السلطات السعودية أوقفت مناهل العتيبي في نوفمبر 2022
السلطات السعودية أوقفت مناهل العتيبي في نوفمبر 2022

بعد حكم بالسجن 11 عاما على السعودية، مناهل العتيبي، قال ناشطون إنه صدر بعد محاكمة "سرية" لناشطة "ليست لديها توجهات سياسية"، تركزت الأضواء مجددا على قضية 3 شقيقات سعوديات تلاحقهن السلطات السعودية.

مريم ومناهل وفوز العتيبي، عرفن بآرائهن الليبرالية ومعارضتهن للقوانين المتعلقة بالمرأة في المملكة، ويحظين بمتابعة مئات الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذا الأمر كلفهن ملاحقات قانونية، بلغت حد السجن. 

منظمة العفو الدولية تطالب السلطات السعودية بالإفراج الفوري عن مناهل العتيبي

أوقفت السلطات مناهل، التي كانت تمارس الملاكمة وتحب السفر ويتابعها على منصة "إكس" أكثر من 55 ألف شخص، في نوفمبر 2022 بعدما اتهمتها بقيادة "حملة دعائية لتحريض الفتيات السعوديات على استهجان المبادئ الدينية والتمرد على العادات والتقاليد بالمجتمع"، وفقا لوثائق المحكمة التي اطلعت عليها وكالة فرانس برس.

وباتت شقيقتها، فوز العتيبي، لاجئة سياسية في إسكتلندا، أما شقيقتهما الكبرى مريم فتواجه قيودا مرتبطة بقدرتها على العمل أو السفر خارج المملكة.

وكانت فوز العتيبي أكدت لموقع الحرة سابقا أن مريم، وهي مدافعة معروفة عن حقوق المرأة، اعتقلت بعدما استقلت بمنزل في السعودية في إطار احتجاجات على قواعد الوصاية، قبل إطلاق سراحها عام 2017، وهي حتى الآن ممنوعة من السفر.

فوز العتيبي قالت إن مناهل ضحية

وبينما أوقفت السلطات مناهل (29 عاما)، فقد تمكنت فوز، الملاحقة للتهم نفسها، من مغادرة البلاد قبيل توقيفها ومن ثم السفر والاستقرار في إسكتلندا، حيث حصلت على لجوء سياسي.

مريم العتيبي في لقطة من سلسلة فيديوهات تطالب بحقها في السفر

وقبل أيام قليلة، قالت منظمات، من بينها المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، والعفو الدولية، والقسط لحقوق الإنسان، إن السلطات السعودية أصدرت حكما على مناهل، بالسجن 11 عاما، في "جلسة سرية" في التاسع من يناير الماضي.

وقالت فوز في تصريحات حديثة لموقع الحرة إن الحكم كان "سريا" وعرفت الأٍسرة به من خلال رد الحكومة على استفسار من الأمم المتحدة.

وأشارت فوز إلى أن أسرتها لم تحصل على أي معلومات تتعلق بالقضية، ولم يسمح لها بالتواصل مع مناهل.

وأدينت العتيبي، وفق فوز والمنظمات، بتهم مرتبطة "بالإرهاب"، لكن منظمة العفو الدولية ومنظمة القسط لحقوق الإنسان قالتا إنها حُكم عليها "بسبب اختيارها لملابسها ودعمها لحقوق المرأة".

وجاء الكشف عن الحكم من خلال رد البعثة الدائمة للمملكة في جنيف على استفسار المقررين الخاصين للأمم المتحدة بشأن وضع مناهل وفوز، خلال جلسة حقوق الإنسان التي انعقدت في الأول من ديسمبر الماضي. 

وقالت فوز لموقع الحرة إن الرد لم يشر إليها هي قط.

وأكدت الناشطة دعاء دهيني، من المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، لموقع الحرة، أن عائلة العتيبي، والمنظمات، عرفت بالحكم من خلال الرد الرسمي للحكومة، وقالت أيضا إن المحاكمة "كانت سرية".

