وقفة احتجاجية في اليمن تطالب المجتمع الدولي بالضغط على الحوثيين للإفراج عن المختطفين- الصورة من رابطة أمهات المتختطفين في اليمن
وقفة احتجاجية في اليمن تطالب المجتمع الدولي بالضغط على الحوثيين للإفراج عن المختطفين- الصورة من رابطة أمهات المتختطفين في اليمن

كان اليمني عامر الأغبري يعمل مع منظمة اليونيسف في مدينة صنعاء ضمن مشروع لدعم المدارس وتطويرها. وخلال انشغاله بإحضار مختبرات للعلوم وتوزيعها على 150 مدرسة، اختفى فجأة في أكتوبر 2021، ليتبين لاحقا أن الحوثيين اختطفوه.

وفي نوفمبر 2021، بعد أقل من شهر على اختفاء الأغبري، اعتقلت قوة تابعة للحوثيين عبد القادر السقاف، الذي كان يعمل في السفارة الأميركية في العاصمة صنعاء.

وبعد نحو ثلاث سنوات من الاحتجاز القسري، ظهر الإغبري والسقاف في مقطع فيديو، في 10 يونيو، يتضمن مجموعة أشخاص، ادعى الحوثيون أنهم أعضاء في "شبكة تجسس أميركية إسرائيلية".

أثار الإعلان الحوثي قلقا محليا ودوليا، خاصة أن المعتقلين أدلوا بـ "اعترافات" حول تورطهم في قضية "التجسس" بشكل يثير الشكوك حول مصداقية الإعلان، وفق خبراء وناشطين حقوقيين أشاروا إلى أن توقيت البث تزامن مع حملة اعتقالات كان يشنها الحوثيون منذ أيار، طالت عشرات العاملين في منظمات حقوقية ومجتمع مدني محلية ودولية، على رأسها الأمم المتحدة.

كانت الاعتقالات تجري في الظل منذ 31 مايو الماضي، إذ أُلقي القبض على ما يقرب من 50 شخصا بحلول 7 يونيو. ومع مرور الأيام، ارتفع العدد إلى أكثر من 70 معتقلا، مما زاد حدة التوتر في البلاد.

الغريب في الأمر أن الحوثيين لم يصدروا أي تصريحات رسمية تشرح سبب هذه الاعتقالات، ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأنها جزء من حملة أوسع للضغط على المجتمع الدولي والحكومة اليمنية المعترف بها.

كما أن الحوثيين نشروا، في الأول من يوليو، بيانا من "جهاز الأمن  والمخابرات" التابع للجماعة ينص على "منح مهلة لمدة 30 يوما من تاريخه لمن يبادر بالتعاون طوعا مع جهاز الأمن ممن كان لهم ارتباط أو تعاون مع الشبكة الأمريكية الإسرائيلية"، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية ترهيبا وتخويفا.

وقالت منظمة "سام" للحقوق والحريات في بيان إن جماعة الحوثي تستمر في سياسة "نشر الرعب والخوف" في المجتمع عبر اتهام المدنيين، بمن فيهم العاملون في المنظمات الدولية والمحلية، بالتجسس كـ "ذريعة للاعتقال والتنكيل".

ويقول توفيق الحميدي، مدير منظمة "سام"، وهي عضو في "تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن"، إن ما يشهده اليمن الآن هو "استهداف للعاملين في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني في اليمن"، مبينا أن "تهمة التجسس دائما جاهزة".

ويعتقد الحميدي في حديث لموقع "الحرة" أن الاعترافات المصورة التي بثها الحوثيون "أُخذت في الغالب الإكراه"، وأن المعتقلين "أُجبروا على الإدلاء بها تحت التهديد".

وأشار الحميدي إلى أن "هذه الممارسات، التي تعد انتهاكا خطيرا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، أثارت غضبا دوليا واسعا".

جلسة نظمتها رابطة أمهات المختطفين في اليمن لمناقشة قضية المحتجزين قسرا والمختطفين لدى الحوثيين

وبالفعل أدانت الولايات المتحدة بشدة الاعتقالات التي نفذها الحوثيون بحق موظفي الأمم المتحدة والدبلوماسيين والمنظمات غير الحكومية، وفق بيان للخارجية الأميركية.

