تظاهرة سابقة لأنصار مجتمع الميم عين في لبنان بتاريخ 27 يونيو 2020
تظاهرة سابقة لأنصار مجتمع الميم عين في لبنان بتاريخ 27 يونيو 2020

مع حلول شهر يونيو، يحتفل أفراد مجتمع الميم حول العالم بـ"شهر الفخر" الذي يقام سنويا، حيث تعج المدن الكبرى بمهرجانات ضخمة وتنظم مسيرات وكرنفالات للاحتفاء بالتنوع الجنسي والجندري، كما تشهد هذه الأيام تحركات نشطة للمؤسسات والمنظمات المعنية بحقوق هذه الفئات.
لكن في المنطقة العربية، يمر هذا الشهر نسبيا بصمت وبعيدا عن الأضواء، إذ تحد التضييقات والقيود المفروضة على نشاط وحريات أفراد مجتمع الميم عين من إمكانية الاحتفال والتعبير العلني عن هويتهم الجنسية وأفكارهم، وأيضا نضالهم من أجل حقوقهم، وسط واقع يفرض عليهم عيش "حياة مزدوجة" بين الخفاء والعلن.

وتحدث عدد من نشطاء وأفراد مجتمع الميم عين لموقع "الحرة" عن اضطرارهم لإخفاء هويتهم الجنسية الحقيقية ومشاعرهم وعلاقاتهم عن المجتمع والأسرة والأصدقاء، خوفا من العواقب الاجتماعية والقانونية التي قد تترتب على انكشاف أمرهم، إذ يتظاهرون في الحياة العامة بالامتثال للأدوار الجندرية التقليدية، لكن في الخفاء، يعبرون عن هويتهم ويقيمون العلاقات العاطفية والجنسية التي يرغبون بها.

شهاداتٌ "بعيدا عن الأعين"

أحمد ك، شاب أردني في الثلاثين من عمره، يقول لموقع "الحرة"، إنه يضطر "لارتداء ملابس معينة واصطناع تصرفات تجعله بمظهر الرجل الأردني المتمسك بتقاليده وعاداته"، مؤكدا أن "هذا الوضع يدّمرني من الداخل، فمن الصعب العيش بشخصيتين متناقضتين".

ويكشف الشاب الأردني، الذي طلب عدم الكشف عن هويته الكاملة، أن "واقع عيش المثليين في الأردن يختلف بين المحافظات"، مضيفا أنه في العاصمة عمان هناك "مساحة خاصة" خلقها مجتمع الميم عين لـ"يعيشوا حياة خفية بعيدا عن أعين الناس". 

وبحسب أحمد، فهناك "مقاهٍ خاصة بنا، وأندية ليلية صغيرة، وحتى شوارع للمشي أو التوقف على الأرصفة كلها قريبة من بعضها البعض"، معتبرا أنها تشكل "منطقة بديلة تجمع أفراد مجتمع الميم عين".

غير أنه يقول إن هذا الخفاء والهروب من الواقع، ناتج عن "الخوف الدائم من انكشاف أمري في مجتمع تحكمه العشائر".

واستهدفت السلطات الأردنية بشكل منهجي نشطاء حقوق مجتمع الميم عين، ونسّقت حملة قمع غير قانونية على حرية التعبير والتجمع في مجال النوع الاجتماعي (الجندر) والجنسانية، حسبما كشفته منظمة "هيومن رايتس ووتش". 

وذكرت المنظمة الحقوقية، مطلع العام الجاري، أن هذا الوضع "أجبر العديد من النشطاء على إغلاق منظماتهم، ووقف أنشطتهم، وفي بعض الحالات الهرب من البلاد".

من جهته، يقول فادي المقيم في الإمارات منذ 5 سنوات، إن "الحياة لاسيما الليلية منها تبقى رائعة حتى إشعار آخر"، موضحا أنه "فجأة تشعر بأن كل شيء قد اختلف وكأنك أصبحت ممنوعا عن الحركة لأسابيع أو أشهر قليلة، ثم تعود الحياة إلى طبيعتها".

