ظهر الدين البهائي للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في كل من العراق وإيران.
ظهر الدين البهائي للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في كل من العراق وإيران.

 ظهر الدين البهائي للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في إيران، ولم يمر وقت طويل حتى تمكن البهائيون من نشر معتقداتهم في عشرات الدول. وتقدر أعداد معتنقي البهائية في العالم اليوم بأكثر من ستة ملايين شخص.

رغم كثرة أعداد البهائيين في إيران (نحو 300 ألف) بما يجعلهم أكبر أقلية دينية غير مسلمة في البلاد، إلا أنهم تعرضوا للعديد من حملات الاضطهاد والعنف.

ومؤخراً، اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش" السلطات الإيرانية بقمع البهائيين وقالت إن ما تمارسه إيران بحق هذه الطائفة لمجرد انتمائهم إلى جماعة دينية "يرقى إلى مستوى الاضطهاد الذي يُشكّل جريمة ضد الإنسانية".

في هذا المقال، نسلّط الضوء على أبرز الانتهاكات الحقوقية التي تعرض لها البهائيون في إيران على مرّ التاريخ.

 

العصر القاجاري والبهلوي

في عام 1844 ظهر علي محمد رضا الشيرازي وأعلن أنه الباب "لمن يُظهره الله"، وأنه هو المهدي المنتظر الذي بشرت به الأديان والرسالات السابقة، فلاقت دعوته بعض القبول.

مثلت الدعوة تحدياً للنظام الديني الإيراني التقليدي المؤسس على نظريات المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري. من هنا، لم يكن من الغريب أن يقوم علماء الدين في شتى أنحاء بلاد فارس بالتصدي بكل عنف وقسوة للدعوة البابية، وساندتهم في ذلك السلطة الحاكمة.

تم القبض على الشيرازي في 1848 بأمر من حاكم مدينة شيراز، وأرسل إلى تبريز لمحاكمته أمام مجموعة من رجال الدين. بعدها بسنتين أعدم رمياً بالرصاص.

بالتزامن، قاد الميرزا تقي خان، الصدر الأعظم لإيران حملة قمع واسعة النطاق ضد الحركة البابية، فقتل المئات من أتباع الباب المتحصنين في قلعة الطبرسي. وفي الوقت ذاته قام الصدر الأعظم بالبطش بالبابيين في مدن نيريز وزنجان وطهران.

وتجددت حملة القمع مرة أخرى بعدما قام اثنان من أتباع الباب بإطلاق النار على الشاه القاجاري ناصر الدين شاه.

يحكي الملحق العسكري النمساوي في إيران ذكرياته عن التنكيل بالبابيين في تلك المرحلة فيقول "...شقوا ثقوباً في صدور الضحايا وأكتافهم عن اليمين وعن الشمال ووضعوا في الجروح شموعاً مشتعلة. ولقد شاهدت بعضهم يُسحبون في السوق مصفدين بالأغلال تتقدمهم إحدى الفرق العسكرية وكانت الشموع قد احترقت وتوغلت حتى أخذ شحم الجروح يدخن كالمصباح إذا انطفأ حديثاً... كانوا يسلخون قدمي البابي ويغمسون جروحه في الزيت المغلي ويدقون فيها حدوة حصان ويرغمونه على الجري..."، بحسب ما يورد شوقي أفندي رباني في كتابه "القرن البديع: مئة عام من تاريخ الديانة البهائية".

في ذلك الوقت، قُبض على بهاء الله حسين علي النوري، الذي سيتابع الدعوة البابية وسيؤسس فيما بعد للدين البهائي- مع مجموعة كبيرة من البابيين. وزُج بهم في سجن "سياه چال" بطهران.

بعد إعدام الكثير من المسجونين، تم نفي النوري ومن معه إلى العراق، بينما أبقى النظام القاجاري على اضطهاده للبابيين الذين ظلوا موجودين في بعض مناطق إيران. وبعد انتشار الدعوة البهائية في إيران، قامت السلطات الإيرانية باستهداف البهائيين على نطاق واسع، على سبيل المثال قُتل ما يزيد عن 100 بهائي بيد القوات العسكرية الإيرانية النظامية في مدينة يزد.

لم يختلف الوضع كثيراً عقب وصول الشاه رضا بهلوي إلى السلطة في الربع الأول من القرن العشرين، حيث أطلق النظام الجديد أيادي رجال الدين المتعصبين للبطش بالبهائيين، وتم تشكيل العديد من المؤسسات الإسلامية الدعوية لمواجهة البابيين والبهائيين في مختلف المدن الإيرانية.