وأدان البيان أيضا "بشدة جهود الحوثيين لنشر معلومات مضللة في ما يتعلق بدور الموظفين المحليين الحاليين والسابقين في البعثة الأميركية المحتجزين من خلال الاعترافات القسرية والمزيفة المتلفزة". 

وأكدت الخارجية الأميركية أن الحوثيين يسعون إلى "استخدام المعلومات المضللة لإلقاء اللوم على الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الخارجية الأخرى بسبب إخفاقاتهم".

وأشار البيان إلى أن "تصرفات الحوثيين تعكس استخفافا صارخا بكرامة الشعب اليمني والأفراد الذين، على عكس أكاذيب الحوثيين، كرسوا أنفسهم لتحسين بلادهم". 

وشددت الخارجية الأميركية على أن احتجاز موظفي الأمم المتحدة وموظفي منظمات أخرى، "يشكل إهانة للأعراف الدبلوماسية، وينبغي إطلاق سراحهم على الفور. ولن نرتاح حتى يكونوا كذلك".

في 26 يونيو 2024، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا مفزعا حول اختفاء عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني على يد الحوثيين. 

وهذه الاعتقالات أحدثت ضجة كبيرة، وأثارت تساؤلات حول مصير هؤلاء الأشخاص ودوافع احتجازهم.

نفذ الحوثيون حملة شاملة للاعتقالات طالت عاملين في منظمات حقوقية دولية ومنظمات المجتمع المدني في اليمن

عمليات احتجاز "غير مسبوقة"

في صباح  31 مايو 2024، نفذ الحوثيون حملة اعتقالات في اليمن، ما أثار حالة من القلق والترقب في أوساط العاملين في مجال حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني الذين باتوا يشعرون أنهم مستهدفون من جانب الحوثيين.

ووثقت منظمات حقوقية، منها منظمة سام للحقوق والحريات، ورابطة أمهات المختطفين في اليمن، تفاصيل عمليات الاحتجاز عبر التواصل مع عائلات المستهدفين وتسجيل شهاداتهم لما حدث. 

وكان وزير حقوق الإنسان والشؤون القانونية في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، أحمد عرمان أكد في تصريحات صحفية، أن عدد المعتقلين ارتفع إلى أكثر من 70 شخصا.

هذه الاعتقالات لم تكن عشوائية، فقد كشفت الأمم المتحدة أن من بين المحتجزين ما لا يقل عن 17 موظفا في كيانات تابعة لها.

وقالت الأمم المتحدة، في بيان مشترك لعدة منظمات تابعة لها: " يساورنا قلق بالغ إزاء احتجاز سلطات الأمر الواقع الحوثية مؤخرا لـ17 موظفا في منظماتنا (كيانات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية) والعديد من الأشخاص الآخرين المرتبطين بمنظمات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، وغيرها من المنظمات التي تدعم أنشطة العمل الإنساني".

وأضافت أن "عمليات الاحتجاز هذه غير مسبوقة، ليس فقط في اليمن، ولكن على مستوى العالم، وتعيق بشكل مباشر قدرتنا على الوصول إلى الأشخاص الأشد ضعفا في اليمن، من بينهم 18.2 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية".

وطالبت الأمم المتحدة "سلطات الأمر الواقع بتأكيد وتحديد مكان وجود المحتجزين وظروف احتجازهم، بالإضافة إلى الوصول العاجل إليهم".

وأكدت أن القانون الدولي "يحظر سلب الحرية تعسفا. ويلزم القانون الدولي الإنساني جميع أطراف النزاع المسلح باحترام وحماية العاملين في المجال الإنساني، من بين ذلك الحماية من المضايقات، وسوء المعاملة، والاعتقال أو الاحتجاز غير القانوني".

وما يثير قلق المنظمات الدولية والمحلية هو أن هذه الاعتقالات تزامنت مع إعلان الحوثيين في 10 يونيو ما زعمت أنه "إنجاز أمني عظيم" يتعلق بكشف "شبكة تجسس أميركية إسرائيلية" تعمل في اليمن.

وشنت وسائل إعلام حوثية، بما في ذلك قناة المسيرة ووكالة سبأ، هجوما إعلاميا مكثفا استهدف أنشطة المنظمات الإنسانية والحقوقية في البلاد.

