صورة تعبيرية لكتب مدرسية من لبنان- فرانس برس
صورة تعبيرية لكتب مدرسية من لبنان- فرانس برس

تتضمن الكتب المدرسية في عدد من البلدان تحيّزات على أساس الجندر، حسب دراسة لمركز التنمية العالمية (Center for Global Development) وثقت "مدى ونوع التحيز في أكثر من 1200 كتاب من 34 دولة ناطقة باللغة الإنجليزية".

شملت الدراسة البلدان ذات الدخل المرتفع مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، والدول الفقيرة مثل الهند وباكستان وأوغندا وجنوب أفريقيا.

ويبدو أن هذا التحيز موجود في البلدان العربية أيضا، على سبيل المثال، يطرح كتاب "غدي في القراءة والتعبير" المخصص للصف الثالث من المرحلة الأساسية في لبنان (أي المعد لطلاب تتراوح أعمارهم بين 9 و10 سنوات) سؤالا حول "المهن التي تخص الرجال فقط". 

هذه المسألة حفزت بحوثا عدة في دول مثل الكويت "المدرسة والتحيز الجنسي في العالم العربي: تطبيق على صورة المرأة في كتب القراءة العربية في الكويت" للكاتب أيوب فوزي، وفي المملكة العربية السعودية "صورة المرأة في كتب اللغة العربية والمواد الاجتماعية في مرحلتي التعليم الابتدائي والمتوسط في المملكة العربية السعودية" لكل من حسن علي الناجي وطلال سليمان الرفاعي، والعراق "صورة المرأة في كتب اللغة العربية للمرحلة المتوسطة في جمهورية العراق" لمصطفى يونس.

الهدف من تلك الأبحاث والدراسات هو تفادي الوقوع في فخ الموروث الثقافي الذي تشوبه الصور الجندرية النمطية التي حصرت مراراً عمل المرأة بمهن معينة أو أنها فقط ربة منزل، بينما يظهر الرجل في صور مهن متنوعة.

 

أنماط "مستترة"

يتسبب التوزيع النمطي للأدوار في الكتب المخصصة للأطفال بترسيخ اللامساواة على أساس الجندر، فتتعلم الفتاة على سبيل المثال أنها عاجزة عن بلوغ ما لا يجد زميلها أي مشكلة في الوصول إليه على المستوى المهني، كأن يصبح طياراً.

تقول الأخصائية النفسية اللبنانية مايا دبوق، إن "علم النفس اهتم منذ بدايته بفكرة تحديد الأدوار التي يلعبها الأفراد داخل إطار الأسرة النواة ومدى تأثير هذه التماهيات والأدوار على شخصية الطفل وتكوينه النفسي".

وتشرح لـ"ارفع صوتك": "من هنا تأتي أهمية الحديث عن دور الأب والأم في العائلة دون أن يقتصر على الأدوار الاجتماعية الممنوحة لكل منهما في المجتمع، أي أن صورة الأب المثالية ليست ما هي عليه اجتماعيا، ودوره مهم للغاية، خصوصاً أنه من يفصل انصهار الطفل عن أمه وهذا ما كان يمارس بالتقليد القديمة عندما كان يُطلب من الأب قطع الحبل السري عند الولادة لما لهذه الممارسة من رمزية نفسياً" .

ولكن هذا لا يعني تكريس الذكورية التي تختزل دور المرأة بالأنماط السائدة، بحسب دابوق.

ويظهر التحيز في أنماط  مختلفة اختصرتها دراسة مركز التنمية العالمية بثلاثة أنماط ثابتة: "الظهور المقتضب للشخصيات الأنثوية مقارنة بالذكورية منها، وربط المرأة بالأدوار المنزلية والأسرة والمظهر، وربط وجود المرأة بمصطلحات مثل زفاف ومنزل وجميل، بينما ترتبط مصطلحات الذكور بشكل أكبر بكلمات مثل القائد والسلطة والمهنة".

ووفق الدراسة، تظهر المرأة في العديد من الكتب عيّنات الدراسة، كأمينة مكتبة، بينما الرجل يظهر عالماً.

واللافت أن هذه الأنماط مستترة بالنسبة للطلاب وللطالبات، وهذا لا يعني أن تأثيرها ضئيل بل على العكس تماما، كما يقول الباحث الاجتماعي علي حرفوش.

ويحذر من  "مخاطر إخفاء عدم المساواة بين الجنسين في الكتب المدرسية، لأنها تعمل على استدامة علاقات القوة غير المتكافئة القائمة بين الجنسين من خلال المواد الدراسية المقررة".

"وهذا يستدعي تسليط الضوء على حجم التحيز الجندري في تمثيل الجنس في النصوص أو الصور أو غيرها من أشكال المواد النصية. كما يسمح بتبديد علامات الاستفهام حول مدى العدالة التواصلية أي استخدام اللغة لتمثيل الجنسين وتصوير الصور والرسوم التوضيحية في المقاطع والقصص والحوارات، ويسمح بحسم موضوع الهيمنة الجندرية والتأكد من أن الكتب المستخدمة تستجيب للجندر من حيث تحديد الأدوار المهنية والأولوية وتصوير علاقات القوة بين الجنسين"، يوضح حرفوش لـ"ارفع صوتك".

 

ما العمل؟

قد لا يُنهي تعديل المناهج الدراسية، النظرة النمطية للمرأة ودورها في المجتمع، تماماً، لكنه جزء من منظومة ثقافية، وأهمية الالتفات للمحتوى تأتي من الفئة التي يستهدفها، وهي فئة الأطفال أي أجيال المستقبل، ما يعني أن تنويع صور المرأة قد يحميهم من تبنّي التمييز والتحيّز المتوارث ويجعلهم أقرب لصورتها في الواقع المعاش.

 "ارفع صوتك" تواصل مع وزارة التربية اللبنانية، وردّت عبر تصريح مقتضب أنها "تعمل على موضوع الجندرة منذ فترة طويلة عبر دراسات حول الكتب بالتعاون مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة، من أجل ضمان التمثيل السليم للجنسين".

بالنسبة لعلي حرفوش "من المهم الاستمرار في تسليط الضوء على التمييز على أساس الجندر في الكتب المدرسية، إذ يُؤمن تغذية راجعة لخبراء المناهج الدراسية ومؤلفي الكتب والمواد التعليمية وصانعي السياسات التعليمية في المستقبل".

كما يسمح ذلك، يضيف حرفوش، بـ"تحديد العوامل التي تؤثر على جودة المنهج والمواد التعليمية، من خلال مراعاة التمثيل العادل وتوفير معلومات كافية لملء الثغرات الموجودة حاليا في أكثر من كتاب حول العالم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.