أسفر ذلك عن تزايد موجة الاضطهاد ضد البهائيين، فتعرضوا للتنكيل والعزل من وظائفهم، كما تم هدم العديد من مبانيهم التعليمية والدينية. ففي 1955 قامت بعض التنظيمات العسكرية بهدم مركز طهران البهائي بمباركة رجل الدين الشيخ محمد تقي الفلسفي.

 

عهدالملالي

تمكنت الثورة الإسلامية من الوصول للحكم عام 1979، لتحمل معها الرفض مجدداً للبهائيين، بحيث لم يعترف الدستور الإيراني الجديد بدينهم، وذلك التزاماً برسالة آية الله الخميني الفقهية المعروفة باسم "تحرير الوسيلة"، التي اعترفت بكل من الإسلام والمسيحية واليهودية والزرادشتية فحسب.

جاء في المادة الثالثة عشر من الدستور الإيراني: "الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المُعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء ‌مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون".

يذكر الباحث مهدي خلجي في تحليله لظاهرة "الاضطهاد الإيراني المتزايد للبهائيين" المنشور على موقع واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن الرفض الديني لوجود البهائيين في إيران تزايد بعد انتصار الثورة بسبب التماهي مع بعض الأسباب السياسية.

ربط الملالي بين البهائية من جهة ودولة إسرائيل والحركة الصهيونية من جهة أخرى، وذلك بسبب وجود بعض المزارات البهائية المقدسة في حيفا وعكا، كضريح بهاء الله وضريح الباب في حيفا.

لذلك، قام رفاق آية الله الخميني بوصف البهائية بأنها "مؤامرة غربية أو صهيونية لتقسيم المجتمع الإسلامي"، كما أشاعوا أن جميع البهائيين "جواسيس وعملاء للإسرائيليين".

في 1980 قام النظام الإسلامي بفصل الطلبة البهائيين من المدارس والجامعات الحكومية، كما فقد آلاف البهائيين وظائفهم بسبب معتقداتهم الدينية.

لم يكتف الملالي بالتضييق على البهائيين في العمل والتعليم، بل قاموا بارتكاب العديد من الجرائم، من ذلك ما وقع في يونيو 1983 عندما شهدت مدينة شيراز الواقعة جنوبي إيران إعدام 16 بهائياً في ساحة المدينة ورُفض تسليم جثامينهم لذويهم بعدها.

إزاء هذا الوضع الصعب، قام البهائيون الإيرانيون عام 1987 بتأسيس "المعهد البهائي للتعليم العالي" كمنظمة غير رسمية لتعليم البهائيين الإيرانيين.

استمرارا لاضطهاد الأقليات الدينية.. إيران تجبر البهائيين على اعتناق الإسلام
ذكرت صحيفة "إندبندت" البريطانية أن السلطات الإيرانية بدأت تمارس حلقة جديدة من حلقات القمع والتصعيد ضد الأقلية البهائية في البلاد.

وأشارت الصحيفة في تقرير لها أن النظام في طهران بدأ بممارسة ضغوطات على الشبان الصغار في تلك الطائفة لإجبارهم على ترك ديانتهم واعتناق

 

في السنوات الأخيرة

حافظت حملة الكراهية الموجهة إلى أتباع الدين البهائي على زخمها عقب رحيل آية الله الخميني.

يظهر ذلك بشكل واضح في السؤال الذي وُجّه إلى علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية: "هناك الكثير من البهائيين يعيشون إلى جوارنا ويترددون كثيراً على بيتنا، البعض يقول إن البهائي نجس والبعض يقول طاهر، وهؤلاء البهائيون يظهرون أخلاقاً حسنة، فهل هم نجسون أم طاهرون؟".

وكانت إجابة خامنئي، أنهم "نجسون، وهم أعداء دينك وإيمانك، فكن حذراً جداً يا ولدي العزيز".

في 2011 قامت السلطات الإيرانية بإلقاء القبض على مجموعة من الناشطين البهائيين الداعين لتحقيق المساواة في المجتمع الإيراني. وقتها، دعت الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، السلطات الإيرانية، إلى وقف اضطهادها للأقلية البهائية.

وفي 2012 زعمت الجامعة البهائية العالمية حصولها على وثيقة سرية صادرة عن الهيئة التابعة لوزارة التربية والتعليم في إحدى مدن مقاطعة طهران، تضمنت أمراً حكومياً بتعريف جميع الأطفال البهائيين في المدارس تمهيداً لعزلهم عن باقي الأطفال.