والملفت أن الإعلان الحوثي عن "الشبكة التجسسية" شمل معتقلين كانوا موظفين سابقين في السفارة الأميركية في اليمن، واعتقلوا بين عامي 2021 و2023، منهم الأغبري والسقاف.

وهذا الأمر ينذر باحتمال إلصاق تهمة "التجسس" بالمعتقلين الذين شملتهم الحملة الأخيرة في يونيو، وفق ما يقول أعضاء في "تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن"، تحدثوا لموقع "الحرة".

وكشف تقرير هيومن رايتس ووتش أن الحوثيين يعمدون إلى التعتيم على عمليات الاعتقال، مشددة على أن ممارسات الحوثيين القمعية ترقى " إلى الاختفاء القسري".

نيكو جعفرنيا، باحثة اليمن والبحرين في هيومن رايتس ووتش، علقت على الوضع قائلة إن الحوثيين "يستخدمون الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري كأداة سياسية في وقت يفتقر فيه الأشخاص الذين يعيشون في أراضيهم حتى إلى أبسط الاحتياجات الأساسية". 

وشددت على أنه "يتعين على الحوثيين إطلاق سراح جميع هؤلاء الأشخاص فورا، حيث قضى كثير منهم حياتهم المهنية في العمل على تحسين بلادهم".

وتحدثت هيومن رايتس ووتش مع أشخاص مطلعين على هذه الاعتقالات، والذين عبروا عن خوفهم من الانتقام إذا كُشفت هوياتهم. 

كما راجعت المنظمة أيضا وثائق وفيديوهات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير إعلامية لتوثيق هذه الانتهاكات. 

وأكدت هذه المصادر أن قوات الحوثيين لم تقدم أي مذكرات توقيف، ورفضت إخبار العائلات بمكان احتجاز أحبائهم، ما يرقى إلى مستوى الاختفاء القسري.

جاءت هذه الاعتقالات في وقت يعاني فيه اليمن من أزمة إنسانية حادة، مع انتشار الجوع والعطش وتفشي الأمراض مثل الكوليرا. رغم ذلك، استمرت قوات الحوثيين في استهداف المدنيين واستخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات، ما أثار استياءً دوليا واسع النطاق.

"التهمة الجاهزة"

وجدت عائلات المعتقلين والمحتجزين نفسها في حالة من القلق والتساؤل، بينما تحاول فهم ما يجري خلف الكواليس، فالحوثيون يمنعونهم من الحصول على أي معلومات عن ذويهم المحتجزين.

ويقول أعضاء في "تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن" إن هذه الأحداث "لم تكن سوى فصل جديد في قصة الصراع الدامي في اليمن، حيث بات العمل الإنساني والمجتمع المدني هدفا في لعبة السياسة والتجسس".

ورغم أن فيديوهات "شبكة التجسس" أثارت سخرية كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نوه ناشطون إلى أن "تهمة التجسس جاهزة"، إلا أن الحوثيين استمروا في حملتهم لإقناع الجمهور بأن هؤلاء المعتقلين كانوا يعملون لصالح جهات أجنبية.

في هذه الأثناء، كانت عائلة عامر الأغبري تعاني من القلق والخوف على مصيره، وفق ما ما أفادت به رابطة أمهات المختطفين في اليمن، ومنظمة سام للحقوق والحريات.

ورغم محاولات هذه العائلات التواصل مع الأمم المتحدة للحصول على مساعدة في إطلاق سراحه، لم تحقق جهودهم كثيرا من النتائج، وفق ما نقل الحميدي عن نجل الأغبري الذي تحدث لمنظمة سام. 

ونقلت منظمة سام عن نجل الأغبري قوله إن العائلة سافرت إلى نيويورك وزارت مقر اليونيسف هناك للحصول على معلومات حول الإجراءات التي يمكن اتباعها لضمان الأفراج عن والدهم، "لكن دون جدوى".

لماذ الآن؟

يرى خبراء في "تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن" تحدثوا لموقع "الحرة" أن حملة الحوثيين بحق العاملين في المنظمات والبعثات الدولية، إلى جانب رواية الإعلام المزعومة عن كشف "شبكة تحسس أميركية إسرائيلية" هدفها "سياسي لتصفية الحسابات مع الدول الغربية".

