تظاهرة سابقة لأنصار مجتمع الميم عين في لبنان بتاريخ 27 يونيو 2020
تظاهرة سابقة لأنصار مجتمع الميم عين في لبنان بتاريخ 27 يونيو 2020

مع حلول شهر يونيو، يحتفل أفراد مجتمع الميم حول العالم بـ"شهر الفخر" الذي يقام سنويا، حيث تعج المدن الكبرى بمهرجانات ضخمة وتنظم مسيرات وكرنفالات للاحتفاء بالتنوع الجنسي والجندري، كما تشهد هذه الأيام تحركات نشطة للمؤسسات والمنظمات المعنية بحقوق هذه الفئات.
لكن في المنطقة العربية، يمر هذا الشهر نسبيا بصمت وبعيدا عن الأضواء، إذ تحد التضييقات والقيود المفروضة على نشاط وحريات أفراد مجتمع الميم عين من إمكانية الاحتفال والتعبير العلني عن هويتهم الجنسية وأفكارهم، وأيضا نضالهم من أجل حقوقهم، وسط واقع يفرض عليهم عيش "حياة مزدوجة" بين الخفاء والعلن.

وتحدث عدد من نشطاء وأفراد مجتمع الميم عين لموقع "الحرة" عن اضطرارهم لإخفاء هويتهم الجنسية الحقيقية ومشاعرهم وعلاقاتهم عن المجتمع والأسرة والأصدقاء، خوفا من العواقب الاجتماعية والقانونية التي قد تترتب على انكشاف أمرهم، إذ يتظاهرون في الحياة العامة بالامتثال للأدوار الجندرية التقليدية، لكن في الخفاء، يعبرون عن هويتهم ويقيمون العلاقات العاطفية والجنسية التي يرغبون بها.

شهاداتٌ "بعيدا عن الأعين"

أحمد ك، شاب أردني في الثلاثين من عمره، يقول لموقع "الحرة"، إنه يضطر "لارتداء ملابس معينة واصطناع تصرفات تجعله بمظهر الرجل الأردني المتمسك بتقاليده وعاداته"، مؤكدا أن "هذا الوضع يدّمرني من الداخل، فمن الصعب العيش بشخصيتين متناقضتين".

ويكشف الشاب الأردني، الذي طلب عدم الكشف عن هويته الكاملة، أن "واقع عيش المثليين في الأردن يختلف بين المحافظات"، مضيفا أنه في العاصمة عمان هناك "مساحة خاصة" خلقها مجتمع الميم عين لـ"يعيشوا حياة خفية بعيدا عن أعين الناس". 

وبحسب أحمد، فهناك "مقاهٍ خاصة بنا، وأندية ليلية صغيرة، وحتى شوارع للمشي أو التوقف على الأرصفة كلها قريبة من بعضها البعض"، معتبرا أنها تشكل "منطقة بديلة تجمع أفراد مجتمع الميم عين".

غير أنه يقول إن هذا الخفاء والهروب من الواقع، ناتج عن "الخوف الدائم من انكشاف أمري في مجتمع تحكمه العشائر".

واستهدفت السلطات الأردنية بشكل منهجي نشطاء حقوق مجتمع الميم عين، ونسّقت حملة قمع غير قانونية على حرية التعبير والتجمع في مجال النوع الاجتماعي (الجندر) والجنسانية، حسبما كشفته منظمة "هيومن رايتس ووتش". 

وذكرت المنظمة الحقوقية، مطلع العام الجاري، أن هذا الوضع "أجبر العديد من النشطاء على إغلاق منظماتهم، ووقف أنشطتهم، وفي بعض الحالات الهرب من البلاد".

من جهته، يقول فادي المقيم في الإمارات منذ 5 سنوات، إن "الحياة لاسيما الليلية منها تبقى رائعة حتى إشعار آخر"، موضحا أنه "فجأة تشعر بأن كل شيء قد اختلف وكأنك أصبحت ممنوعا عن الحركة لأسابيع أو أشهر قليلة، ثم تعود الحياة إلى طبيعتها".