وكانت فوز العتيبي، ولينا الهذلول، شقيقة الناشطة لجين الهذلول، التي سجنت ثم أطلق سراحها على خلفية أنشطة مماثلة، قالتا في تصريحات سابقة لموقع الحرة إن مناهل أوقفت بسبب اتهامات، من ضمنها خروجها من دون عباءة.

وأشارت فوز إلى أنها كانت المقصودة بتلك الملاحقة، لكنها تمكنت من الفرار من السعودية، قبل القبض عليها.

واعتبرت دهيني في تصريحاتها أن قرار السجن "يتناقض مع حديث المملكة عن الإصلاح وتمكين المرأة، وهو دليل آخر على أن الإصلاحات التي يتم الترويج لها مجرد أوهام، وأن الناشطين يجب أن يكونوا إما مروجين لسياسات الحكومة، أو أن يعملوا في أي شيء آخر طالما لا يعارض الحكومة".

وفي مقابلة مع صحيفة الغارديان، قالت فوز إنها، في سبتمبر 2022، كانت تقضي أسبوعا في وطنها السعودية، مع صديقة.

وفي ذلك الوقت، رن هاتفها، وبمجرد أن سمعت صوت المتكلم على الطرف الآخر أدركت أن المتحدث ضابط شرطة تعقبها عام 2019 وغرمها بتهمة "خدش الحياء العام"، بعد أن نشرت فيديو على حسابها على "سناب شات"، تظهر فيه وهي ترقص مرتدية الجينز وقبعة بيسبول في حفل موسيقي بالرياض. 

وبالنسبة لفوز "لم يكن مقطع الرقص بمثابة بيان سياسي بل كان الأمر يتعلق فقط بمشاركة لحظة سعيدة مع متابعيها"، على حد تعبيرها.

وبعد تغريمها، غادرت فوز المملكة متجهة إلى دبي، قبل أن تعود في عطلة.

وفي حديثها السابق لموقع الحرة، بشأن ظروف توقيف شقيقتها مناهل، قالت فوز إنها كانت في زيارة مؤقتة للسعودية من دبي في 2022 لبضعة أيام وفوجئت بصدور أمر استدعاء لها، واستغربت وجود أي مخالفات لأنها لا تعيش في السعودية.

وتقول عن المكالمة التي أجريت معها في سبتمبر 2022: "أخبرني (ضابط الشرطة) أنني بحاجة إلى الحضور إلى مركز الشرطة في الرياض للحصول على بعض الوثائق، وكل شيء سيكون على ما يرام.. كان يحاول أن يجعلني أشعر بالراحة، وقال: أنت ابنتنا. ليست هناك حاجة لإحضار محامٍ. يمكنك الحضور بمفردك. لدينا فقط بعض الأسئلة لك".

وعلمت فوز أن مناهل كانت قد استدعيت أيضا قبلها بيوم بينما طلب من فوز العودة في اليوم التالي حتى يكونا معا في اليوم ذاته، وعندها استشعرت الخطر، وتوجهت إلى البحرين القريبة وتواصلت مع محاميتها لمراجعة السلطات بشأن ما عليها من مخالفات.

وأبلغتها المحامية أنه تم استدعاء شقيقتها، وأنه تم القبض عليها.

وأشارت فوز في المقابلة السابقة إلى أنها تمكنت من السفر من البحرين، ثم إلى دبي، ثم تركيا، وبعدها إلى أوروبا.

وتشير إلى أن وراء قضية ملاحقتها هي وشقيقتها "مسؤولين كبار" وأنها، أي فوز، كانت "الهدف الأساسي"، لكنهم لم يتمكنوا من القبض عليها.

والأسبوع الماضي، وبعد أقل من عامين من هروبها، تلقت فوز رسالة أخرى، هذه المرة لإخبارها أن مناهل أدينت بجرائم تتعلق بالإرهاب، بسبب صور لها دون عباءة، ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تدعم حقوق المرأة، وحكم عليها بالسجن لمدة 11 عاما.

وعن إمكانية استئناف الحكم، قال فوز لموقع الحرة إن السلطات لم تطلع الأسرة بالأساس على الأدلة التي أدينت بموجبها بجريمة "الإرهاب".