ويقول مدير منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي، إنه وفي ظل تصاعد النزاع الاقتصادي بين الحكومة اليمنية المعترف بها والحوثيين، "أصبحت الحرب الاقتصادية بين الطرفين ساحة جديدة للصراع".

وخلال الأسابيع الأخيرة، صعدت الحكومة اليمنية المعترف بها من تحركاتها بتعليق عمل ستة بنوك رئيسية في صنعاء لعدم نقلها مقارها إلى عدن، كما أصدرت قرارات تطالب وكالات السفر وشركات الاتصالات بالانتقال إلى عدن، وأوقفت الرحلات من مطار صنعاء.

ووصفت وسائل إعلام حوثية هذا التصعيد بأنه "محاولة من الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية لمعاقبة الحوثيين على دعمهم للقضية الفلسطينية"، على الرغم من أن "هذه الادعاءات تفتقر إلى الدليل"، وفق ما يقول الحميدي لموقع "الحرة".

ويرى محللون أن الحوثيين يسعون من خلال هذه الاعتقالات لإجبار الولايات المتحدة وبريطانيا على وقف الغارات الجوية والعقوبات ضدهم.

ويهدف الحوثيون أيضا إلى ثني المنظمات الدولية عن نقل مقراتها إلى عدن، وهو مطلب الحكومة اليمنية المعترف بها، والتي كثفت من جهودها في النصف الأول من العام الحالي لفرض هذا الانتقال، كما يعتقد ممثلون عن "تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن".

وكان مسؤول في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قد أشار إلى أن حملة الاعتقالات هي "شكل من أشكال الضغط على وكالات الأمم المتحدة لوقف أي نية للانتقال من صنعاء إلى عدن". 

اختفاء الأغبري.. وورقة الشيك 

بعد نشر فيديو الاعترافات المثير للجدل، خرجت عائلات المعتقلين لتفند ادعاءات الحوثيين. وينقل الحميدي عن عائلة عامر الأغبري (60 عاما) أن والدهم "كرس حياته للعمل الإنساني، فوجد نفسه فجأة في مواجهة مباشرة مع قوى الظلم،. في إشارة إلى الحوثيين.

وتشير العائلة إلى أن الأغبري كان يعمل في منظمة اليونيسف والشراكة العالمية للتعليم في اليمن، وكان قبلها قد خدم موظفا في السفارة الأميركية.

ويقول الحميدي إن منظمته وثقت، بالتعاون مع رابطة أمهات المختطفين في اليمن، عن العائلة قولها إن "الخلاف بين عامر الأغبري وبين وزير التربية والتعليم الحوثي، يحيى الحوثي، كان وراء كل ما حدث".

ويوضح الحميدي لموقع "الحرة" التفاصيل التي تضمنتها شهادة العائلة بأن "عامر الأغبري كان يعمل على برنامج حيوي لاستيراد مختبرات العلوم وتوزيعها على 150 مدرسة في اليمن، وكان بحوزته شيك بقيمة تزيد عن مليون دولار لهذا الغرض، وهو ما أثار طمع الوزير الحوثي".

"في ليلة 29 أكتوبر 2021، داهمت قوات الحوثيين منزل الأغبري، وصادرت الشيك واعتقلته"، وفق الحميدي، الذي قال إن "الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتدت يد الاعتقال لتشمل أحد أفراد أسرته المباشرين، الذي لا يزال محتجزا حتى اليوم". 

ويضيف الحميدي أن نجل الأغبري قال إنه " خلال مداهمة المنزل تمت مصادرة الشيك الخاص باليونيسف وقيمته مليون و80 ألف دولار، وكان المبلغ تمويلا لمشروع كان والده يعمل عليه، بالإضافة إلى مصادرة ثلاث سيارات وأوراق شخصية ومهنية تخص الأغبري".

وينقل الحميدي عن نجل الأغبري قوله إن العائلة تواصلت مع مديرة المشروع الذي كان يعمل فيه الأغبري في اليمن، إلا أن "الرد كان مقتضبا وغير كاف، حيث أكدت اليونيسف أنها تتابع القضية مع السلطات منذ البداية من دون الحصول على معلومات إضافية".

