أرشيفية من مسيرات التضامن مع حي الشيخ جراح في القدس الشرقية يظهر فيها فلسطينيون وإسرائيليون وأجانب
أرشيفية من مسيرات التضامن مع حي الشيخ جراح في القدس الشرقية يظهر فيها فلسطينيون وإسرائيليون وأجانب

تُطلق تسمية "عرب 48" على الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم عند إعلان الدولة اليهودية في فلسطين في سنة 1948، كما يُطلق عليهم اسم "فلسطينيو الداخل" في إشارة لوجودهم داخل الدولة الإسرائيلية، وتحديداً خلف حدود الخط الأخضر. وهو خط الهدنة التي عقدت بين القوات اليهودية والجيوش العربية في نهاية حرب 48.

وخلال الحرب الدائرة بين إسرائيل وفصائل فلسطينية في قطاع غزة، يتردد ذكر "عرب 48" في الوسائل الإعلامية المختلفة، بعدما تعرض العديد منهم للطرد من العمل أو الجامعة أو دخول السجن بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتضامن مع غزة.

 

الخلفية التاريخية

في نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار (رقم 181)، القاضي بتقسيم أرض فلسطين إلى دولتين -يهودية وعربية- عقب انتهاء الانتداب البريطاني، بموافقة 23 دولة ورفض 13 وامتناع عشرة عن التصويت.

رحب اليهود بقرار التقسيم بينما رُفض هذا القرار من قِبل الفلسطينيين والعرب. وفي منتصف مايو 1948، أعلنت بريطانيا انتهاء انتدابها لفلسطين، وبالتزامن أعلن ديفيد بن غوريون الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية ومدير الوكالة اليهودية، قيام دولة إسرائيل.

تسببت تلك الأحداث المتلاحقة في إعلان ست دول عربية الحرب على إسرائيل. وهي: مصر، والأردن، ولبنان، والعراق، وسوريا، والسعودية. 

حققت القوات العربية بعض الانتصارات في الشهور الأولى من الحرب، ولكنها سرعان ما هُزمت في العديد من المواقع أمام الجيش الإسرائيلي.

في يناير 1949، توقف القتال بين الطرفين بعد صدور قرار من الأمم المتحدة. وبينما تم تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين خلال الحرب، فإن قسماً منهم رفض الخروج من أرضه، بالإضافة إلى قسم آخر من الفلسطينيين الذين عادوا مرة أخرى إلى أراضيهم قبل صدور قانون المواطنة الإسرائيلي سنة 1952، لتطلق عليهم لاحقا لاحقاً تسمية "عرب 48"، وبلغ عددهم نحو 160 ألف فلسطيني.

بحسب الإحصاء السكاني الأخير في إسرائيل، فإن عدد "عرب 48" حوالي مليونين و48 ألف نسمة. ويمثلون نسبة 21% من سكان إسرائيل البالغ عددهم 9 ملايين و727 ألف نسمة.

تتباين انتماءات "عرب 48" الدينية بشكل كبير، حيث يعتنق 80% منهم الدين الإسلامي، و11% مسيحيون، فيما تتوزع البقية على عدة مذاهب وطوائف، أبرزها الدروز الموحدون.

يعيش أغلب "عرب 48" في المناطق الشمالية من إسرائيل، والبقية في صحراء النقب والقدس الشرقية.

 

محطات الصدام مع إسرائيل

على مدار العقود السابقة، وقعت العديد من المصادمات بين "عرب 48" والسلطات الإسرائيلية. في 30 مارس 1976، عبّروا عن أنفسهم وعن هويتهم الفلسطينية بشكل ظاهر للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي، حين احتج الآلاف منهم بعدما قامت الحكومة الإسرائيلية بمصادرة مساحات واسعة من أراضيهم، لتندلع المظاهرات الغاضبة التي اصطدمت بالقوات الإسرائيلية، التي قتلت 6 محتجين منهم.

بعدها بأحد عشر عاماً، شارك "عرب 48" في أحداث الانتفاضة الأولى التي اندلعت يوم الثامن من ديسمبر 1987، وشاركوا أيضاً في أحداث الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر 2000.

