اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
صورة تعبيرية لأيقونات مواقع التواصل حيث تتم ملاحقة ما تسميه الداخلية العراقية "المحتوى الهابط"

في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

نتائج الحملة في الشهر الأول من انطلاقها كانت تلقي آلاف الشكاوى عبر منصة "بلغ" التي خصصتها وزارة الداخلية للتبليغ عن "المحتوى الهابط"، وخلال المدة ذاتها أصدر القضاء العراقي أحكاما بالسجن بين عامين وستة أشهر، نقضت من قبل محكمة التمييز وخففت العقوبة إلى ثلاثة أو أربعة أشهر.

 شملت المجموعة الأولى بحسب تصريح صحافي للقاضي المتخصص بقضايا النشر والإعلام عامر حسن "14 متهماً بالمحتوى الهابط، ستة منهم صدرت في حقهم أحكام بالسجن، فيما لا تزال ثماني دعاوى قيد التحقيق".

لاحقا أطلق سراح عدد منهم بعضهم نتيجة ضغط شعبي لأن محتواهما لم يعتبره الجمهور هابطاً، منهم عبود سكيبة الذي يقدم فقرات ساخرة باللغة الإنجليزية، وممثل شاب يقوم بتأدية دور امرأة (مديحة) في مقاطع كوميدية.

صورة لـ"أم فهد" ملتقطة من فيديو حفلة عيد ميلاد- قناة زهير العطواني على يوتيوب
بذريعة "المحتوى الهابط".. استمرار الاعتقالات بحق "مؤثرين" في العراق
تستمر حملة وزارة الداخلية والقضاء العراقيين ضد "المحتوى الهابط" وفق تعريف السلطات المحلية للمحتوى الذي ينتجه بعض المؤثرين العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي والتي أدت حتى الآن إلى اعتقال عدد منهم والحكم بسجن آخرين.

 وبعد تعبير جماعات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني عن قلقها من الحملة، ظهر رئيس خلية الإعلام الأمني في وزارة الداخلية سعد معن على شاشات التلفاز والصحف مطمئناً أن "المسألة ليست لها علاقة أبداً بحرية التعبير وأن هؤلاء النفر لا يمثلون العراق ولا المرأة العراقية ولا المجتمع العراقي"، وفق تعبيره.

ودعا أصحاب "المحتوى الهابط" إلى "إبداء حسن النية ومسح كل محتواهما السيّىء".

 المفارقة في القضية أن معن نفسه أحيل إلى الإمرة مع عدد من منتسبي وزارتي الداخلية والدفاع بعد تورطهم في شبكة متخصصة بابتزاز مالي وجنسي للضباط والمنتسبين ومساومتهم، ولم يُعلَن حتى الآن عن العقوبات المتخذة بشأنهم.

فريق "ارفع صوتك" حاول التواصل مع المتحدثين الرسميين وإعلام وزارة الداخلية ومجلس القضاء الأعلى للحصول على أبرز النتائج التي حققتها حملة "بلغ"، إلا أن الجهتين لم تستجيبا للطلبات.

أما آخر إحصائية، فنقلها القاضي عامر حسن في تصريح لوكالة الأنباء العراقية الرسمية قبل شهر حين قال إن المحكمة تعاملت مع نحو 30 ملفاً خاصاً بـ"المحتوى الهابط".

 

آلية "خطرة" للتبليغ

 في بحث بعنوان "علاج المشكلة بالأزمة: المحتوى الهابط في وسائل التواصل الاجتماعي في العراق بين المجتمع والقانون"، كتب صاحبه حيدر عبد المرشد: "في مجتمع يشهد تناقضات شديدة مثل المجتمع العراقي، فإن آلية التبليغ بحد ذاتها تنطوي على خطورة كبيرة تمكن مجموعة ثقافية أو جماعة دينية منظمة بصورة جيدة، من قيادة حملة تبليغات لوصف محتوى ما بأنه هابط وفقاً لمنظومتها الثقافية الفرعية".