ويكشف- فادي (اسم مستعار)، في تصريح لموقع "الحرة"، أن "هناك حوالي 4 أماكن سهر مخصصة لأفراد مجتمع الميم عين تقام بفنادق متعددة تتغير كل فترة وبإعلانات غير واضحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن في بعض الحفلات قد تضطر إلى الخروج سريعا بسبب إطفاء النور وإلغاء الحفلة"، مشيرا إلى "إلغاء بعضها قبل ساعات من قيامها".

وتابع: "الخوف قد يكون أقل لأننا لسنا في دولنا، ونحن نعمل هنا بعيدا عن عائلاتنا، لكن يبقى اعتبارنا مجرمين في القانون هاجسا يخيفنا دائما".

بدوره، يلمح مينا (28 عاما) من العاصمة المصرية، إلى أن "الخوف في هذا المجتمع السري قد يجعله يدمّر نفسه بنفسه"، مشيراً إلى "غياب الوعي بأهمية الصحة الجنسية والنفسية" في ظل هذه الحياة المنعزلة عن الأنظار.

ويضيف مينا، الذي طلب عدم الكشف عن كنيته، في تصريح لموقع الحرة، أنه "في جلسات خاصة وداخل المنازل، قد يقوم بعض الأشخاص المطلعين إلى فتح جلسات حوار ونقاش حول بعض القضايا التي تهمنا خصوصا المرتبطة بالصحة النفسية ومشاركة مشاعر الخوف والقلق".

وتعرَّضت نساء وفتيات، وأفراد من أقليات دينية، وأفراد من مجتمع الميم عين، للتمييز المُجحف والعنف والمحاكمة بسبب ممارسة حقوقهم الإنسانية، وفقا لمنظمة العفو الدولية.

ويلجأ القضاء في مصر في معظم الحالات إلى النصوص التجريمية المتعلقة "بالفسق" أو "التحريض على الفجور" لعدم وجود نص صريح يجرم المثلية الجنسية في القانون المصري.  

لبنان يعتبر أكثر تساهلاً مع المثليين مقارنة بدول عربية أخرى
كيف تصاعد التحريض ضد مجتمع "الميم عين" في لبنان والعراق؟
يشمل مجتمع "الميم عين" المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي وعابري النوع الاجتماعي ، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش. وتقول الأمم المتحدة إن التمييز والعنف بدافع الكراهية ضد الأشخاص من مجتمع الميم عين "منتشر ووحشي، وغالبا ما يتم ارتكابه مع الإفلات من العقاب". 

"الخوف والتهديد"

وتظل العلاقات المثلية بالتراضي مجرّمة في غالبية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتُعد قوانين العلاقات بين الجنس الواحد والفجور والآداب العامة من بين الأدوات التي تستخدمها الدول لانتهاك حقوق المثليين والمثليات ومزدوجي الميول الجنسية والعابرين والعابرات جنسيا والكويريين. 

وبالإضافة إلى خطر الاعتقال، فإن الأشخاص من مجتمع الميم عين يتعرضون للعنف والتمييز في المجالين العام والخاص. وقالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير العام الماضي، إن عناصر تابعين للدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستهدفون أفراد مجتمع الميم عين، بناء على نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوقعت قوات الأمن بأفراد مجتمع الميم عين على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة، وأخضعتهم للابتزاز والتحرش على الإنترنت، وكشفت هويتهم الجندرية وتوجههم الجنسي بدون موافقتهم، واعتمدت في المحاكمات على صور رقمية، ومحادثات، ومعلومات مماثلة حصلت عليها بطرق غير مشروعة، في انتهاك للحق في الخصوصية وغيرها من حقوق الإنسان، وفقا للمصدر ذاته.

المتحدث باسم منظمة "ألوان" المعنية بحقوق المثليين في دول الخليج،  طارق بن عزيز، يرى أن "الخوف" هو جوهر حياة المثليين في الدول العربية، "فحتى في أماكن تجمعاتهم والتي يعرفونها عن طريق بعضهم البعض يكون شعور التهديد حاضرا".