الحوثيون يسيطرون على صنعاء وأجراء أخرى من البلاد وسجلت منظمات حقوقية انتهاكات خطيرة ارتكبتها هذه الجماعة ضد حقوق الإنسان في اليمن

السقاف.. اعتقال بعد التقاعد

عبد القادر السقاف، الذي قضى سنوات طويلة متخصصا في الشؤون السياسية في السفارة الأميركية منذ عام 1998 حتى تقاعده في 2014، وجد نفسه فجأة في قلب دوامة الاتهامات والاعتقال. 

وفي 21 نوفمبر 2021، اعتقل بشكل مفاجئ، ومن دون أي تفسير، تاركا عائلته "في حالة من الذهول والحيرة"، وفق ما نقل الحميدي لموقع "الحرة".

تحركت عائلة السقاف بسرعة، متوجهة إلى وكالات حكومية مختلفة بحثا عن أي معلومات حول مكان احتجازه. لكن الردود كانت دائما نفسها: "لا نعرف من اعتقله، ولا نعرف مكانه".

ورغم إصرار الحوثيين على هذه الرواية، سمحت للعائلة بالتحدث معه عبر الهاتف في ست مناسبات، بل وزيارته مرتين، وفق الحميدي.

الغموض حول اعتقال السقاف استمر حتى ظهوره في فيديو "الاعتراف" في يونيو 2024. حتى ذلك الحين، لم تكن عائلته تعرف التهم الموجهة إليه. 

وفي تصريحات صحفية سابقة، دافع نجل السقاف بشدة عن والده، نافيا بشدة تهمة "التجسس"، قائلا إن "والدي عمل بصفة رسمية ومهام عمل عامة ورسمية في السفارة الأميركية. لم يكن متورطا في أي نشاط غير قانوني. والادعاءات التي تم بثها مضللة وكاذبة". 

وعلق نجل السقاف على ما كشفه الحوثيون من مزاعم حول "شبكة التجسس" بالقول إنه "وفقا لهذا المنطق، يعتبر أي موظف في أي سفارة جاسوسا، وأي خطابات توصية أو شهادات حسن أداء تشكل اتهاما".

"وعانت عائلة السقاف من نفس المصير المرير الذي واجهته عائلة الأغبري. ورغم أن السقاف قد تقاعد منذ سنوات، ترك زجه في شبكة التجسس المزعومة عائلته في حالة من الصدمة والارتباك"، وفق ما يقول الحميدي لموقع "الحرة".

أثارت حملة الاعتقالات التي ينفذها الحوثيون بحق العاملين في المنظمات الدولية والمحلية الحقوقية استنكارا وإدانات

وجاءت أحداث حملة الاعتقالات الأخيرة وبث اعترافات الموظفين في خضم تصعيد متبادل بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، إذ يسعى كل طرف للضغط على الآخر لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وفق خبراء عاملين في المجال الحقوقي والإنساني في اليمن. 

ومع استمرار الاعتقالات والتصعيد، "أصبحت حياة العاملين في المجال الإنساني في اليمن أكثر تعقيدا وخطورة"، يقول الحميدي.

مطالبات

ودفعت حملة الاعتقالات الأخيرة منظمات دولية ومحلية إلى استنكار استهداف العاملين في المنظمات لحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني. 

وقالت أمة السلام الحاج، مديرة رابطة أمهات المختطفين في اليمن إن منظمتها وبالتنسيق مع "تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن" أصدرت بيانات تطالب الحوثيين بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الذين تم احتجازهم مؤخرا.

وأكدت الحاج أن المنظمات المنضوية في التحالف أكدت على ضرورة امتناع الحوثيين عن تنفيذ "الاعتقالات التعسفية للمدنيين، تماشيا مع طلب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانز غروندبرغ". 

وأكد الحميدي في حديثه لموقع "الحرة" على ضرورة "وقف حملة التحريض ضد العمل الإنساني ونشاطات المنظمات غير الحكومية، وعدم مساواتها بالتجسس، كما يظهر في التغطية الإعلامية والتصريحات العامة للمسؤولين الحوثيين".

