Aftermath of an Israeli strikes, in Rafah
الحالات الأكثر شيوعا هي القلق والاكتئاب والمشاكل النفسية الجسدية، بحسب منظمة الصحة- الصورة بعد قصف إسرائيلي في رفح

سلطت شبكة "إيه بي سي نيوز" الأميركية، الضوء على أزمة الصحة النفسية "الكارثية" التي تؤثر على المدنيين والعاملين في المجال الإنساني بقطاع غزة، وسط الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر.

واندلعت الحرب في قطاع غزة، إثر هجوم حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) غير المسبوق على إسرائيل في السابع من أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل بـ"القضاء على حماس"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أُتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل أكثر من 35 ألف فلسطيني، معظمهم نساء وأطفال، وفق ما أعلنته السلطات الصحية بالقطاع.

 

"خسائر عقلية وعاطفية"

وإلى جانب الخسائر المادية للحرب ومعاناة سكان غزة من سوء تغذية بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة، تسببت الحرب وفق ما نقلت الشبكة عن عمال الإغاثة، في "خسائر عقلية وعاطفية أيضا، حيث سيطر الخوف والقلق على البالغين والأطفال على حد سواء، وخلف صدمات من المرجح أن تستمر لعقود من الزمن".

وقال مسؤولو الإغاثة، حسب "إيه بي سي نيوز"، إنه إذا شنت إسرائيل هجوما بريا شاملا على رفح جنوبي القطاع، "فمن المرجح أن تنهار الجهود الإنسانية، بما في ذلك الاستجابة للصحة العقلية".

ونقلت الشبكة عن الطبيبة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود، أودري مكماهون، قولها إن أزمة الصحة العقلية هناك "كارثية بالفعل. وتزداد سوءا".

وأضافت الطبيبة التي كانت مديرة أنشطة الصحة العقلية في القدس حتى مارس: "لقد أصبحت غزة مكانا غير صالح للعيش. إنه أمر لا يمكن فهمه، خصوصا أن أساس الصحة العقلية هو الأمن والأمان، وهو شيء يمكن لأي شخص التنبؤ به؛ لكنهم (سكان القطاع) لا يمكنهم فعل ذلك".

ولا توجد بيانات توثق أزمة الصحة العقلية بين سكان غزة خلال الحرب، لكن الدراسات التي أجريت بعد الصراعات الماضية أظهرت آثار العيش في المناطق التي مزقتها الحرب.

وأوردت الشبكة نقلا عن منظمة الصحة العالمية، أن ما لا يقل عن 10 بالمئة من أولئك الذين تعرضوا لأحداث مؤلمة في النزاعات المسلحة سيعانون من مشاكل خطيرة في الصحة العقلية، و10 بالمئة آخرين "سيتطور لديهم سلوك من شأنه أن يعيق قدرتهم على العمل بفعالية".

وقالت منظمة الصحة العالمية، وفق الشبكة، إن الحالات الأكثر شيوعا هي "القلق والاكتئاب والمشاكل النفسية الجسدية، بما في ذلك الأرق وآلام الظهر والمعدة".

كما وجدت دراسة حديثة نشرت في مجلة "The Lancet" الطبية، أنه في الشهر الأول من الغزو الروسي لأوكرانيا في مارس 2022، أظهر المسح الأول للصحة العقلية للأوكرانيين، أن 53 بالمئة من البالغين كانوا يعانون من ضائقة نفسية شديدة، و54 بالمئة كانوا يعانون من القلق، و47 بالمئة كانوا يعانون من الاكتئاب.

 

معاناة الأطفال

وحسب "إيه بي سي نيوز"، يقول الخبراء إنه نظرا لأن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من سكان غزة، فقد تأثروا بشكل غير متناسب بالحرب، وبالتالي بأزمة الصحة العقلية.

وأبلغ الطبيب النفسي ومدير أنشطة الصحة العقلية في منظمة أطباء بلا حدود، المتواجد حاليا في رفح، دافيد موساردو، الشبكة أنه خلال أحد أيامه الأولى في مستشفى رفح الإندونيسي الميداني، التقى بفتاة تبلغ من العمر 10 أعوام أصيبت بحروق بسبب القتال العنيف، تصرخ بأنها لا تستطيع التنفس.

وأضاف: "من الواضح أنها كانت تعاني من نوبة ذعر. بدأنا ندرك أنه في كل مرة يتعين علينا تقديم الرعاية الطبية، كانت تعاني من الألم الذي عاشته".

وأوضح موساردو أنه رأى العديد من الأطفال في غزة يعانون من ردود فعل إجهاد حادة، ونوبات هلع أو صراخ حتى لو تم تخديرهم، مشيرا إلى "أطفالا آخرين أصيبوا بصدمة شديدة بسبب ما مروا به، مثل فقدان أحد الوالدين، لدرجة أنهم ينغلقون ولا يعبرون عن أي نوع من المشاعر".

فيما قالت المتحدثة باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، تيس إنغرام، إنه خلال رحلتها الأخيرة إلى غزة في أبريل، "أخبرها الآباء أن أطفالهم أصبحوا منعزلين، حيث يتحدثون أقل، ويلعبون أقل، وينامون أقل".

 

عمال الإغاثة

يعاني أيضا العاملون في مجال الرعاية الصحية في غزة فيما يتعلق بصحتهم العقلية، وفق الشبكة، إذ يخاطر العديد منهم بحياتهم من أجل توفير الرعاية الطبية، وسط محدودية المساعدات.

وقالت مكماهون إن العديد من الطواقم الطبية التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة، "يعملون تحت ضغط نفسي شديد، كما حوصر البعض في المستشفيات خلال الغارات الإسرائيلية، وعليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيتركون المرضى وراءهم أو ينقذوا حياتهم، مما يؤدي إلى الشعور بالضيق والذنب".

وذكر موساردو أن الطواقم الطبية تتأثر أثناء علاج المرضى في وقت الحرب، مضيفا: "الموظفون غالبا ما يأتون لرؤيتي خلال المناوبات الليلية في المستشفى، عندما يكون الجو أكثر هدوءا".

فيما قالت مكماهون للشبكة الأميركية: "إن الندوب ستدوم طويلا وتستمر مدى الحياة".

وتابعت: "إن ما كان وما زال يحدث هو أمر مروع تماما وغير طبيعي على الإطلاق. من المحتمل أن تكون الحرب مؤلمة للجميع، لكن هذا النوع من الهجمات على المدنيين، وعلى الأطفال، يؤثر حقا على رؤيتك للعالم، وإحساسك بالإنسانية، وهذا صعب تغييره أو الشفاء منه بعد ذلك".

يشار إلى أن إسرائيل أكدت في أكثر من مناسبة على أنها "لا تستهدف المدنيين الفلسطينيين"، وإن اهتمامها يتمحور حول "القضاء على حماس وتحقيق الأمن".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.