كما رصدت وسائل إعلام غربية العديد من الانتهاكات التي مارسها النظام الإيراني ضد البهائيين، ففي مايو 2021،  أوردت صحيفة "إندبندت" البريطانية في تقرير لها أن السلطات الإيرانية بدأت تمارس حلقة جديدة من حلقات القمع والتصعيد ضد الأقلية البهائية في البلاد بهدف إجبارهم على ترك ديانتهم واعتناق الدين الإسلامي.

وفي أغسطس 2022، ذكرت بعض التقارير الإعلامية  أن السلطات الإيرانية هدمت ستة منازل يملكها أشخاص يعتنقون الديانة البهائية في قرية روشانكوه في محافظة مازندران الشمالية.

في السياق نفسه، قالت سيمين فاهاندج، ممثلة المجتمع البهائي الدولي لدى الأمم المتحدة عبر منصة إكس إن "السلطات الإيرانية باعت الأراضي الزراعية التي صودرت من البهائيين في وقت سابق. مما يسلب مصادر الرزق ويتعارض مع كل معايير الآداب العامة".

ووقعت أحدث محطات الاضطهاد ضد البهائيين في الشهر السابق، عندما قامت السلطات الإيرانية بتدمير موقع خاوران جنوب غرب العاصمة طهران، حيث دُفنت جثامين العشرات من البهائيين في ثمانينيات القرن العشرين.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أيزيديون يحتفلون برأس السنة الأيزيدية في معبد لالش قرب مدينة دهوك العراقية/ وكالة الصحافة الفرنسية

الدمار يغطي معظم أجزائه، وقوات مختلفة المراجع العسكرية تتقاسم السيطرة عليه، ونقص حاد في الخدمات الرئيسية، هذا هو حال قضاء سنجار محافظة نينوى شمال العراق، بعد مرور عقد على الإبادة الجماعية بحق سكانه الأيزيديين.

اجتاح تنظيم داعش في 3 أغسطس 2014 قضاء سنجار الذي يضم أغلبية تتبع الديانة الأيزيدية، وارتكب التنظيم إبادة جماعية بحقهم أسفرت عن مقتل أكثر من 5000 أيزيدي، واختطاف 6417 أيزيديا غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب إحصائيات مكتب إنقاذ المختطفين الأيزيديين.

وبلغ عدد المقابر الجماعية المكتشفة في سنجار حتى الآن 83 مقبرة جماعية، فيما عدد المزارات والمراقد الدينية التي فجرها داعش في حدود سنجار إلى 68 مزارا.

فما حال سنجار اليوم، وهل باتت مؤهلة لاستيعاب أبنائها العائدين ممن نزحوا قبل عشر سنوات؟

قوى عسكرية متعددة

دلبر شنكالي، فتاة أيزيدية عادت منذ نحو 7 سنوات إلى سنجار مع عائلتها بعد رحلة نزوح شاقة، وتمكنت من التأقلم مع أوضاع المدينة المدمرة التي لم تكن أفضل من المخيم، بحسب كلامها.

تقول لـ"ارفع صوتك": "رغم ما نواجهه من نقص خدمات وانعدام فرص العمل، إلا أن أوضاع سنجار الأمنية، مع أنها مستتبة الآن، لا تبشر بالخير وسط هذه الأعداد من القوات العسكرية المتنوعة المختلفة في ما بينها. نحن نخشى أن تصطدم مع بعضها البعض بأية لحظة ونكون نحن الضحية مجدداً".

وتخضع رقعة قضاء سنجار الجغرافية لسيطرة مجموعة من القوى العسكرية المتعددة، تتمثل بمليشيا "عصائب أهل الحق" و"منظمة بدر" و"كتائب الإمام علي" و"كتائب حزب الله العراقي" و"كتائب سيد الشهداء" الموالية لإيران والمنضوية في هيئة الحشد الشعبي، إضافة إلى وحدات "مقاومة سنجار" الموالية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، وقوات قيادة البيشمركة و"حماية إزيدخان" التابعتين لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، إلى جانب الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية وقطعات من الجيش العراقي.

وشهدت سنجار خلال السنوات الماضية التي أعقبت تحريرها من داعش، مناوشات وصلت حد الاشتباكات المسلحة بين هذه القوات، كان أبرزها الاشتباكات التي وقعت بين الجيش العراقي ووحدات حماية سنجار في مايو 2022، التي أدت الى مقتل عنصرين اثنين من الوحدات وجندي من الجيش، كما أدت لنزوح مئات الأيزيديين.