ويكشف- فادي (اسم مستعار)، في تصريح لموقع "الحرة"، أن "هناك حوالي 4 أماكن سهر مخصصة لأفراد مجتمع الميم عين تقام بفنادق متعددة تتغير كل فترة وبإعلانات غير واضحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن في بعض الحفلات قد تضطر إلى الخروج سريعا بسبب إطفاء النور وإلغاء الحفلة"، مشيرا إلى "إلغاء بعضها قبل ساعات من قيامها".

وتابع: "الخوف قد يكون أقل لأننا لسنا في دولنا، ونحن نعمل هنا بعيدا عن عائلاتنا، لكن يبقى اعتبارنا مجرمين في القانون هاجسا يخيفنا دائما".

بدوره، يلمح مينا (28 عاما) من العاصمة المصرية، إلى أن "الخوف في هذا المجتمع السري قد يجعله يدمّر نفسه بنفسه"، مشيراً إلى "غياب الوعي بأهمية الصحة الجنسية والنفسية" في ظل هذه الحياة المنعزلة عن الأنظار.

ويضيف مينا، الذي طلب عدم الكشف عن كنيته، في تصريح لموقع الحرة، أنه "في جلسات خاصة وداخل المنازل، قد يقوم بعض الأشخاص المطلعين إلى فتح جلسات حوار ونقاش حول بعض القضايا التي تهمنا خصوصا المرتبطة بالصحة النفسية ومشاركة مشاعر الخوف والقلق".

وتعرَّضت نساء وفتيات، وأفراد من أقليات دينية، وأفراد من مجتمع الميم عين، للتمييز المُجحف والعنف والمحاكمة بسبب ممارسة حقوقهم الإنسانية، وفقا لمنظمة العفو الدولية.

ويلجأ القضاء في مصر في معظم الحالات إلى النصوص التجريمية المتعلقة "بالفسق" أو "التحريض على الفجور" لعدم وجود نص صريح يجرم المثلية الجنسية في القانون المصري.  

لبنان يعتبر أكثر تساهلاً مع المثليين مقارنة بدول عربية أخرى
كيف تصاعد التحريض ضد مجتمع "الميم عين" في لبنان والعراق؟
يشمل مجتمع "الميم عين" المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي وعابري النوع الاجتماعي ، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش. وتقول الأمم المتحدة إن التمييز والعنف بدافع الكراهية ضد الأشخاص من مجتمع الميم عين "منتشر ووحشي، وغالبا ما يتم ارتكابه مع الإفلات من العقاب". 

"الخوف والتهديد"

وتظل العلاقات المثلية بالتراضي مجرّمة في غالبية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتُعد قوانين العلاقات بين الجنس الواحد والفجور والآداب العامة من بين الأدوات التي تستخدمها الدول لانتهاك حقوق المثليين والمثليات ومزدوجي الميول الجنسية والعابرين والعابرات جنسيا والكويريين. 

وبالإضافة إلى خطر الاعتقال، فإن الأشخاص من مجتمع الميم عين يتعرضون للعنف والتمييز في المجالين العام والخاص. وقالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير العام الماضي، إن عناصر تابعين للدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستهدفون أفراد مجتمع الميم عين، بناء على نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوقعت قوات الأمن بأفراد مجتمع الميم عين على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة، وأخضعتهم للابتزاز والتحرش على الإنترنت، وكشفت هويتهم الجندرية وتوجههم الجنسي بدون موافقتهم، واعتمدت في المحاكمات على صور رقمية، ومحادثات، ومعلومات مماثلة حصلت عليها بطرق غير مشروعة، في انتهاك للحق في الخصوصية وغيرها من حقوق الإنسان، وفقا للمصدر ذاته.

المتحدث باسم منظمة "ألوان" المعنية بحقوق المثليين في دول الخليج،  طارق بن عزيز، يرى أن "الخوف" هو جوهر حياة المثليين في الدول العربية، "فحتى في أماكن تجمعاتهم والتي يعرفونها عن طريق بعضهم البعض يكون شعور التهديد حاضرا".