وقالت إن مناهل "لا تستطيع الاعتراض وأقوالها تؤخذ بالقوة ويمكن تلفيق أقوال لها"، ولهذا السبب "يمنعوننا من التواصل معها ويرفضون أن نطلع على التهم" حتى لا نستطيع الدفاع عنها.

وأضافت أنه "تم تجهيز الحكم وسنوات الحبس. كل شيء في السعودية يتم تجهيزه وتعليبه للناشطين الحقوقيين".

وعن رد فعلها بعد أن علمت بالحكم على مناهل، قالت فوز لصحيفة الغارديان: "بات العالم مظلما أمام عيني.. للمرة الأولى كرهت أنني ولدت امرأة . هذا البلد دمرني ودمر عائلتي، وحول حياتنا إلى جحيم لا يطاق بسبب جريمة أننا نساء نريد حقنا في الحياة. إنه شعور لا أستطيع حتى وصفه".

وقبل أيام قليلة من الحكم عليها، تمكنت مناهل من التحدث مع عائلتها للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة أشهر، بعد توقف الاتصال دون توضيح.

وقالت فوز: "أخبرتني عائلتي إنها لم تعد كما كنا نعرفها.. كان صوتها ضعيفا جدا، وقالت لنا إننا يجب أن ننساها ولا نتحدث عنها بعد الآن، لأن مصيرها أن تعيش في السجن".

وقالت لعائلتها إنها "تتعرض للتعذيب والإهانة وكانوا ينتقمون منها لأنها امرأة"، وتضيف فوز: "أشعر أنهم نجحوا في كسرها وقتل أحلامها وشغفها بالحياة. روحها لم تعد كما كانت".

وتعتقد فوز أن السلطات السعودية، من خلال سوء معاملتها لمناهل، كانت ترسل لها أيضا رسالة وهي: "اصمتي وإلا ستدفع أختك الثمن".

ومنذ وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى السلطة، في 2017، رُفع الحظر على قيادة المرأة للسيارة، وكذلك القوانين التي تتطلب الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة وارتداء العباءة، وبات بوسع النساء الخروج دون غطاء للرأس.

لكن بعض الناشطين يشككون في مدى عمق الإصلاحات فعليا، مشددين على أن نساء وقعن في شرك حملة اعتقالات أوسع استهدفت منتقدي الحكومة.

وأصدرت السعودية قانونا للأحوال الشخصية دخل حيز التنفي، وصفته الرياض بأنه "تقدمي"، لكن طالته انتقادات لاحتوائه على ما اعتبرتها منظمة هيومن رايتس ووتش "أحكاما تمييزية ضد المرأة في ما يتعلق بالزواج والطلاق والحضانة والوصاية على الأطفال".

وكانت مناهل من أشد المعارضات لهذا القانون، داعية لإسقاط ولاية الرجل على المرأة، مما دفع النيابة لاتهامها "بالدعوة إلى التحرر وإسقاط الولاية".

وتقول فوز: "لسنا معارضات سياسيات لكن الحكومة كانت عنيفة جدا معنا"، وهي تشير أيضا لما حدث مع شقيقتهما مريم البالغة 36 عاما.

وتعد مريم، التي كانت تعمل بائعة في متجر، مناصرة بارزة لإنهاء ولاية الرجل في المملكة وسبق أن احتجزت عام 2017 لمدة 104 أيام بسبب نشاطها النسوي.

وتخضع مريم حاليا لمنع سفر إلى جانب قيود مفروضة على ممارستها لحرية التعبير بالقضايا العامة، بحسب شقيقتها ومنظمة العفو الدولية.

وتؤكد فوز أن "حياة مريم شبه مجمدة مع استحالة عملها. لا أحد يوظفها بسبب تاريخ نشاطها كما ليس بوسعها استخراج سجل تجاري لممارسة أي نشاط".

وتقول: "أعتقد أنهم يعاقبون ويعذبون مناهل لأنهم غير قادرين على معاقبتي.. لقد دمروا عائلتي بأكملها بسبب بعض التغريدات عن حقوق المرأة".

