لبنان يعتبر أكثر تساهلاً مع المثليين مقارنة بدول عربية أخرى

يشمل مجتمع "الميم عين+" المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي وعابري النوع الاجتماعي، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش. وتقول الأمم المتحدة إن التمييز والعنف بدافع الكراهية ضد الأشخاص من هذا المجتمع "منتشر ووحشي، وغالبا ما يتم ارتكابه مع الإفلات من العقاب". 

ويسلط برنامج "الحرة تتحرى" الضوء على أبرز الانتهاكات الحقوقية التي يتعرض لها أفراد مجتمع "ميم عين+" (أو LGBTQ) في المنطقة.

في العراق، وثقت كاميرات المراقبة في منطقة المنصور غرب بغداد لقطات قيل إنها لحادثة مقتل، محمد نور الصفار، المعروف باسم "نور بي إم".

تداول ناشطون ومدونون تفاصيل جديدة عن الحادثة، التي وقعت إثر قيام سائق دراجة توصيل (ديليفيري) بفتح النار على البلوغر المدعو، "نور بي إم"، وهو ما أدى إلى مقتله على الفور.

"نور بي إم"، ابن الثالثة والعشرين، الذي عرف بمنشوراته الجريئة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتشبهه بالنساء، سبق أن تعرّض للانتهاك والتعذيب، وحلاقة شعره على يد مجهولين، قبل أن يُقتَل في وضح النهار، بثلاث رصاصات، بعد سنوات من التهديد، وصلته خلالها رسائل، لم يكن يتوقع أن تتحول إلى حقيقة.

وتقول، رشا يونس، الباحثة في منظمة هيومان رايتس ووتش الحقوقية: "للأسف هذا الشيء لم يفاجئنا. منذ عام 2021، وثقنا بتقرير 50 عملية محاولة قتل، أو استهداف على الإنترنت، وعلى أرض الواقع، والتعذيب والتعنيف ضد عراقيين، وأشخاص يعيشون بقلب العراق، ينتمون لمجتمع الميم عين".

ويقول سيف علي، الناشط العراقي متغير الهوية الجنسية، إن "الشخص الذي قتل نور بي إم، أصبحت القضية لدينا هاشتاغ ترند بالعراق. الكل كان يدعمه، حتى أطلقوا عليه وصف أنه هو أبو الديليفيري، قالوا: 'أبو الديليفيري رضي الله عنه'. كل الدعم اللي حصل ممكن أي شخص عنده أفكار ضد LGBTQ، قد تصبح لديه رغبة أقوى أن ينفذ هذه الجرائم".

بعض المحللين أرجعوا كل ذلك إلى حملات قادتها أطراف سياسية ودينية في العراق ضد مجتمع "ميم عين+" من بينها جماعة عصائب أهل الحق المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية.   

ويقول تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "حدثت جريمة القتل السافرة بعد أشهر من الضغط على الحكومة لإصدار قانون يعاقب المثلية الجنسية بالإعدام أو السجن مدى الحياة. وفي هذا الإطار أعلن قيس الخزعلي، زعيم جماعة عصائب أهل الحق، أنه صار لزاما على كل الشرفاء في مجلس النواب تشريع قانون يجرّم الشذوذ الجنسي".

وتقول يونس: "عندما نتكلم عن حقوق مجتمع الميم عين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا نتكلم عن حقوق مستوردة من الغرب، لا نتكلم عن حقوق غريبة لا نعرفها، نتحدث عن حقوق أساسية، حقوق فردية يصونها الدستور اللبناني، والدستور العراقي والقانون الدولي والتشريعات الدولية، التي وقعت عليها هذه الدول في المنطقة. نتكلم عن الحق بالتعبير، نتكلم عن حق بحرية الرأي، يعني نتكلم عن الحق، بالصحة، بالخصوصية،  الوصول إلى المعلومات، عن حق النشر عن الحق بالحياة، عن المساواة، نتكلم عن حقوق هي أصلا مُرسَّخة بالدستور اللبناني، وبالدستور العراقي".

ويشير تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية إلى توثيق "ثماني حالات اختطاف وثماني حالات محاولة قتل وأربعَ حالات قتل خارج القضاء و27 حالة عنف جنسي بما فيها الاغتصاب الجماعي و45 حالة تهديد بالاغتصاب والقتل"، وكانت الانتهاكات على يد الجماعات المسلحة  والجهات الحكومية.

كما يشير تقرير مرصد أوركاجينا العراقي لحقوق الانسان إلى أن المرصد "عمل على توثيق أعداد المثليين في العاصمة وبقية المحافظات وبلغ نحو 4500 إلى 5000، عدا القاطنين بإقليم كردستان، الذين يُقدّرون بضعف تلك الأعداد، ومن الصعب معرفة أعدادهم بدقة بسبب إخفاء كثرٍ لميولهم الجنسية وتصرفاتهم عن ذويهم خشية من ردود أفعالهم".

