علم قوس قزح الذي يرمز لمجتمع الميم حول العالم- تعبيرية
علم قوس قزح الذي يرمز لمجتمع الميم حول العالم- تعبيرية

أثارت جلسة مجلس النواب الأخيرة، التي ناقشت مقترح قانون التعديل الأول لقانون "مكافحة البغاء" (رقم 8 لسنة 1988)، مخاوف ناشطين مثليين عراقيين بسبب ما جاء في مداخلات النواب خلال القراءة الثانية للقانون التي أنجزت اليوم الخميس.

الدائرة الإعلامية لمجلس النواب نشرت أحداث الجلسة وأبرز ما جاء في مداخلات النواب في قضية قانون "مكافحة البغاء".

وطالب عدد من النواب بتشريع القانون "من أجل تحريم كل فعل يروج أو يساند أو يدعم الترويج للمثلية"، و"تضمين القانون توصية غلق أي منظمة أو مؤسسة تروّج لثقافة الشذوذ الجنسي والمثلية"، بالإضافة إلى "حظر استخدام تسمية الجندر في مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني"، و"تجريم التشبه بالجنس الآخر سواء بالملبس أو المظهر أو تعاطي هرمونات مغايرة للطبيعة البشرية".

وأوصى النواب في مداخلاتهم كذلك بـ"السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تروّج لأفكار الشذوذ الجنسي"، وفق تعبيرهم.

أكثر ما أثار قلق الناشطين المدافعين عن حقوق المثليين هو دعوة النواب خلال الجلسة إلى "اعتماد الرأي الفقهي والشرعي في تحديد نوع العقوبات المشمولة بالقانون"، وهو ما يفسّره الناشط الكويري سيف علي، مؤسس منصة "كالا" التي تعنى بحقوق المثليين في العراق، على أنه "دعوة إلى تطبيق آراء الفقهاء التقليدية المتشددة في هذا المجال، مثل الضرب بالسيف أو الحرق أو الرمي من شاهق، وهذه عقوبات كان يطبقها تنظيم داعش".

 

ما يقوم به مجلس النواب "خطير" بحسب علي، لأنه "يدخل مسألة المثلية ضمن خانة مكافحة البغاء، والمقصود منه ملاحقة المثليين حصراً".

"والأخطر عدم وجود أي معارضة نيابية تُذكر لهذا القانون، بل إن النواب يتسابقون لإقراره وتشديد العقوبات"، يقول علي لـ"ارفع صوتك".

حتى بعض النوّاب المستقلين أو المحسوبين على احتجاجات تشرين 2019، يدعمون هذا القانون، حسب علي الذي يقول: "إذا كان موقف النواب المحسوبين على تشرين والمجتمع المدني هكذا، فلك أن تتخيل موقف المدعومين من المليشيات المسلحة أو المحسوبين على أحزاب دينية".

في الوقت نفسه، "لا تقوم المنظمات الحقوقية الدولية بواجبها للضغط على البرلمان العراقي والحكومة العراقية"، ما خلق شعورا ً لدى الناشط العراقي المدافع عن حقوق المثليين بأن "المجتمع الحقوقي الدولي تخلى عن مجتمع الميم-عين في العراق وتركه لمواجهة مصيره".

وكان النواب ناقشوا في الجلسة نفسها مسألة المواقف الدولية من هذه القضية وطالب بعضهم بـ"تشريع تعديل القانون بعيداً عن الضغوطات الخارجية، مع تقديم احتجاج رسمي لدى البعثات الدبلوماسية التي طالبت بعدم المضيّ بتشريعه".

يمثل ذلك بالنسبة لعلي، "تحدياً صريحاً للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية".

الناشط الكويري يتخوّف أيضاً من أن هذا القانون سيؤثر ليس على أفراد مجتمع الميم-عين فقط، بل حتى على الذين لا ينتمون إليه، "لاحتوائه العديد من العبارات الضبابية التي تمكّن السلطات من محاسبة كل شخص له مظهر أو طريقة لبس أو تسريحة شعر مختلفة عن السائد".

ويوضح علي: "في حال تم إقرار هذا القانون سيعاني العديد من أفراد مجتمع الميم عين الذين يعيشون في الخفاء من تبعاته، خصوصاً في حال معرفة هوياتهم، وهو ما سيؤدي إلى زيادة عمليات ابتزازهم".