وتوضح المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن المقررين التابعين للأمم المتحدة كانوا بعثوا رسالة إلى الحكومة السعودية أبدوا فيها قلقهم من حملة على المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشاروا إلى قضيتي فوز ومناهل العتيبي.

وفي بيان جديد نشر في الأول من مايو، قالت المنظمة إن "السعودية تزوّر الحقائق وتكشف الحكم على العتيبي في رد رسمي على مقرري الأمم المتحدة".

وأشارت الرياض في ردها إلى أن العتيبي اعتقلت في 16 نوفمبر 2022، ووضعت في سجن مخصص للنساء في الرياض، وأنها أبلغت بالتهم التي وجهت لها مباشرة، وأن جسامة التهم دفعت إلى اعتقالها. 

لكن رصد المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان يؤكد أن تهم العتيبي "لم تتضمن تهم عنف أو تهما خطرة تستوجب التوقيف قبل المحاكمة، كما أنها لم تعرف بطبيعة التهم الموجهة لها".

وتقول المنظمة إن مناهل "أخفيت قسريا ولم يسمح لها بالتواصل مع عائلتها أو العالم الخارجي حتى أبريل الماضي".

لكن الرد السعودي نفى ذلك، وقال إنها تتمتع بحقها في الزيارة والاتصال بشكل مستمر ودوري مع أفراد أسرتها. 

وقالت المنظمة إن العتيبي انقطعت أخبارها منذ نوفمبر 2023 حتى 14 أبريل 2024، حين سمح لها بالاتصال بعائلتها.

وقالت الحكومة السعودية في الرد أيضا إنه لا صحة لإيداع العتيبي في الحبس الانفرادي بسبب تقدمها بشكوى عن تعرضها للإساءة، وأكدت أن الحبس الانفرادي يطبق في حالة الإخلال بالنظام داخل السجن وفي أضيق الحدود، وضمن شروط محددة، بينما تشير المنظمة إلى "استخدام هذا الإجراء بشكل تعسفي وواسع النطاق وبشكل متكرر".

إضافة إلى ذلك، كرر الرد السعودي أن لكل معتقل الحق في تقديم شكوى إلى مدير السجن أو النيابة العامة وأن هناك سبل إنصاف متاحة من بينها الجهات القضائية ومؤسسات حقوق الإنسان الحكومية وغير الحكومية. 

وتشير المنظمة إلى أنها وثقت أكثر من قضية تمت فيها "معاقبة المعتقل بسبب رفعه شكاوى"، إضافة إلى ذلك، فإن الآليات التي تم ذكرها "لم تنجح في التحقيق والمحاسبة في عشرات القضايا التي رفعت أمامها".

وقال الرد إن هيئة حقوق الإنسان الحكومية تتابع الحالة المذكورة، وقد زارت مناهل مرات عدة لتبين سلامة الإجراءات المتخذة بحقها، ولم ترصد ما يشير إلى حدوث أي انتهاك لحقوقها، بينما اعتبرت المنظمة أنه "لا يمكن الوثوق في استقلالية هذه الهيئة، ولا الإجراءات التي تتبعها".

الرد الرسمي قال أيضا إن السعودية تقدم للموقوفين والسجناء الرعاية الصحية اللائقة والشاملة، بينما أكدت مناهل العتيبي "حرمانها من العلاج رغم وجود كسر في رجلها، وتعرضها للضرب وسوء المعاملة". 

الحكومة السعودية قالت في ردها أيضا إن العتيبي أدينت بارتكاب جرائم إرهابية لا علاقة لها بحرية التعبير أو بمنشوراتها على مواقع التواصل الاجتماعي وأنها أدينت وفق قانون الإرهاب، "إلا أنها لم تذكر بالتحديد  هذه التهم، وقالت المنظمة إن من بين التهم التي وجهت إليها استخدام الإنترنت لبث شائعات وأخبار".

واعتبر الرد أنه "لا يوجد موقوف في المملكة بسبب ممارسته لحقوقه وحرياته، وجميع الرجال والنساء يتمتعون بحقوقهم ويمارسون حرياتهم”.