ولا يعتبر تعدد القوى الماسكة للأرض في القضاء التهديد الوحيد الذي يخشى منه الأهالي، إذ تشكل الغارات الجوية التركية التي تستهدف مسلحي حزب العمال وتهديدات أنقرة بتنفيذ عملية عسكرية في سنجار لإنهاء تواجدهم، مصدر قلق إضافي لهم.

يقول الشاب الأيزيدي مراد خيري، من سنجار أيضاً، إن الأوضاع الأمنية فيها حاليا "مستقرة" و"لا يوجد تهديد على المدنيين من أي جهة سوى القوات التركية وتدخلها الوشيك".

مخاوف من عودة داعش

تشير المنظمة الأيزيدية للتوثيق إلى أنه ورغم مرور 10 سنوات على الإبادة التي تعرضت لها سنجار، ما زالت هناك مخاوف من عودة تنظيم داعش إلى المدينة.

يقول مدير المنظمة حسام عبد الله لـ"ارفع صوتك": "لدينا مخاوف من عودة داعش، فهو لا يزال متواجدا في محيط قضاء سنجار رغم الانتشار الأمني فيه".

ويلفت إلى أن سنجار تواجه جملة من التحديات، منها "استمرار المشاكل المستعصية بين حكومتي بغداد وأربيل بشأن هذه المدينة، ولا توجد لحد الآن إدارة محلية ثابتة لقضاء سنجار في خضم الصراعات الداخلية التي يشهدها، وهذه الصراعات متفوقة على المجالات الأخرى نتيجة الصدمات التي تمخضت عن الإبادة".

بطء في آلية التعويضات

تشكل التعويضات التي خصصتها الحكومة العراقية لأهالي المدن المتضررة من داعش، أحد أبرز التحديات التي يواجها أهالي سنجار لإعادة بناء وإعمار بيوتهم المدمرة.

يبين مدير العلاقات العامة في منظمة "بتريكور" لحقوق الإنسان، سامي بشار عتو لـ"ارفع صوتك"،أن آلاف الأيزيديين "قدموا ملفاتهم وأنجزوا معاملات نيل التعويضات عن الأضرار التي لحقت ببيوتهم وممتلكاتهم في سنجار وأطرافها، إلا أن نسبة من نال هذه التعويضات لا يتعدى سوى 2%".

ويتيح القانون (رقم 20 لسنة 2009) للعراقيين تقديم طلب لنيل التعويضات على الأضرار التي لحقت بهم "جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية".

ويشمل القانون إلى جانب العسكريين جميع ضحايا الحرب من المدنيين وأفراد عائلاتهم في حالات الاستشهاد والفقدان والعجز والإصابات والأضرار التي تصيب الممتلكات والأضرار المتعلقة بالوظيفة والدراسة.

وأعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في يونيو 2023، أن السلطات العراقية "تقاعست عن دفع التعويضات المالية المستحقة بموجب القانون لآلاف الأيزيديين وغيرهم من قضاء سنجار على الدمار والضرر الذي لحق بممتلكاتهم من قبل داعش وجراء المعارك العسكرية".

ويساهم غياب التعويضات وسير إجراءاتها ببطء في تأخر عودة النازحين. ووفق إحصائيات مكتب وزارة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك بإقليم كردستان، عاد إلى قضاء سنجار منذ بداية العام الحالي 10 آلاف نازح أيزيدي.

ويؤكد مسؤول في إدارة سنجار أن نسبة العائدين إلى سنجار لم تتعدّ 40% من مجمل الموجودين اليوم في العراق، إذ لا يزال هناك نحو 60% نازحون، يتوزعون بين المخيمات ومدن كردستان.

ويضيف المسؤول لـ"ارفع صوتك"، مفضلا عدم الكشف عن اسمه: "لا يختلف الوضع الخدمي في سنجار عن باقي الوحدات الإدارية في محافظة نينوى من حيث التخصيصات المالية، لكن حجم الدمار الذي لحق بسنجار كبير جدا يحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة لإعادة البنية التحتية للمشاريع الخدمية".

ووفق المسؤول تختلف نسب الدمار الذي لحق بقضاء سنجار من منطقة لأخرى، حيث يصل في مركز القضاء مثلاً إلى 75% وفي ناحية القحطانية 85%، وناحية الشمال 40%، وناحية القيروان 65%.