وفيما يتعلق بـ"الازدواجية" التي يعيشها البعض، يقول طارق إنها قد تكون "شكلا من أشكال الذكاء الاجتماعي أو الحماية"، لكنها "تولد مشاكل اجتماعية ونفسية كبيرة"، خصوصا إذا استغرق البعض فيها إلى درجة الزواج من الجنس الآخر.

ويشير طارق إلى أن نضال المثليين العرب "ليس كافيا" رغم أنه "محل تقدير"، مؤكدا أنهم لا يشكلون "حركة سلمية واضحة"، مع وجود "تمزق" بسبب المواقف السياسية التي لا علاقة لها بالنضال الحقوقي. 

ويرى أنهم بحاجة للتركيز على "الوعي الحقوقي الكويري" وعدم الانجرار وراء "العدائية ضد الغرب".

ويؤكد طارق أن "أبرز التحديات هي قبول أنفسهم والتصالح مع ذواتهم بالدرجة الأولى ثم مواجهة المحيط بشكل سلمي"، على الرغم من أن ذلك "له كلفة اجتماعية عالية جداً".

ويشير طارق إلى أن المسار الحقوقي للمثليين في الدول العربية "طويل ومليء بالتعقيدات"، بسبب "التخلف الحقوقي العام وتأثير الدين على الدولة والثقافة الرجعية"، مما يتطلب "عملاً مكثفاً على جميع المستويات".

"الوضع يتدهور"

وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم انطلاق فعاليات شهر الفخر للاحتفاء بمجتمع الميم عين، تظل ألوان "قوس قزح" غائبة عن المدن العربية، حيث يُضطر أفراد هذا المجتمع إلى اللجوء إلى أماكن مغلقة بعيدا عن الأنظار، لعقد لقاءاتهم وتجمعاتهم بسرية تامة، حفاظا على أمنهم وسلامتهم،  بحسب متابعين ونشطاء تحدثوا عن "تدهور حرياتهم".

منسق التواصل في منظمة "حلم"، التي تعنى بحقوق مجتمع الميم عين في لبنان، ضومط قزي، يقول إن "الوضع يختلف من بلد عربي إلى آخر، بناء على منظومة القوانين وأنظمة الحكم والثقافة السائدة، غير أنه يشير إلى أن وضعية أفراد المجتمع سيئة جدا بل وتدهورت بشكل كبير".

ويقول  قزي في تصريح لموقع "الحرة"، إن أفراد المجتمع في صراع يومي من أجل حجب هويتهم أو كيفية تعبيرهم عن أنفسهم، ويعيشون طيلة حياتهم بشكل مزدوج وذلك لتفادي تعرضهم للاضطهاد والتمييز، والذي يقول إنهم يتعرضون له رغما عن ذلك عندما لا يستطيعون إخفاء بعض التعابير الجندرية الظاهرة عليهم.

ويوضح أن "الحياة المزدوجة مفروضة عليهم حتى لا يتم اعتقالهم أو سجنهم أو عزلهم اجتماعيا، والتي لها تبعات سيئة جدا على صحتهم النفسية وتنعكس أيضا على الجسدية وقدرتهم على الانخراط بالمجتمع ونجاحهم فيه".

ويضيف قزي أن جملة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى تطال الأفراد المثليين بالدول العربية، حيث "يعانون من بطالة أكبر ويتعرضون لابتزاز يومي من طرف عصابات وأحيانا من أجهزة أمنية، وتضييق على مساحتهم الشخصية وحتى المدنية  من خلال استهداف جمعيات ومنظمات خاصة، كما هو الشأن في لبنان وتونس ومصر والعراق".

وقبل حوالي شهر، أقر البرلمان العراقي قانونا جديدا يجرم العلاقات الجنسية المثلية بالتراضي، فضلا عن أشكال أخرى من السلوك الخاص بالتراضي،  أواخر شهر أبريل الماضي، في خطوة من شأنها أن تفرض عقوبات سجن مشددة على المثليين والعابرين جنسيا.