لكن "هذا الجزم الرسمي يتجاهل بشكل صارخ الأحكام التي صدرت بتهم لا تتعدى التغريد ونشر الأخبار وتداول الصور، ومن بينها الحكم بالقتل على محمد الغامدي"، وفق المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان.

وتقول دعاء دهيني لموقع الحرة إن الحكم "دليل آخر لاستخدام محاكم الإرهاب التي يفترض أن تختص بقضايا الإرهاب ضد نشطاء التواصل الاجتماعي حين يتعلق الأمر بالتعبير عن الرأي".

واعتبرت دهيني أن "الحكم يأتي في "سياق متصاعد منذ سنوات لإسكات أي صوت مهما كان وفي أي سياق. فمناهل مدربة رياضية وليست ناشطة سياسية، وكانت تتحدث عن حقوق المرأة بشكل عام".

ورأت أن "أي حكم من هذا القبيل يعبر عن الوضع المروع لحرية التعبير في السعودية".

وتقول فوز للغارديان إنها حين نشأت في السعودية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان يُنظر إليها وشقيقتيها على أنهن مثيرات للمشكلات، وكن يرفضن قبول ما يتم تدريسه لهن عن دور المرأة في المجتمع السعودي. 

وفي المدرسة، وجدن صعوبة في التأقلم، وبدأ يُنظر إليهن على أنهن مزعجات وصاخبات.

وتقول فوز: "كان الجميع يطلبون من أمي وأبي أن يعيدوا تعليمنا حتى نصبح مثل باقي الفتيات.. في المدرسة علمونا أن نكره أولئك المختلفين. كان أساتذتي يعاقبونني دائما لأننا رفضنا التصديق بفكرة أن الرجل أفضل من المرأة وأنه يجب علينا الاستماع والطاعة".

وأضافت: "قالت لي مريم إن الحياة في السعودية كابوس وطلبت مني ألا أعود.. كانت تعيش في خوف دائم من الاعتقال والسجن مرة أخرى".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

الخاطفون عمدوا لتحطيم طائرتين في الطوابق العليا من البرجين الشمالي والجنوبي لمجمع مركز التجارة العالمي في نيويورك
الخاطفون عمدوا لتحطيم طائرتين في الطوابق العليا من البرجين الشمالي والجنوبي لمجمع مركز التجارة العالمي في نيويورك

بعد 23 عاما على هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، يواصل ناجون وعائلات الضحايا معركة قانونية طويلة لمساءلة السعودية التي يقولون إن مسؤوليها لعبوا دورا في التخطيط للهجمات الدامية.

وينتظر الناجون وعائلات الضحايا قرارا هاما لقاضٍ فيدرالي في نيويورك بشأن قضية اتهام السعودية بدعم خاطفي أربع طائرات شاركت بالهجوم على مركز التجارة العالمي والبنتاغون في 11 سبتمبر 2001.

وتنفي المملكة هذه المزاعم بقوة.

ويحيي مسؤولون سياسيون وعسكريون ومواطنون عاديون، الأربعاء، الذكرى الـ23 للهجمات بفعاليات خاصة في نيويورك والعاصمة واشنطن وعدد من المدن الأميركية الأخرى.

وفي جلسة استماع عقدت أمام المحكمة الجزئية في مانهاتن في نهاية يوليو الماضي، للنظر في طلب السعودية إسقاط القضية، عرض محامو الضحايا ما قالوا إنها أدلة عن شبكة الدعم التي تضم مسؤولين سعوديين عملوا في الولايات المتحدة، والتي سهلت تحركات خاطفي الطائرات التي اصطدمت ببرجي التجارة العالمي في مدينة نيويورك، والبنتاغون في فيرجينيا، وسقطت واحدة في بنسلفانيا.

وقال محامي المدعين، جافين سيمبسون، خلال جلسة 31 يوليو إن الشبكة السرية "أنشأتها ومولتها وأدارتها ودعمتها السعودية والمنظمات التابعة لها والدبلوماسيون داخل الولايات المتحدة".