وطالب الحميدي والحاج وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية التي تأثرت باعتقالات الموظفين اليمنيين الأخيرة والسابقة "باتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لتسهيل إطلاق سراح المحتجزين". 

وأكدا أهمية أن "يكون هناك تواصل منتظم وشفاف مع عائلات المحتجزين لتزويدهم بتحديثات حول التطورات، وجهود المنظمات لتأمين الإفراج عنهم". 

وأكد الحميدي أن"عائلات المحتجزين اشتكت مرارا من نقص التواصل أو غيابه مع وكالات الأمم المتحدة بشأن أوضاع أحبائهم المحتجزين".

وفي نداء "إنساني عاجل"، وجهت منظمة سام للحقوق والحريات ورابطة أمهات المختطفين نداء إلى جميع المفاوضين في سلطنة عمان، يطالب بـ "العمل الجاد والمسؤولية الوطنية والإنسانية للإفراج عن كافة المختطفين والمحتجزين، وعلى رأسهم السياسيون البارزون، محمد قحطان ومصطفى المتوكل، دون أي قيد أو شرط".

وأكدت المنظمتان في ندائهما أن هذا الملف "يجب أن يعامل كقضية إنسانية بحتة، بعيدا عن أي حسابات سياسية، وذلك وفقا للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي تنص على الحق في معرفة الحقيقة بشأن مصير المختفين قسرا".

ودعا البيان إلى "الكشف الفوري عن مصير هؤلاء الأشخاص، وإعطائهم وأسرهم الأمل في مستقبل أفضل".

والحوثيون المدعومون من إيران يسيطرون على جزء كبير من اليمن الذي يشهد حربا منذ استيلائهم على العاصمة صنعاء في العام 2014.

وأدى النزاع في اليمن، أفقر دولة في شبه الجزيرة العربية، إلى واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في العالم، خففت الهدنة من وطأتها إلى حد ما وفق منظمات إنسانية.

وبحسب الأمم المتحدة، خلفت الحرب مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين فيما يعاني جزء كبير من السكان وضعا قريبا من المجاعة، وهو ما يتطلب عمل المنظمات الحقوقية والإغاثية المحلية والدولية بحرية ومن دون مضايقات الحوثيين.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحاكم المتورطون في "الدكة العشائرية" وفق قانون الإرهاب العراقي
تسعى وزارة الداخلية العراقية إلى ضبط السلاح المتفلت- تعبيرية

يسعى العراق إلى حلّ مشكلة السلاح المتفلّت بين أيدي المواطنين، خصوصاً  المتوسط والثقيل منه، الذي يجب ألا يكون في متناول المدنيين، بحسب وزارة الداخلية العراقية.

وحددت الوزارة ثلاثة خيارات أمام مالكي السلاح: إما تسجيل السلاح الخفيف وترخيصه بطريقة قانونية عبر الآليات المعتمدة، وإما بيع المتوسط إلى الدولة بأسعار تحددها الوزارة، وفي حالة السلاح الثقيل، يجب تسليمه إلى الدولة تحت طائلة عقوبات تصل إلى السجن المؤبّد.

وتم تخصيص ميزانية بقيمة مليار دينار (حوالي 750 ألف دولار) لكل محافظة عراقية، من أجل شراء الأسلحة المتوسطة من المواطنين. كما أنشأت الوزارة، وفق بيان صادر عن المتحدث باسم لجنة تنظيم وحصر السلاح بيد الدولة في الوزارة العميد زياد القيسي، "بنك معلومات" عن الأسلحة المتواجدة مع العراقيين، وبدأت عملية تسجيل الأسلحة الخفيفة التي يمتلكها المواطنون.

تشمل الأسلحة الخفيفة المسدسات بأنواعها وكذلك البنادق من نوع "كلاشنكوف" وما يوازيها من بنادق آلية، في حين تشمل الأسلحة المتوسطة الرشاشات من أنواع "بي كيه سي" (وهي رشاشات ضخمة الحجم) وما يوازيها في الحجم والقوة النارية، بالإضافة إلى القنابل اليدوية. أما الأسلحة الثقيلة فتشمل مدافع الهاون والقاذفات من نوع "آر بي جي".