وأكثر ما يرعب الناشط العراقي أن مشروع القانون يتضمن عقوبة الإعدام. "أي أنه يمكّن القضاة من إنهاء حياة أشخاص بسبب هويتهم الجنسية التي ولدوا بها ولا يستطيعون تغييرها"، يقول علي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

تلامذة نازحون يتابعون شرح مدرسهم في مدرسة مؤقتة في خيمة في مخيم بهركة، على بعد 10 كيلومترات غرب أربيل في إقليم كردستان، في 1 سبتمبر 2014. (صورة تعبيرية)
تلامذة نازحون يتابعون شرح مدرسهم في مدرسة مؤقتة في خيمة في مخيم بهركة، على بعد 10 كيلومترات غرب أربيل في إقليم كردستان، في 1 سبتمبر 2014. (صورة تعبيرية)

أثار قرار المحكمة الاتحادية بشأن توطين رواتب موظفي إقليم كردستان العراق ردود فعل متباينة. ففي الوقت الذي ترى فيه حكومة الإقليم أنه "انتهاك" لحقوقها الدستورية، يرى مختصون أن من شأن القرار تحقيق المساواة بين موظفي الدولة العراقية بالكامل وإنعاش اقتصاد الإقليم نفسه.

وكانت المحكمة الاتحادية العليا قررت إلزام كل من رئيس مجلس الوزراء الاتحادي محمد شياع السوداني ورئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، بتوطين رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام لدى المصارف الاتحادية.

وأمرت بإلزام تقديم الموازنة الشهرية لموظفي الإقليم لدى وزارة المالية الاتحادية، مع إلزام مجلس وزراء كردستان تسليم جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى الحكومة الاتحادية.

جاء النظر في القضية بعد رفع مجلس المعلمين في السليمانية دعوى قضائية ضد الحكومة المركزية وحكومة الإقليم تتعلق بتأخير دفع رواتب موظفي إقليم كردستان العام الماضي.

وقال المجلس في بيان إثر صدور القرار إن "قرار المحكمة الاتحادية جاء بعد مخاض عسير وجهد آلاف المعلمين والموظفين والمواطنين"، معتبرا أن توزيع الرواتب "حلم تحول إلى حقيقة".

يبين المحلل السياسي علي البدر أن حكومة الإقليم ترى في قرار المحكمة "إضعافاً لمفهوم الأقاليم وتعزيزا لحالة المركزية في إدارة البلاد، على الرغم من أن الدستور ذهب باتجاه الفيدرالية والحكم المحلي، وهو ما يجعل البصمة السياسية حاضرة في المشهد".

"ردود الأفعال التي لاحظناها من أطراف سياسية معينة (لم يسمّها) فيها نوع من الانتصار، كأن الموضوع سياسي أكثر من كونه قانونياً"، يضيف البدر لـ"ارفع صوتك".

وبغض النظر عن السياسة، فإن المستفيد في حالة تنفيذ القرار، كما يقول البدر، هو "المواطن الكردي المتضرر بشدة بسبب تأخر رواتبه، وكان ضحية الأزمة السياسية التي بدأت منذ عشر سنوات".

 

"تجاوز على حقوق الإنسان"

 

يبدو أن فرحة موظفي الإقليم بقرار المحكمة الاتحادية لن تكتمل إلا بتنفيذ قرار المحكمة بالكامل، فقد ربط القرار صرف الرواتب من قبل الحكومة الاتحادية بتسليم الإقليم لجميع الواردات النفطية وغير النفطية إلى بغداد. وهو الأمر الذي رفضته حكومة كردستان، على اعتبار أن هذه الواردات جزء من مكتسبات وحقوق الإقليم السياسية التي ناضل في سبيلها لعقود.

يقول النائب عن الاتحاد الديمقراطي الكردستاني محما خليل إن في القرار "تجاوزا واضحاً على حقوق الإقليم في تشريع القوانين واللوائح الخاصة به وفق المادة 14 من الدستور، التي نصت على أن جميع القوانين والقرارات المشرعة في برلمان إقليم كردستان سارية ما لم تتقاطع مع الدستور".

ويتهم في حديثه لـ"ارفع صوتك" الحكومة الاتحادية بـ"التجاوز على حقوق الإنسان" معللاً تصريحه بالقول: "نحن مع إعطاء حقوق الموظفين في الوسط والجنوب. ولكن عندما استثني من ذلك موظف الإقليم فهذا يعتبر تجاوزاً واضحاً على حقوقه، كما قامت كردستان بتوطين الرواتب، وكان يفترض وجود تنسيق في هذا الموضوع منذ فترة طويلة".