وبعد انتهاء الجلسة، طالب أكثر من ثلاثة آلاف شخص من عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر كلا من الرئيس السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة، دونالد ترامب، ونائبة الرئيس ومرشحة الحزب الديمقراطي، كامالا هاريس، بمعارضة أي اتفاق للسلام بالشرق الأوسط مع السعودية قبل أن تحاسِب الحكومة الأميركية المملكة على أي دور محتمل في هجمات عام 2001

وضمت المجموعة المسؤولة عن هجمات سبتمبر 19 شخصا من "تنظيم القاعدة"، بينهم 15 سعوديا، إلا أن الروابط المحتملة بين الحكومة السعودية والإرهابيين ظلت محل تساؤلات لسنوات.

ونفت السعودية أي تورط حكومي في الهجمات.

ولطالما قالت الولايات المتحدة إن الرياض لم يكن له أي دور وإن "تنظيم القاعدة" تصرف بمفرده.

وفي 2016، أصدر الكونغرس تشريع "العدالة ضد رعاة الإرهاب" الذي سمح لأسر ضحايا الهجمات بمقاضاة السعودية، وهو ما مهد الطريق أمام مطالبات قضائية عدة من عائلات الضحايا بالحصول على تعويضات من المملكة.

وتنتظر عائلات الضحايا قرارا من قاضي المحكمة الجزئية في مانهاتن، جورج دانيلز، بشأن ما إذا كان بالإمكان المضي قدما في القضية، وهو ما قد يفتح المجال أمام ظهور المزيد من الأدلة، وفق "سي أن أن".

وفي جلسة يوليو، اتهم محامو أهالي الضحايا مواطنين سعوديين اثنين بأنها دعما اثنين من خاطفي الطائرات، وهما نواف الحازمي وخالد المحضار، بعد وصولهما إلى جنوب كاليفورنيا عام 2000.

وقالوا إن الدبلوماسي السعودي، فهد الثميري، الذي كان يعمل في القنصلية السعودية في لوس أنجلوس، كان جهة الاتصال الرئيسية بين "تنظيم القاعدة" والخاطفين الاثنين في لوس أنجلوس، وفقا لملفات المدعين أمام المحكمة.

وقالوا إن الثميري عمل مع سعودي آخر هو عمر البيومي، في دعم الخاطفين الاثنين أثناء وجودهما في كاليفورنيا، وفقا لملفات المحكمة.

وكانت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، قد رفعت السرية عن مذكرة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) في ديسمبر 2021، كشفت عن شكوك قوية بشأن ارتباط السعودية رسميا بالخاطفين الذين نفّذوا اعتداءات 11 سبتمبر، لكنها لم تتمكن من تقديم الإثبات الذي كانت تنتظره العائلات التي تقاضي الرياض.

وكشفت المذكرة عن وجود ارتباطات بين البيومي، الذي كان حينها طالبا، ونواف الحازمي وخالد المحضار.

وساعد البيومي، الذي كان طالبا وعمل أيضا مع مقاول سعودي، الخاطفين عند وصولهما إلى البلاد، وفقا لتقرير لجنة 11 سبتمبر 2004. وذكر التقرير في ذلك الوقت أنه ساعدهما في العثور على شقة في سان دييغو وفتح حساب مصرفي ووقع على عقد إيجارهما.

وقد دعمت المعلومات التي أصدرها "أف بي آي" في وقت لاحق ادعاء المدعين بأن البيومي والثميري قاما بتنسيق شبكة الدعم في جنوب كاليفورنيا بتوجيه من مسؤولين سعوديين.

لكن تقرير عام 2004 قال إنه لم يجد أي دليل في ذلك الوقت على أن البيومي ساعد الخاطفين عن علم.

وأكدت المملكة أن البيومي كان طالبا وكان يتردد على مسجد في سان دييغو، وساعد بدون علم الخاطفين باعتبارهم قادمين جدد لا يجيدون الإنكليزية.

وفي جلسة الاستماع في يوليو، أثناء مناقشة اقتراح إسقاط الدعوى، ركز مايكل كيلوج، محامي السعودية، بشكل كبير على البيومي، قائلا إن أي مساعدة قدمها للخاطفين كانت "محدودة وبريئة تماما".