وفيما يتعلق بـ"الازدواجية" التي يعيشها البعض، يقول طارق إنها قد تكون "شكلا من أشكال الذكاء الاجتماعي أو الحماية"، لكنها "تولد مشاكل اجتماعية ونفسية كبيرة"، خصوصا إذا استغرق البعض فيها إلى درجة الزواج من الجنس الآخر.

ويشير طارق إلى أن نضال المثليين العرب "ليس كافيا" رغم أنه "محل تقدير"، مؤكدا أنهم لا يشكلون "حركة سلمية واضحة"، مع وجود "تمزق" بسبب المواقف السياسية التي لا علاقة لها بالنضال الحقوقي. 

ويرى أنهم بحاجة للتركيز على "الوعي الحقوقي الكويري" وعدم الانجرار وراء "العدائية ضد الغرب".

ويؤكد طارق أن "أبرز التحديات هي قبول أنفسهم والتصالح مع ذواتهم بالدرجة الأولى ثم مواجهة المحيط بشكل سلمي"، على الرغم من أن ذلك "له كلفة اجتماعية عالية جداً".

ويشير طارق إلى أن المسار الحقوقي للمثليين في الدول العربية "طويل ومليء بالتعقيدات"، بسبب "التخلف الحقوقي العام وتأثير الدين على الدولة والثقافة الرجعية"، مما يتطلب "عملاً مكثفاً على جميع المستويات".

"الوضع يتدهور"

وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم انطلاق فعاليات شهر الفخر للاحتفاء بمجتمع الميم عين، تظل ألوان "قوس قزح" غائبة عن المدن العربية، حيث يُضطر أفراد هذا المجتمع إلى اللجوء إلى أماكن مغلقة بعيدا عن الأنظار، لعقد لقاءاتهم وتجمعاتهم بسرية تامة، حفاظا على أمنهم وسلامتهم،  بحسب متابعين ونشطاء تحدثوا عن "تدهور حرياتهم".

منسق التواصل في منظمة "حلم"، التي تعنى بحقوق مجتمع الميم عين في لبنان، ضومط قزي، يقول إن "الوضع يختلف من بلد عربي إلى آخر، بناء على منظومة القوانين وأنظمة الحكم والثقافة السائدة، غير أنه يشير إلى أن وضعية أفراد المجتمع سيئة جدا بل وتدهورت بشكل كبير".

ويقول  قزي في تصريح لموقع "الحرة"، إن أفراد المجتمع في صراع يومي من أجل حجب هويتهم أو كيفية تعبيرهم عن أنفسهم، ويعيشون طيلة حياتهم بشكل مزدوج وذلك لتفادي تعرضهم للاضطهاد والتمييز، والذي يقول إنهم يتعرضون له رغما عن ذلك عندما لا يستطيعون إخفاء بعض التعابير الجندرية الظاهرة عليهم.

ويوضح أن "الحياة المزدوجة مفروضة عليهم حتى لا يتم اعتقالهم أو سجنهم أو عزلهم اجتماعيا، والتي لها تبعات سيئة جدا على صحتهم النفسية وتنعكس أيضا على الجسدية وقدرتهم على الانخراط بالمجتمع ونجاحهم فيه".

ويضيف قزي أن جملة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى تطال الأفراد المثليين بالدول العربية، حيث "يعانون من بطالة أكبر ويتعرضون لابتزاز يومي من طرف عصابات وأحيانا من أجهزة أمنية، وتضييق على مساحتهم الشخصية وحتى المدنية  من خلال استهداف جمعيات ومنظمات خاصة، كما هو الشأن في لبنان وتونس ومصر والعراق".

وقبل حوالي شهر، أقر البرلمان العراقي قانونا جديدا يجرم العلاقات الجنسية المثلية بالتراضي، فضلا عن أشكال أخرى من السلوك الخاص بالتراضي،  أواخر شهر أبريل الماضي، في خطوة من شأنها أن تفرض عقوبات سجن مشددة على المثليين والعابرين جنسيا.