وتقول نورا،  وهي عابرة جنسيا من العراق إن "المضايقات تبدأ من أطفال يتحدثون عنك، ويطلقون عليك شتائم كمخنث وكذا. يكبر الموضوع ويبدأ البالغون في الشارع بالإشارة إليك بطريقة غريبة، الموضوع يكبر، تأتيك طلقات في مظروف، يعني مثل ذخيرة سلاح في مظروف، يكبر الموضوع وتُقتُل بالشارع وكأنه أمر عادي".

وتضيف "أنا امرأة عابرة، فالطبيعي أن تتم مخاطبتي بصيغة المؤنث، المرأة العابرة تعريفها علميا، هي امرأة ولدت بجسد رجل، وتشعر بإحساس اسمه اضطراب الهوية الجنسية، هي تشعر أن الجنسانية ليست مطابقة لشخصيتها أو حقيقتها كإنسانة".

نورا، كما تحب أن تُنادى، وُلدت ذكرا، إلا أنها لطالما اعتبرت نفسها امرأة محبوسة بهذا الجسد منذ ولادتها قبل 20 عاما.

وتقول: "في فترة ما كان شعري طويلا وكنت أشتري أغراضا غريبة، تعتبر نسائية، فأهلي، أمي قالت لي حينها: 'إذا عرفت أنك تلبس مثل البنات أو تقوم بهذه الأمور  سأقتلك بالشارع ليست لدي أي مشكلة'، ومنذ ذلك الحين وأنا لا أتكلم معهم في هذا الموضوع وأحاول دائما أن أخفى هويتي".

وتضيف "يوميا في الصباح، أنا شخص آخر تماما، الصراحة هناك ازدواجية كبيرة في حياتي، المكان الذي أكون فيه نفسي هو إنستغرام، حسابي الخاص، وفيه 5 أو 10 أفراد وأحلامي".

ولا يعاقب القانون العراقي على الانتماء لمجتمع "ميم عين+" بنص صريح بل يضعه ضمن الجرائم "المخلة بالأخلاق والآداب العامة". 

ويقول محمد أميري، الخبير في القانون الجنائي العراقي إن القوانين التي تطبق والتي تعاقب المثليين هو قانون العقوبات رقم 111 لسنة 69. بالمادة 393 و394، "إذا أردنا أن نكون صريحين، نرى المادة واضحة، من اغتصب أنثى بدون رضاها، أو لاط بأنثى أو ذكر بدون رضاهم أو برضاهم، فهنا اندرجت المثلية وتكون العقوبة السجن المؤقت أو المؤبد".

وعلى الرغم من ذلك طالب نواب بكتلة دولة القانون في البرلمان العراقي بالإسراع في تقديم تشريعات ومقترحات قوانين لتجريم المثلية الجنسية.

ويقول سيف علي: "كنت أتلقى تهديدات بشكل يومي، أننا سنصل إليك، كان الشخص الذي يهددني يقول: 'أنا اسمي فلان، هلقد عمري، من فلان ميليشيا، رح نسوي فيك هيك، رح نغتصبك، رح نقتلك'، ما أفعله هو أمر غير قانوني بالنسبة للدولة. لكن الخوف الكبير لم يكن من الدولة بتاتا، وإنما من الميليشيات، لأن الدولة قد تسجنني، وقد أعاقب لعدد من السنوات وأخرج بعدها. لكن الميليشيات المسلحة، لا تتعامل بهذا الشكل، وقد لا ترسل تهديدا، وتقتلك مباشرة".

لبنان كان وجهة سيف ابن الخامسةِ والعشرين، فهو بلد قريب والدخول إليه من العراق لا يحتاج إلى تأشيرة. "لبنان نرى فيه حرية أكثر من باقي المناطق، ونرى أن كثيرا من المنظمات والناشطين لديهم صوت قوي للغاية، وصوت مسموع. نحن لا نقول إن الحرية في لبنان perfect (لا شائبة فيها) لكن أكيد هي الأحسن في الشرق الاوسط"، يقول سيف.

لبنان

لكن ما جذب سيف إلى لبنان تبدل في الآونة الأخيرة فهل تحول لبنان إلى مكان غير آمن لمجتمع "الميم عين"؟

يقول تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية إن "أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، وصف العلاقات المثلية بالثقافة المنحرفة، ودعا صراحة إلى العنف ضد المثليين، إذ دعا إلى قتلهم، وحث الناس على وصفهم بألفاظ مهينة". 

وهكذا دشن الأمين العام لحزب الله حملة الكراهية ضد مجتمع "الميم عين" في لبنان، والتي تصاعدت بعد أقل من عام على وصول سيف علي إلى بيروت، الذي هرب من بلاده، العراق، خوفا من ممارسات مماثلة. 

