتفادي تكرار الحوادث.

وأضاف أن هناك لجنة برئاسة وزير الصحة ستقدم تقريراً حول وضع خريجي المهن الصحية وتحديد الحلول القانونية خلال أسبوع.