رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.
رجل عربي من البدون في منطقة صحراوية غرب منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن هناك 10 ملايين شخص على الأقل بدون جنسية حول العالم. تبدو تلك المشكلة حاضرة بشكل لافت للنظر في منطقة الخليج العربي، حيث يعيش عشرات الآلاف من عديمي الجنسية/ البدون في كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر والعراق.

بشكل عام، تُطلق تسمية البدون على مجموعة من القبائل العربية البدوية التي عاشت في مناطق صحراوية على أطراف السعودية والكويت والعراق. وترجع أصول غالبيتهم إلى بادية الشام. بعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، لم يحصل هؤلاء على الجنسية لأسباب مختلفة، وبقيت مشكلتهم قائمة على مدار السنوات المتعاقبة.

 

الكويت

تعود أصول البدون في الكويت إلى بادية سوريا والأردن والعراق. وينتمون في الأساس إلى مجموعة من القبائل العربية الكبيرة مثل شمر وعنزة. بدأت مشكلتهم في خمسينيات القرن العشرين، عندما صدر قانون الجنسية الكويتي في سنة 1959م. والذي فرّق بين المواطنين الكويتيين الأصل والمنشأ، والوافدين القادمين من مناطق مجاورة.

بشكل عام، تمتع "البدون" بالمساواة مع المواطنين الكويتيين منذ سنة 1961م وحتى سنة 1991م. بعد الغزو العراقي للكويت، وجهت أصابع الاتهام للبدون العراقيين الأصل، وتم اتهامهم بالخيانة ومساندة نظام صدام حسين. بعد تحرير الكويت، تم عزل العديد من البدون، وفقدوا الكثير من المميزات الاجتماعية والاقتصادية. 

حالياً، تذكر البيانات الحكومية الرسمية إن 85 ألفاً على الأقل من البدون يعيشون في الكويت، لكن النشطاء يقولون إن العدد يزيد عن ذلك بكثير.

في سنة 2000م، ومع تفاقم أزمة البدون، أصدر مجلس الأمة الكويتي قانوناً ينص على تجنيس ألفي شخص من "البدون" سنوياً، ممن يقيمون في الكويت منذ 1965 على الأقل. لكن لم تُفلح تلك المحاولة في القضاء على الأزمة. اعتاد البدون الكويتيون على تنظيم المظاهرات المطالبة بالحصول على حقوقهم في الجنسية الكويتية من حين إلى آخر.

في السنوات الأخيرة، تصاعد زخم الاحتجاجات من جانب البدون الكويتيين بالتزامن مع دعمهم من قِبل العديد من النشطاء والمنظمات الحقوقية. في ديسمبر 2021م، تجمع نحو مئتي متظاهر في ساحة الإرادة مقابل مبنى مجلس الأمة الكويتي في وقفة احتجاجية سلمية دعماً لمطالب البدون. في مارس 2022م، أُعلن عن بدء إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بـ "الحقوق الإنسانية الأساسية" للبدون في الكويت. وأثار الإضراب موجة تعاطف واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في أغسطس 2023م، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن معاناة بدون الكويت.  جاء فيه إن الحكومة الكويتية تمارس التمييز ضد أطفال البدون "وذلك من خلال تقاعسها في توفير التعليم المجاني". وبيّن التقرير كيف أن الحكومة تُجبر أطفال البدون على دفع رسوم التعليم الخاص الذي يعدّه الآباء والأمهات والأطفال دون مستوى التعليم في المدارس الحكومية المجانية التي يلتحق بها المواطنون الكويتيون. في الشهر الماضي، سلطت الأضواء على قضية "البدون" في الكويت من جديد، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن "وقف جواز سفر رقم (17) "الخاص بالمقيمين بصورة غير قانونية" وهم عديمو الجنسية "البدون" باستثناء الحالات الإنسانية مثل العلاج والدراسة.