وهذا "سيصطدم بالحريات التي كفلها الدستور من جانب، وبواجب الدولة بحفظ النظام عبر أسس صحيحة غير خاضعة للشعبويات، ولا تنساق خلف آراء مجموعة على حساب مجموعة أخرى، مع ضرورة حفظ المنظومة الأخلاقية العامة المتعاهد عليها والتي انبثق عنها الدستور في الوقت نفسه"، بحسب عبد المرشد.

من جانب آخر يتناول البحث ارتفاع مستوى عدد المشاهدات لمن وصف محتواهما بالهابط، ما يعني أن هناك "قبولاً اجتماعياً لهم بغض النظر عن أن هذا المحتوى وداعميه واعون أو غير واعين".

والمشكلة كما يقول الباحث "لن تتعلق بشخص أنتج محتوى هابط إنما بخلل اجتماعي أوسع لا بد من تداركه على المستوى العام، ما يعني أن المطلوب هو علاج المشكلة وليس آثارها كما هو حاصل في الحملة موضع الجدل".

وانتقد البحث عدم امتلاك العراق قانوناً للجرائم المعلوماتية، مبيناً أن مسودة القانون "تتعرض للشد والجذب والجدال منذ سنوات وقدمت نسخ مختلفة منها. وفي كل مرة تعدل من قبل البرلمان تظهر حملة مناهضة للقانون".

السبب في تلك الحملات المناهضة كون المسودة تتضمن "نصوصاً ملغومة يمكن أن تقيد الحريات العامة وحرية إبداء الرأي في القضايا السياسية ونقد الحكومة والسياسيات العامة، وتعوق آليات الرقابة على الأداء الحكومي" بحسب البحث.

صورة أرشيفية لعنصر أمن عراقي
تغريدة "المحتوى الهابط" لوزارة الداخلية العراقية تثير الجدل
قرار وزارة الداخلية العراقية الأخير بتشكيل لجنة لـ "متابعة المحتوى الهابط" على مواقع التواصل الاجتماعي و"تقديم صانعيها للعدالة"، أثار كثيرا من الجدل في البلاد بين المؤيدين لـ"محاسبة منتجي المحتوى المسيء" وبين القلقين على حرية التعبير ومن يعتقدون أن وزارة الداخلية "غير مؤهلة" للحكم على المحتوى المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

تسجيل خروقات

رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان علي العبادي يقول لـ"ارفع صوتك" إن هناك جانبين لحملة وزارة الداخلية ضد "المحتوى الهابط"، أولهما "إيجابي" كونه وضع رقابة على ما يقدم في مواقع التواصل، وثانيهما "يتعلق بإمكانية التأثير على حرية التعبير المكفولة ضمن الدستور العراقي".

ويرى أن اللجنة من الناحية الإدارية "لا بأس بها"، مشيراً في الوقت نفسه إلى "وقوعها في إخفاقات معينة لعدم تشريع قانون يتناسب مع التطور الحاصل في المجتمع. فالوزارة اعتمدت على قانون قديم أقر قبل أكثر من خمسين عاماً، كما أن بعض فقرات القانون تعود إلى مجلس قيادة الثورة المنحل".

وتعتمد وزارة الداخلية ومجلس القضاء الأعلى في حملة مكافحة "المحتوى الهابط" على القانون (رقم 111 لسنة 1969) مع الاعتماد على المادة (403) منه، التي تنص على أن يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن مئتي دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من صنع أو استورد أو صدر أو حاز أو أحرز أو نقل بقصد الاستغلال أو التوزيع كتاباً أو مطبوعات أو كتابات أخرى أو رسوماً أو صوراً أو أفلاماً أو رموزاً أو غير ذلك من الأشياء إذا كانت مخلة بالحياء أو الآداب العامة".