يقول الخبير العسكري صفاء الأعسم، إن الأسلحة المتوسطة والثقيلة "لا يسمح لها قانوناً بالوصول إلى أيدي المواطنين، وهي أصلا لا تُباع للمواطنين، ولا يوجد شركات تسمح ببيع هذا النوع من الأسلحة المتوسطة أو الثقيلة إلى مواطنين عاديين".

بالتالي، فإن عمليات شراء هذه الأسلحة "تجري عبر اتفاقات وصفقات مع الدول والجيوش النظامية"، بحسب الأعسم، الذي يستهجن وجودها في أيدي المواطنين العراقيين وفي الأماكن السكنية.

يقول لـ"ارفع صوتك": "وصل الأمر ببعض العشائر والأحزاب أن يكون السلاح الذي بحوزتها أقوى من مستوى سلاح السلطات الأمنية في المحافظات. وهذا يؤشر إلى أنها قادرة على إسقاط محافظة على المستوى الأمني. يجب أن ينتهي هذا الأمر في العراق".

ويلفت الأعسم إلى أن "الكثير من الجهات والفصائل المسلحة حصلت على سلاح متوسط وثقيل عبر التهريب من السوق السوداء، أو عبر دعم بعض الدول لها".

"وهذا الموضوع يجب أن ينتهي لأنه أصبح مصدر قلق للعراقيين، بدليل وجود جهات تتجاوز على أمن العراق، مما أثر على أمن البلد والمواطنين"، يتابع الأعسم.

دمج قوات الحشد الشعبي في قوات الأمن العراقية
أصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مرسوما يحدد ضوابط تكييف أوضاع مقاتلي الحشد الشعبي ويقضي بدمجهم في قوات الأمن العراقية.

وبموجب المرسوم سيحصل المنتسبون إلى الحشد الشعبي الذي يتكون من فصائل شيعية مسلحة، على الكثير من الميزات المخصصة لأفراد الجيش بما في ذلك الرواتب وقوانين الخدمة العسكرية.

ليس هناك إحصاءات رسمية لأعداد الأسلحة غير المرخصة في العراق، لكن التقديرات تشير إلى وجود (7- 10) ملايين قطعة سلاح غير مرخصة، خفيفة ومتوسطة وثقيلة، بين أيدي المواطنين.

ولطالما حاولت الأجهزة الأمنية العراقية جمع السلاح المتفلت وضبطه إلا أنها باءت بالفشل وظلّ العراق يشهد مظاهر مسلحّة واشتباكات عنيفة، إما لتصفية حسابات سياسية أو خلال الدكّات العشائرية.

وزارة الداخلية أعطت هذه المرّة مهلة للمواطنين الذين يملكون أسلحة خفيفة أو متوسطة أو ثقيلة حتى نهاية العام الحالي 2024، لترخيصها وتسجيلها في حالة السلاح الخفيف، أو بيعها إلى الدولة في حالة المتوسط، أو تسليمها في حالة الثقيل.  

يشكّك الأعسم في قدرة الوزارة على تحقيق هدفها وإيجاد حل لمعضلة السلاح المتفلّت، معللاً "لأن الأموال المرصودة للمحافظات لشراء هذه الأسلحة من المواطنين قليلة جداً مقارنة بكمية السلاح المنتشر، خصوصاً في المحافظات الجنوبية".

ويتحدث عن امتلاك بعض العشائر مدافع وقذائف "هاون"، وأحزاب تمتلك مستودعات أسلحة، الأمر الذي "يُعقّد إمكانية حلّ المسألة عبر الحملات الأمنية" وفق تعبيره.

أما الحل برأي الأعسم "فيجب أن يكون سياسياً وليس عسكرياً أو أمنياً" لأنه لا يتعلق فقط بالأسلحة الخفيفة بأيدي المواطنين كالمسدسات أو البندقيات الرشاشة.

يوضح "نحن إزاء موضوع أكثر تعقيداً يشمل أسلحة بعيدة المدى ومدفعية وهاونات وقاذفات، وهذه الأسلحة لا تتواجد بأيدي المواطنين إلا بغطاء حزبي أو عشائري، ولا مجال لجمعها إلا برفع هذا الغطاء".