 

السعودية

تشكّل البدون في السعودية من القبائل البدوية التي عاشت حياة الترحال في شمال وجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الجاليات الإسلامية التي هاجرت من آسيا إلى شبه الجزيرة العربية في بدايات القرن العشرين، واستوطنت فيما بعد في غرب السعودية.

في سبعينيات القرن العشرين، أُتيحت الفرصة لإعطاء هؤلاء الجنسية السعودية. غير أن أغلب البدون تجاهلوا الأمر بسبب انشغالهم بالحياة البدوية، أو لعدم معرفتهم بفتح باب الحصول على الجنسية. تسبب ذلك في عدم حصول أبناء وأحفاد تلك الفئات على الجنسية السعودية حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، أشارت بعض التقارير الصحفية إلى المعاناة الشديدة التي يلاقيها البدون السعوديون في شتى مناحي الحياة، وخصوصاً فيما يخص المسكن، والاوضاع الاجتماعية، والتعليم، والزواج. في هذا السياق، بُذلت بعض المجهودات لحل مشكلتهم. ومن ذلك، صدور مرسوم ملكي في العام 2000م يقضي بمنح الجنسية لقبائل شمر وعنزة وبني خالد والأساعدة. وفي سنة 2012م، كشفت وزارة الداخلية عن خطة حكومية لقرب إصدار نظام لتجنيس البدون، الأمر الذي تحقق بشكل جزئي في سنة 2014م، عندما أصدرت المديرية العامة للجوازات السعودية بطاقات خاصة للبدون لتسهيل إجراءاتهم.

على الرغم من تلك المجهودات، لم تنته أزمة البدون السعوديين. في سنة 2015م، اعترفت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بأن إجراءات تصحيح وثائق البدون بطيئة جداً وأن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف. بعدها بسنتين، نشرت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تقريراً حول "الحرمان من الجنسية في السعودية"، خلص إلى أن "معاناة البدون في السعودية انطوت على العديد من التجاوزات والانتهاكات والتمييز العنصري".

الإمارات

تعود أصول العديد من البدون في الإمارات إلى مجتمعات البدو أو المهاجرين الذين سكنوا البلاد قبل تشكيل الدولة في سنة 1971م، ولم يجرِ تسجيلهم وقتها لنيل الجنسية. 

بشكل عام، يجد البدون الإماراتيون صعوبات عدة في استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وفي توثيق عقود الزواج والطلاق، كما أنه لا يحق لأبنائهم الالتحاق بالمدارس الحكومية.

في 2006م، كشفت وزارة الداخلية الإماراتية عن قرب حل قضية البدون. وفي سنة 2008م، عملت الإمارات على إيجاد حل بديل لأزمة البدون الذين يعيشون على أراضيها. عقدت إمارة أبوظبي اتفاقاً مع دولة جزر القمر الواقعة شرقي أفريقيا. بموجب هذا الاتفاق قامت الحكومة الإمارتية بشراء وثائق هوية وجوازات سفر للبدون، ووزعتها عليهم. مع إعطائهم الحق في الإقامة على الأراضي الإمارتية، ووعدهم بمنح العديد من التسهيلات والامتيازات. ذكرت بعض التقارير الصحفية أن جواز السفر القمري الواحد بلغت كلفته 4 آلاف يورو، وأن الحكومة الإمارتية دفعت ما لا يقل عن 200 مليون يورو كتكلفة إجمالية.

 

قطر

تختلف مشكلة البدون في قطر عنها في باقي الدول الخليجية. تعود تلك المشكلة إلى سنة 1995م، عندما تمت الإطاحة بأمير قطر آنذاك، خليفة بن حمد آل ثاني، في انقلاب قام به نجله حمد بن خليفة آل ثاني. حاول خليفة بن حمد وقتها ان يسترد السلطة بمساعدة قبائل آل مرّة. فشلت المحاولة، وتحمل الطرف الخاسر ضريبة الهزيمة. في سنة 2005م جرّدت الحكومة القطرية الآلاف من أبناء قبائل آل مرّة، من جنسياتهم، وأصبح وضعهم القانوني مشابهاً لأوضاع البدون في السعودية والكويت والإمارات.