وتشير الأدلة التي أعدها محامو المدعين إلى أن البيومي التقى بمسؤول دبلوماسي سعودي في القنصلية قبل لقاء الخاطفين لأول مرة في مطعم في لوس أنجلوس، بعد أسبوعين من وصولهما إلى كاليفورنيا. وساعد البيومي في تسهيل انتقال الخاطفين من لوس أنجلوس إلى سان دييغو في غضون أيام من ذلك الاجتماع.

ويقول محامو المملكة إن البيومي التقى بالخاطفين بالصدفة في مطعم حلال بالقرب من مسجد معروف وكانت اتصالاته بهما "محدودة".

وقال محامي المملكة أيضا إنه لا يوجد دليل على أن الثميري فعل أي شيء لمساعدتهما، لكن محامي عائلات 11 سبتمبر قدم نتائج مكتب التحقيقات الفيدرالي التي تفيد بأن الثميري كلف أحد المصلين في المسجد باستلام الخاطفين من المطار، وإحضارهما إليه عندما وصلا لأول مرة إلى لوس أنجلوس، في منتصف يناير 2000.

وفي إفادة عن بعد تم إجراؤها في هذه الدعوى القضائية في عام 2021، أقر البيومي بأنه ساعد الخاطفين على الاستقرار في سان دييغو بدون علم بنواياهم، وقال إنه لم يكن متورطا في الهجمات.

وتضمنت الأدلة المعروضة البيومي وهو يلتقط صورا في واشنطن العاصمة، على مدار عدة أيام في عام 1999، وقال المدعون إنها قام بالتقاط الصور بغية معرفة مداخل وخارج مبنى الكابيتول.

ولطالما اعتقد المسؤولون أن الكابيتول ربما كان الهدف الأصلي للطائرة التي تحطمت في بنسلفانيا.

من جانبهم، قال محامو المملكة ان البيومي كان مجرد سائح في إجازة عندما صور جولته في الكابيتول وزيارته لمسؤولي السفارة السعودية.

وفي الجلسة، شاهد القاضي دانييلز فيديو لجولته، ويسمع في الفيديو البيومي وهو يقول: "هؤلاء هم شياطين البيت الأبيض". ووصف محامي السعودية اللغة التي استخدمها بأنها "مؤسفة"، لكنه قال إنها أُخرجت عن سياقها. ورد القاضي بأن العبارة لا تتوافق مع سائح يزور "مبنى جميلا".

وتحدث أهالي الضحايا عن اتصالات هاتفية متكررة بين البيومي ومسؤولين سعوديين، خاصة خلال فترة مساعدته الحازمي والمحضار، وتحدثوا عن دفتر مكتوب يحتوي على معلومات اتصال لأكثر من 100 مسؤول حكومي سعودي.

وقال محامو المملكة إن وجود جهات الاتصالات هذه مرتبطة بدوره التطوعي في المسجد.

وبعد انتهاء جلسة الاستماع، أعلنت وزارة الدفاع عن صفقة إقرار بالذنب مع العقل المدبر المزعوم للهجمات، خالد شيخ محمد، واثنين آخرين من المعتقلين الآخرين معه في سجن غوانتانامو. ووافق هؤلاء على الاعتراف بالذنب بتهم التآمر مقابل الحكم عليهم بالسجن المؤبد.

وأثار إعلان صفقة الإقرار بالذنب ردود فعل قوية من أسر الضحايا بعد خروجهم من جلسة الاستماع.

وبعد يومين فقط، ألغى وزير الدفاع، لويد أوستن، صفقة الإقرار بالذنب في مذكرة مفاجئة وكتب أن "المسؤولية عن مثل هذا القرار يجب أن تقع على عاتقي".

وإلغاء الصفقة يعني إعادة "عقوبة الإعدام" لتصبح مطروحة مرة أخرى بحق هؤلاء.

لكن القضية أثارت جدلا قانونيا. ويقول محامون إن قرار أوستن غير قانوني.

ووسط هذا الجدل، تأمل أسر الضحايا أن تجلب لهم الدعوى القضائية المرفوعة على السعودية "العدالة التي كانوا يسعون إليها لأكثر من 20 عاما".