ويأتي تبني القانون بعد أن "تقاعست" الحكومة العراقية عن محاسبة أعضاء الجماعات المسلحة المختلفة الذين واصلوا في السنوات الأخيرة اختطاف، واغتصاب، وتعذيب، وقتل أفراد مجتمع الميم عين، دون عقاب، وفقا لهيومن رايتس ووتش.

ويقول الناشط العراقي في قضايا مجتمع الميم عين، أوس كريم، لموقع "الحرة"، إن "هذا القانون سيتبعه عدة قوانين تعسفية دخلت على العراق مع قدوم الحكم الديني على السلطة".

وأشار كريم إلى "أن العديد من أفراد مجتمع الميم عين غادروا العراق لكن العديد منهم قد يواجه عقوبة السجن دون أي ذنب".

وفي تونس، تجرّم المادة 230 من قانون العقوبات العلاقات الجنسية المثلية بالتراضي التي تصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات. 

كذلك، تسمح للسلطات بإجراء فحوص شرجية للأفراد، وهي ممارسة انتقدتها بشدة لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة. 

ومنذ عام 2011 في تونس، تمكن نشطاء مجتمع الميم عين من العمل بشكل علني أكثر، لكن وضعهم لا يزال محفوفا بالمخاطر بسبب الأعراف القانونية والاجتماعية، وفقا لفرانس برس.

وبلبنان، يواجه أفراد مجتمع الميم عين عداء متزايدا حيث يتعرضون لعنف جسدي ولفظي. في هذا الجانب يقول قزي، إن "هناك مساحات لأفراد هذا المجتمع بالرغم من تصاعد وتيرة الاعتداءات ضدهم خلال السنتين الأخيرتين بسبب تقاطع أكثر من عامل".

وفيما يتعلق بنضال أفراد الميم عين لأجل الدفاع عن حقوقهم وتغيير هذا الواقع، يقول إن تحركاتهم تكون حسب الظروف المتاحة بالنسبة لهم، مشيرا إلى أن "غالبية دول المنطقة تقع تحت أنظمة عسكرية أو دينية وبأفضل الأحوال شبه برلمانية لكن طائفية"، موضحا أن "المساحات المتوفرة لهم من أجل النضال والعمل السياسي شبه غائبة".

بدوره، يوضح متحدث باسم "سين" للعدالة الجنسية والجندرية، وهي منظمة سورية غير حكومية، رفض الكشف عن هويته، إن مجتمع الميم عين السوري يواجه "تحديات مجتمعية وقانونية" تفاقمت بعد اندلاع الثورة السورية مع ظهور أطراف إسلامية راديكالية وأطراف سياسية أخرى.

ويضيف المتحدث في تصريح لموقع "الحرة"، أن الفترة بين 2014 و2016 شهدت فترة إعدامات كبيرة من قبل تنظيم داعش، مما شجع أطرافا أخرى من أجل ممارسة هذه الإعدامات ضد الأشخاص الذين يتم تجريمهم بسبب هويتهم الجنسية.

ويلفت المصدر ذاته، إلى أن "هؤلاء الأفراد يعانون الأمرين بسبب وصمة العار والمخاوف من الاعتداءات سواء من المجتمع أو السلطات"، مشيرا إلى "فرض النظام السوري لإجراءات مشددة لتناول قضايا الحريات الجنسية".

ويقول إن منظمة سين "وثقت اعتداءات وانتهاكات كبيرة سواء من أجهزة الأمن والشرطة أو القضائية وتمثلت أساسا في حالات للفحوصات الشرجية القسرية، إضافة إلى الابتزاز والعري القسري والاغتصاب بالمعتقلات والاحتجاز ووضعهم في زنازين مع المتحرشين والمغتصبين".

ويوضح أن "جانبا آخر من معاناة أفراد مجتمع الميم عين يتمثل في الصعوبات النفسية التي تواجهم"، لافتا إلى أنه "حتى من أجل الحصول على العلاج والدعم النفسي يجدون أن المصحات العقلية تعتبر المثلية مرضا وتعمل لاعتماد ما يسمى العلاج التحويلي عبر الصعق الكهربائي أو اختراق خصوصيات المريض وغيرها من الأساليب التي لا تمت للطب النفسي بصلة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.