"أول ما جيت لبنان حسيت هذا الشعور بالحرية. بلشت أكتب مقالات، بلشت أحس عندي حرية، بلشت أعبر أكثر. بس من ورا الحملة، اللي عم تصير، بطلت أكتب مقالات، صرت أحس أن الوضع أشبه بالوضع تقريبا اللي بالعراق"، يقول سيف. 

وبعد شهر من خطاب نصرالله هاجمت جماعة مسيحية تطلق على نفسها اسم "جنود الرب" حانة في بيروت  تقدم عرضا ارتدى فيه رجال ملابس نسائية ويعرف بالإنكليزية باسم "Drag show".

وتقول يونس إن "خطاب الكراهية ضد أفراد مجتمع الميم عين يزداد خطورة، ويطبق على أرض الواقع. يتم استهداف الأشخاص من قبل أفراد عاديين، من قبل جماعات، مثل حزب الله، وغيرها من الجماعات بلبنان، والتي هي مسلحة، وأيضا موجودة بقلب الدولة".

والهجوم لاقى تأييدا من البعض في الشارع اللبناني، ويقول ميشال شمعون، الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، واحد من هؤلاء "ما عندي مشكل معهن، شو بيعملوا بتختُن ببيتن. عندي مشكل معُهن بنشر الموضوع، ويعتبروه طبيعي، وبدن يانا (يودون أن) نعتبره شيئا طبيعيا. ما فيني (لا يمكنني) أنا أخلي بنتي وعائلتي وأولادي، يشوفوا هذا الشيء أنه شيء طبيعي، لا هذا شيء مش طبيعي أبدا بتاتا. أنا مني من جنود الرب. صارت العالم، إسلام ومسيحيين، صاروا مع جنود الرب".

في خريف عام 2023، نظمت جمعيات ومؤسسات إعلامية وحقوقية مسيرة للحريات في وسط بيروت، لكن وأمام أعين قوات الأمن قامت مجموعات تقود دراجات نارية بالاعتداء على المسيرة بدعوى أنها تروّج للمثلية الجنسية. 

هذا الواقع بدّل ما اعتاد عليه خلدون جابر، الصحافي اللبناني، الذي لم يسبق له أن تعرض لأي مضايقات بسبب هويته الجنسية، ويقول: "لبنان البلد الذي كان لفترة طويلة وجهة للعديد من الأشخاص بالمجتمعات العربية، كانوا مرفوضين فقط بسبب ميولهم الجنسية، كانوا يعتبروا أن لبنان هو مساحة آمنة، ومكان جيد أن يكون يعبر فيه عن حالهم. اليوم للأسف، وصلنا لمكان بشع للغاية، بموضوع عدم تقبل الآخر، وخوف الأشخاص من إعلان ميولهم الجنسية".

وتقول، رشا يونس: "هناك صورة مغلوطة عن لبنان أنه كان ملاذا، وكان ملجأ لأفراد مجتمع ميم عين بالمنطقة. وثقنا 50 حالة كمان بلبنان بالتمييز والعنف والاعتقال التعسفي ضد النساء 'الترانس' (العابرات جنسيا)، بـ 2018 و2019. هذا التمييز وهذا النوع من الاستهداف لم يتغير، بالعكس يزداد. كثير من النساء الترانس، ليس لديهن وصول للعلاج الهرموني، ليس بوسعهن الوصول للخدمات الصحية، ممكن تؤكد الهوية الجندرية، ولذلك يتم التعامل معهم كأنهم رجال مثليون".

تلك المشكلة تعيشها "ليا" كما تسمّي نفسها، وهي عابرة جنسيا لم تستطع حتى الآن وهي في العقد الرابع من عمرها إتمام المسار الطبي لعملية إعادة تحديد الجنس.

وتقول: "بتنعمل بلبنان بس صعبة. يعني أول شيء غالية، ثانيا الدكتور اللي بدو يعمل العملية يمكن مش شاطر، الأطباء اللي عنا عم يختبروا بالعالم (بالناس)، أكثر من انو هني عم يعملوا اشيا (أكثر من كونهم ينجزون أمورا) متأكدين منها. فبالتالي كتير عالم (كثير من الناس) عم تضطر تسافر لبرا (للخارج)، وهالعمليات مكلفة. ومع الأسف، إذا هالعمليات ما انعملت، الأشخاص الترانس أو العابرين والعابرات، ما بيتغيروا هوياتهم".

ظلت ليا ذكرا أمام الدولة اللبنانية، لأنها لم تتمكن من تغيير هويتها الجنسية طبيا، ما قد يعرضها لمشكلات قانونية.

ويلاحق شبح التحريض والقتل أفراد مجتمع "الميم العين" في لبنان والعراق على الرغم من توقيعهما على مواثيق الحقوق الدولية، إضافة الى ضمانات دستورية تكفل حق المواطنين في الخصوصية وحرية التعبير، ما يضع البلدين أمام تحد للحفاظ على أبسط حقوق الإنسان: الحق بالحياة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.