ويأتي تبني القانون بعد أن "تقاعست" الحكومة العراقية عن محاسبة أعضاء الجماعات المسلحة المختلفة الذين واصلوا في السنوات الأخيرة اختطاف، واغتصاب، وتعذيب، وقتل أفراد مجتمع الميم عين، دون عقاب، وفقا لهيومن رايتس ووتش.

ويقول الناشط العراقي في قضايا مجتمع الميم عين، أوس كريم، لموقع "الحرة"، إن "هذا القانون سيتبعه عدة قوانين تعسفية دخلت على العراق مع قدوم الحكم الديني على السلطة".

وأشار كريم إلى "أن العديد من أفراد مجتمع الميم عين غادروا العراق لكن العديد منهم قد يواجه عقوبة السجن دون أي ذنب".

وفي تونس، تجرّم المادة 230 من قانون العقوبات العلاقات الجنسية المثلية بالتراضي التي تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات. 

كذلك، تسمح للسلطات بإجراء فحوص شرجية للأفراد، وهي ممارسة انتقدتها بشدة لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة. 

ومنذ عام 2011 في تونس، تمكن نشطاء مجتمع الميم عين من العمل بشكل علني أكثر، لكن وضعهم لا يزال محفوفا بالمخاطر بسبب الأعراف القانونية والاجتماعية، وفقا لفرانس برس.

وبلبنان، يواجه أفراد مجتمع الميم عين عداء متزايدا حيث يتعرضون لعنف جسدي ولفظي. في هذا الجانب يقول قزي، إن "هناك مساحات لأفراد هذا المجتمع بالرغم من تصاعد وتيرة الاعتداءات ضدهم خلال السنتين الأخيرتين بسبب تقاطع أكثر من عامل".

وفيما يتعلق بنضال أفراد الميم عين لأجل الدفاع عن حقوقهم وتغيير هذا الواقع، يقول إن تحركاتهم تكون حسب الظروف المتاحة بالنسبة لهم، مشيرا إلى أن "غالبية دول المنطقة تقع تحت أنظمة عسكرية أو دينية وبأفضل الأحوال شبه برلمانية لكن طائفية"، موضحا أن "المساحات المتوفرة لهم من أجل النضال والعمل السياسي شبه غائبة".

بدوره، يوضح متحدث باسم "سين" للعدالة الجنسية والجندرية، وهي منظمة سورية غير حكومية، رفض الكشف عن هويته، إن مجتمع الميم عين السوري يواجه "تحديات مجتمعية وقانونية" تفاقمت بعد اندلاع الثورة السورية مع ظهور أطراف إسلامية راديكالية وأطراف سياسية أخرى.

ويضيف المتحدث في تصريح لموقع "الحرة"، أن الفترة بين 2014 و2016 شهدت فترة إعدامات كبيرة من قبل تنظيم داعش، مما شجع أطرافا أخرى من أجل ممارسة هذه الإعدامات ضد الأشخاص الذين يتم تجريمهم بسبب هويتهم الجنسية.

ويلفت المصدر ذاته، إلى أن "هؤلاء الأفراد يعانون الأمرين بسبب وصمة العار والمخاوف من الاعتداءات سواء من المجتمع أو السلطات"، مشيرا إلى "فرض النظام السوري لإجراءات مشددة لتناول قضايا الحريات الجنسية".

ويقول إن منظمة سين "وثقت اعتداءات وانتهاكات كبيرة سواء من أجهزة الأمن والشرطة أو القضائية وتمثلت أساسا في حالات للفحوصات الشرجية القسرية، إضافة إلى الابتزاز والعري القسري والاغتصاب بالمعتقلات والاحتجاز ووضعهم في زنازين مع المتحرشين والمغتصبين".

ويوضح أن "جانبا آخر من معاناة أفراد مجتمع الميم عين يتمثل في الصعوبات النفسية التي تواجهم"، لافتا إلى أنه "حتى من أجل الحصول على العلاج والدعم النفسي يجدون أن المصحات العقلية تعتبر المثلية مرضا وتعمل لاعتماد ما يسمى العلاج التحويلي عبر الصعق الكهربائي أو اختراق خصوصيات المريض وغيرها من الأساليب التي لا تمت للطب النفسي بصلة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.