منذ ذلك الوقت، حُرم العديد من آل مرّة من الحصول على الوظائف، ومن تلقي الرعاية الصحية المجانية، كما فُرضت الكثير من القيود على التعليم والزواج وفتح الحسابات المصرفية. في أغسطس 2021م، زادت معاناة آل مرّة بعدما أقرت الدوحة قانون الانتخابات البرلمانية الجديد. بموجبه حُرم الآلاف من آل مرة من الاقتراع أو الترشح. بعدما اقتصر حق المشاركة في الانتخابات على القطريين "الأصليين" فحسب.

أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
من النظام الملّي إلى "الخط الهمايوني".. كيف عاشت الأقليات المسيحية تحت الحكم العثماني؟
اتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين الرعايا المسيحيين هادئة دائماً، خاصة تحت حكم الدولة العثمانية.

العراق

تختلف مشكلة معدومي الجنسية في العراق عنها في منطقة الخليج. يُعدّ الأكراد الفيليون الذين قدموا إلى العراق من بعض أنحاء إيران في القرن السادس عشر الميلادي أبرز النماذج المعبرة عن تلك المشكلة.

خلال الحرب الصفوية- العثمانية، نزحت عوائل الكثير من الجند الفيليين -الذين كانوا يحاربون في صف الصفويين- إلى العراق في صورة هجرات بشرية متتابعة. استقرت تلك العوائل في العراق رغم استعادة العثمانيين السيطرة على المنطقة. وهكذا صار الفيلييون متواجدين بشكل كثيف في غربي إيران وشرقي العراق. 

عند تأسيس المملكة العراقية في عام 1921م وبموجب اتفاقية تخطيط الحدود العراقية - الإيرانية تم إلحاق مناطق واسعة من الأراضي الكردية الفيلية بالعراق، ليصبح الفيلييون عندها إحدى المكونات البشرية المهمة في التكوين الفسيفسائي للشعب العراقي. تمركز الفيلييون بشكل رئيس في خانقين، وجلولاء، وبعقوبة، والكوت، والكميت. هذا إلى جانب تواجد بعض تجمعاتهم في كل من بغداد، والسليمانية، وأربيل، وكركوك، والكوفة، والنجف، وكربلاء، والبصرة.

بدأت محنة الأكراد الفيلين في العراق في النصف الأول من القرن الماضي. فرّق قانون الجنسية العراقي بين المواطنين الذين يعودون إلى أصول إيرانية والمواطنين الذين يعودون إلى أصول عثمانية. بموجب هذا القانون أصبح الفيلييون مواطنين من الدرجة الثانية. وتم البدء في تهجيرهم إبان حكومتي رشيد الكيلاني ونوري السعيد. 

تصاعدت وتيرة التهجير في حكومتي عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر. ووصلت تلك الوتيرة إلى ذروتها في زمن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الفترة الواقعة بين سنتي 1970 و2003م. 

في سنة 1980م -وبالتزامن من اندلاع حرب الخليج الأولى ضد إيران- أصدر صدام حسين القرار رقم (666)، والذي نص على "إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة وتخويل وزير الداخلية صلاحية إبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية ما لم يقتنع بناءً على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية". 

بموجب هذا القانون جُرد الفيلييون من الجنسية العراقية وتمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم ووجهت لهم اتهامات بالخيانة والعمالة لإيران.

بحسب بعض المصادر الفيلية، وصل عدد المهجرين في تلك الفترة إلى ما يقرب من 600 ألف فيلي، وتم إرسالهم إلى الحدود مع إيران. رغم مرور عشرات الأعوام على وقوع تلك الحوادث المؤسفة، لا يزال الآلاف من الفيليين المُهجّرين يعيشون في أوضاع معيشية سيئة في الأماكن التي خصصتها لهم الحكومة الإيرانية في مخيّمي ازنا وجهرم في لرستان الواقعة في غربي إيران. لم تُحل مشكلة هؤلاء اللاجئين المُهجرين حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".