في مايو 2021، نشبت آخر الصدامات الكبرى بين عرب الداخل والقوات الإسرائيلية بسبب النزاع حول ملكية بعض الأراضي والعقارات في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية. بدأت الأحداث وقتها بتصاعد غضب العرب بسبب محاولة المستوطنين اليهود طرد سكان عرب من منازلهم وتهجيرهم واقتحام المسجد الأقصى.

تطورت الاحداث بعدها لتتحول إلى اشتباكات عنيفة وأعمال شغب وحرق سيارات، وامتد الصراع لعدد من المدن الإسرائيلية الأخرى. كما أدى لاشتعال المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحركة حماس.

 

كيف يعيشون؟ 

يشتكي "عرب 48" من المحاولات المستمرة التي تقوم بها الدولة الإسرائيلية لاستبعادهم وتهميشهم وطمس هويتهم العربية الفلسطينية. وباستثناء الدروز، لا يخدم "عرب 48" في الجيش والمؤسسات العسكرية الإسرائيلية المختلفة.

من جهة أخرى، عانى "عرب 48" من بعض المعاملات التمييزية والإقصائية التي مارستها الدولة ضدهم في ميادين التعليم وسوق العمل والتشريعات القانونية والسياسية. على سبيل المثال، أشارت الإحصائيات الرسمية لمؤسسة التأمين الوطني ودائرة الإحصاء المركزي التابعة للمؤسسة الإسرائيلية، أن البطالة بصفوف الرجال اليهود وصلت لنحو 6.1% بالنصف الثاني من عام 2013 بينما بأوساط العرب وصلت معدل 12%.

كما أن معدل الدخل الشهري للعامل العربي يصل لنحو 1500 دولار بينما يفوق المعاش الشهري للعامل اليهودي الـ 2500 دولار. وترجح تقديرات مراكز الأبحاث الاقتصادية بأن البطالة في أوساط الرجال من "عرب 48" تصل لنحو 30% وبصفوف النساء تصل لنحو 78% في ظل غياب مشاريع تدمج المرأة بسوق العمل. في المقابل فإن 60% من اليهوديات يشاركن في سوق العمل بإسرائيل.

تسبب كل ذلك في ازدياد معدلات الجريمة والفوضى والعنف في المدن العربية داخل إسرائيل. وفي أكتوبر 2019، تظاهر المئات من العرب في العديد من المدن والبلدات العربية، مثل الناصرة وأم الفاهم وشفا عمرو وطمرة ومجد الكروم وعارة وعرعرة وكفر قاسم، احتجاجاً على تفشي العنف والجريمة في المناطق العربية من إسرائيل على وجه الخصوص. الأمر الذي اعتبره المتظاهرون تواطؤاً من الشرطة، وتهميشاً لحقوق العرب في العيش في مجتمع أمن.

في السياق نفسه، تظهر المعاملة التمييزية بحقهم في ميادين التعليم الحكومي. يخضع نظام تعليم العرب إلى وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية من خلال قسم التعليم العربي داخل الوزارة، الذي يهيمن عليه الإسرائيليون بشكل كامل ومركزي، ويشرف جهاز الأمن العام الإسرائيلي على تعيين أعضاء الهيئة الإدارية والأكاديمية في المدارس العربية.

كذلك يتعرض التعليم العربي إلى التمييز في مخصصات الموازنة المالية، فنصيب الطالب العربي من موازنة التعليم في إسرائيل أقل بنسبة 88% مقارنة بالطالب اليهودي بحسب التقرير الصادر عن مركز توب لأبحاث السياسة الاجتماعية في إسرائيل في سنة 2017.

تظهر المشكلة التمييزية على نحو أكثر وضوحاً في ميدان العمل السياسي. في سبتمبر 2019، حصل العرب على 16 مقعداً فقط من بين 120 مقعداً برلمانياً. بما يمثل نسبة 13.3% رغم أن نسبة العرب في الدولة تزيد عن 20% من إجمالي عدد السكان.

في الاتجاه نفسه، تم سن بعض القوانين الإقصائية ضد الكتلة العربية في الكنيست. في فبراير  2016،وافقت لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست على اقتراح يُجيز تعليق عضوية النواب إلى أجل غير مسمى بتصويت 90 نائباً من أصل 120، الأمر الذي استهدف النواب العرب على وجه التحديد.