 هذا الأمر كما يشرح العبادي يثير علامات استغراب عديدة "حيث يُفترض على اللجنة أن تسعى لتشريع مواد تلائم حقوق الإنسان، كما أننا بحاجة إلى تنظيم قوانين تتناسب مع المرحلة والأخذ بنظر الاعتبار مسألة اختلاف الأجيال. فما كان يعتبر في زمن سابق غير لائق قد لا يكون إشكاليا في الوقت الحالي".

 ويضيف أن بعض فقرات القانون المعمول به "لا تتناسب مع فقرات الدستور الذي تم التصويت عليه عام 2005 ويصعب تغيير فقراته، عكس تلك المواد القانونية التي يمكن تغييرها داخل مجلس النواب والتصويت عليها".

ويخشى العبادي من عمليات "تسييس أو استهداف" محتملة ضد بعض أصحاب المحتوى إذا لم تتناسب مع توجهات أو أمزجة مَن في السلطة"، لافتاً إلى "رصد حالة في البصرة، حيث تقدم أكثر من شخص بشكوى ضد أحد الضباط بعد أن ألقى القبض عليهم، تحت ذريعة المحتوى الهابط، ما يؤشر وجود خرق واستغلال للحملة".

يتابع: "موضوع الرقابة يجب ألّا يترك للجنة في وزارة الداخلية، بل يجب إشراك وزارة الثقافة ونقابة الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني لفحص محتوى الشكاوى وتحقيق رقابة صحيحة على المحتوى الذي يتم نشره لعدم وجود جهة للرقابة عليها اسوة بوسائل الإعلام".

 

معايير

في السياق نفسه، ينتقد الصحافي والمحلل السياسي علي الحبيب حملة "المحتوى الهابط" من ناحية "قياس المعايير الأدبية والأخلاقية بمقاييس وضعت من قبل وزارة الداخلية في ظل عدم وجود نص قانوني واضح".

لهذا السبب، يقول الحبيب لـ"ارفع صوتك" إن الموضوع "تحول أحيانا إلى قضية تتعلق باستهداف وتصفيات أو إقصاء لشخصيات معينة ضمن الحملة".

ويرى أن "المحتوى الهابط" لا يتعلق فقط بمقاطع السخرية وغيرها "فلدينا محتوى هابط لشخصيات وجهات سياسية لم تطلها الحملة، وكان من المفترض أن يتم التوجه لها، منها التحريض الطائفي أو القتل".

يتابع "علينا ألا ننكر أن الكثير من هذه الشخصيات على مواقع التواصل تسيء للآداب العامة التي يذكرها القانون الذي تم الاستناد عليه. ولكن، لا يوجد تحديد لمفهوم الآداب العامة وأصبح من الأمور التي يتم الترصد بها للآخرين وهو أمر لم يوضح لا في القانون ولا في الدستور".

وفي معرض إجابته عن نتائج الحملة التي قادتها وزارة الداخلية، يبين: "هناك إيجابيات كثيرة، إلا أن السلبيات أكبر بكثير؛ فالحملة شملت فئة دون أخرى، وهناك فئات تنتقص من فئات اجتماعية عراقية أخرى وتثير الطائفية وتتحدث بألفاظ غير محترمة وغير مقبولة لم تطلها الحملة التي تم تطبيقها".

"كما كان الأجدر بالحملة أن تبدأ بأسلوب إصلاحي أولاً عوضاً عن الأسلوب العقابي الذي اتخذته، من خلال الاعتماد على خطوات عديدة قبل حكم السجن بحق المتهمين، كتوجيه إنذار عن المحتوى وتقديم دعم لتحسين نوعية ما يتم تقديمه، ثم إذا استمر الشخص يتم تغريمه وأن يكون السجن آخر الحلول"، يشرح الحبيب.

 هذه التدرجات التي تحدث عنها الصحافي العراقي، هدفها "إيجاد معايير حتى لا تخالف القانون من جهة، وفي الوقت ذاته لا تضع البلد في خانة الدكتاتورية" بحسب تعبيره.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.