لكن السبب الرئيس في أزمة الرواتب لموظفي إقليم كردستان، من وجهة نظر  نائب رئيس لجنة الاقتصاد والتجارة ياسر الحسيني، نابع من "مماطلة حكومة الإقليم وعدم تسليمها الإحصاءات الدقيقة لأعداد موظفيها، وأيضاً لأنها لا تسلم وارداتها أُسوةً ببقية المحافظات".

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "المحكمة الاتحادية ذهبت إلى إلزام الطرفين (المركز والإقليم) بالاحتكام إلى الدستور والقانون وأن تسلم حكومة الإقليم وارداتها وتوطّن رواتب موظفيها، وإذا ما تم تنفيذ القرار فإنه لن يكون هناك شيء اسمه مشكلة رواتب الإقليم".

 

بين القانون والاقتصاد

على العكس مما يراه النائب محما خليل، يقول أستاذ مادة القانون الدستوري في جامعة بغداد، مصدق عادل، إن قرار المحكمة الاتحادية يصبّ في مصلحة موظفي الإقليم، "كونه حقق مساواتهم أمام القانون أسوة بموظفي الدولة الاتحادية وفق المادة 14 من الدستور التي كفلت حق المساواة عبر تحقيق المعيشة الكريمة الحرة لهم".

ويضيف لـ "ارفع صوتك" أن القرار أيضاً "أوقف جميع الادخار الإجباري أو الاستقطاعات التي كانت تستقطعها حكومة الإقليم والبالغة 30% من رواتب الموظفين في الإقليم".

"بالتالي، سيأخذ الموظف في كردستان راتبه سواء كانت هنالك مشكلة سياسية مع الحكومة الاتحادية أو لا توجد مشكلة" يتابع عادل.

وفي معرض رده على سؤال لـ"ارفع صوتك" عن التعقيدات التي يتحدث عنها سياسيون من إقليم كردستان، يرى عادل أن التعقيد "يأتي من إحساس القادة السياسيين في الإقليم أنهم فقدوا أمرتهم وسلطتهم على موظفي الإقليم وهو أمر بعيد عن الواقع، إذ كانوا يعتبرون أن إعطاء الرواتب جزء من السيطرة على الموظفين".

ويشرح أن "قرار المحكمة الاتحادية (13 لسنة 2013) ينص في المادة 13، على أن تقوم حكومة الإقليم بإعطاء الأولوية بصرف رواتب الإقليم دون أن يؤثر على الاستثمارات الأخرى. وفي حالة عدم قيام حكومة الإقليم بهذا الإجراء فإن على رئيس الوزراء الاتحادي اتخاذ الإجراءات اللازمة".

توصلت المحكمة الاتحادية إلى نتيجة "مهمة"، بحسب عادل، وهي أن "رئيس الوزراء الاتحادي ورئيس مجلس وزراء إقليم كردستان لم يؤدوا الواجب بتسليم الرواتب للموظفين، وعليه أعادت المحكمة هذه الرواتب لموظفي الإقليم لأنه جزء من مبدأ المساواة الذي يضمن المساواة بين أبناء الشعب".

من الناحية الاقتصادية، يؤكد أستاذ مادة النفط في جامعة المعقل بالبصرة، نبيل المرسومي، أن قرار المحكمة الاتحادية بتوطين رواتب الإقليم "في غاية الأهمية، كونه سيؤدي إلى تحقيق الاستقرار الوظيفي في كردستان وسينعش الحياة الاقتصادية فيها من خلال تعزيز الطلب الكلي الفعال الذي يعتمد بشكل أساسي على رواتب الموظفين التي تبلغ 775 مليار دينار عراقي شهريا".

إلا أن هذا القرار، كما يوضح المرسومي، "يتطلب عدم التزام الحكومة المركزية بالتخفيض الطوعي الثاني الذي التزم به العراق في أوبك بلس، والمحافظة على مستوى من الصادرات النفطية لا تقل عن 3.5 ملايين برميل يومياً لكي لا يتفاقم العجز في موازنة 2024".

وحتى لو تم الاتفاق مع كردستان على استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي كما يشير المرسومي، "فإن هذا الأمر لا يغير شيئاً لأنه سيؤدي إلى تخفيض الإنتاج من ثم الصادرات النفطية جنوباً عبر البحر إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً انسجاماً مع حصة العراق في أوبك بلس".