في السياق نفسه، جمّدت لجنة الأخلاق في الكنيست عضوية ثلاثة نواب عرب لمدة شهرين إلى أربعة أشهر عقاباً لهم على اجتماعهم بأسر فلسطينيين متهمين بـ"الإرهاب" لقوا مصرعهم بإطلاق النيران عليهم بعدما قاموا بقتل مدنيين إسرائيليين.

وتزايد إحساس "عرب 48" بالإقصاء والتهميش بعد إقرار قانون "الدولة القومية اليهودية" في يوليو  2018، الذي أكد أن إسرائيل هي "دولة قومية للشعب اليهودي"، كما جعل من العبرية اللغة الأساسية للدولة، مهمشاً استخدام العربية التي كانت تُعدّ لغة ثانية.

أثار هذا القانون استياء الأقلية العربية في إسرائيل، وردالنواب العرب في الكنيست الإسرائيلي بغضب ووصف بعضهم القانون بأنه "عنصري ويؤسس للفصل العنصري"، ولوح أحدهم بعلم أسود ومزق آخرون مسودة القانون. فيما قال أيمن عودة، زعيم ائتلاف الأحزاب العربية، في بيان، إن إسرائيل "أصدرت قانون التفوق اليهودي وأخبرتنا أننا سنكون دائما مواطنين من الدرجة الثانية".

في الآونة الأخيرة، تسارعت وتيرة التضييق القانوني على "عرب 48" بشكل ملحوظ.ففي فبراير من العام الحالي، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون يوسع سياسة التجريد من الجنسية أو الإقامة في حالة الإدانة بـ"الإرهاب".

ومهد القانون الطريق أمام إسرائيل لطرد فلسطينيين من داخل إسرائيل أو من القدس الشرقية، إلى الضفة الغربية أو غزة.  وصف النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي، أحمد الطيبي، هذا القانون بأنه "تمييزي"، وأضاف "عندما يرتكب عربي جريمة يكون مواطناً يطبق عليه القانون بينما عندما يرتكب يهودي جريمة أكثر خطورة فإننا لا نسمع عن إسقاط جنسيته".

 

حرب غزة

تفاعل "عرب 48" بشكل كبير مع الأحداث التي تجري حالياً في قطاع غزة. وطالب الشيخ رائد صلاح، رئيس "الحركة الإسلامية" داخل إسرائيل بالمسارعة إلى وقف الحرب ضد قطاع غزة، وقال في كلمة مسجلة "أنادي كل صاحب ضمير حي، من كافة الأديان، برفع صوته والمطالبة بوقف الحرب".

وأضاف: "أدعو الجميع للمطالبة بإفشاء السلام، والقول لا لهدم المساجد، لا لهدم الكنائس، لا لهدم الكنس (المعابد اليهودية)، لا لهدم الصلوات والبِيع، ارفعوا أصواتكم وقولوا أوقفوا الحرب، وقولوا لا لقتل الأجنة والرضع، لا لقتل الأطفال، لا لقتل الأبرياء من الرجال والنساء والشيوخ والعجائز".

من جهة أخرى، قام العشرات من العرب بالتظاهر في بعض المدن العربية للتضامن مع فلسطيني قطاع غزة، وعبّر الكثيرون عن دعمهم لغزة من خلال منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. 

من جهتها، أعلنت إسرائيل عن رفضها الكامل لمختلف مظاهر الدعم التي أبداها "عرب 48" لقطاع غزة. 

أبرزت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" تصريحات قائد الشرطة الإسرائيلية كوبي شبتاي، التي قال فيها: "إن الشرطة لن تتسامح مطلقاً مع المظاهرات المؤيدة لحماس داخل إسرائيل".

وأضاف "لن يكون هناك تسامح مطلق مع أي حالة تحريض… لن يكون هناك ترخيص للاحتجاجات... إسرائيل في حالة حرب… ولسنا في وضع نسمح فيه لجميع أنواع الأشخاص بالمجيء واختبارنا". وتم على أثر ذلك، اعتقال العديد من "عرب 48" الذين أعربوا عن تضامنهم مع فلسطينيي غزة والضفة، ولو عن طريق منشورات في مواقع التواصل.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".