من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

جدلٌ كبير يعيشه العراق في الأيام الأخيرة بسبب مناقشة البرلمان حزمة تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية (رقم 188 لسنة 1959)، الذي صدر خلال عهد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، لصالح تنظيم الشؤون الأسرية لجميع العراقيين دون تصنيف طائفي.

وينصُّ القانون المعمول به حالياً أن أهلية الزواج تتطلب أن يكون السن 18 عاماً، لكن 15 عاماً تكون مقبولة أيضاً في حال توافر "البلوغ الشرعي والقابلية البدنية" بشرط الحصول على إذن قضائي مسبق.

يتخوّف معارضو التعديلات من أن تؤدي إلى تخفيض سن زواج النساء أكثر ويُحرمهن من المكتسبات التي حظين بها في ظِل القانون الحالي الذي لطالما نُظر له كأحد أكثر قوانين الأحوال الشخصية العربية تقدماً عند إقراره.

في هذا التقرير، نتعرف إلى أبرز ما يخص السن القانوني للزواج في مختلف الدول العربية.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

مصر: 18 عاماً

في عام 2008 صدر القانون (رقم 126) الذي عدّل بعض أحكام قانون الطفل الصادر 1996 واعتبر كل مَن هم دون 18 عاماً، أطفالاً لا يحقُّ لهم الزواج بأمر القانون.

بموجبه، أُجري تعديل على القانون (143 لسنة 1994) بشأن الأحوال المدنية، وأضيفت له المادة (31 مكرر) التي نصَّت: "لا يجوز مباشرة عقد الزواج أو المصادقة على زواج ما لم يكن سن الزوجين ثماني عشرة سنة وقت العقد".

كما أقرّ القانون عقوبة تأديبية بحقّ من يوثّق عقد زواج بالمخالفة لهذه المادة.

في 2014 أُقر الدستور الجديد، واعتبرت المادة (80) منه، أن كل "مَن لم يبلغ الـ18 من عُمره" يعدُّ طفلاً تلتزم الدولة برعايته وحمايته من الاستغلال الجنسي"، ليُرسّخ التعديل الوضع القانوني الذي لا يسمح لمَن هم دون 18 عاماً بالزواج، سواءً كانوا من الذكور أو الإناث دون استثناء.

وفي منتصف العام الماضي شهدت جلسات "الحوار الوطني" التي تلتقي فيها عدة قوى سياسية مختلفة للتباحث بشأن عدة ملفات اجتماعية، مطالبات برفع سِن الزواج إلى 21 عاماً، وهو ما بقي في حيّز النقاش ولم يتحوّل إلى واقع قانوني حتى اللحظة.

الأردن: قد تصل إلى 16 عاماً

بموجب القانون (رقم 15 لسنة 2019) فإن "أهلية الزواج" تبدأ من عُمر 18 سنة لكلا الطرفين، حسبما نصّت المادة (10) منه.

مع ذلك، فإن نفس المادة سمحت بالزواج للذكر أو الأنثى في سن الـ16 بشرط "توفر الرضا والاختيار" والحصول على إذن من "قاضي القضاة" إذا رأى أن في هذا الزواج "ضرورة تقتضيها المصلحة".

بجانب هذه المادة فإن القانون الأردن نصَّ على مادة فريدة في قوانين العقوبات بالبلاد العربية وهي عدم السماح بإقرار الزواج إذا زاد فارق العُمر بين الرجل والمرأة عن 20 عاماً إلا بعرض الأمر على قاضٍ يتحقق من المرأة مباشرة برغبتها في عقد هذه الزيجة.

سوريا: 18 عاماً ولكن

تنصُّ المادة (16) من التعديلات التي أجريت عام 2019 على قانون الأحوال الشخصية السوري (59 الصادر عام 1953) -مناطق النظام- على أن "أهلية الزواج تكمل في الفتى والفتاة ببلوغ الثامنة عشرة من العمر".

رفع هذا التعديل سن تزويج الفتيات من 17 سنة بحسب القانون القديم إلى 18 سنة.

رغم وجود هذه المادة، اعتبرت المحامية المتخصصة في الدفاع عن حقوق النساء دعد موسى في بحثها "قوانين الأحوال الشخصية في سوريا"، أن جميع قوانين الأحوال الشخصية في سوريا "أباحت زواج الأطفال".

سبب ذلك، بحسب موسى "ثغرة في القانون سمحت بتزويج المراهقين أقل من السن القانوني إذا ادّعوا البلوغ وتبيّن أن جسدهم يحتمل تجربة الزواج، يُمكنه الإقدام عليها بشرط موافقة ولي الأمر".

تتجلّى هذه الثغرة في المادة (18) التي نصّت على أنه يُمكن للمراهق دون سن 18 عاماً الزواج وهو في سن 15 -للذكور أو الإناث- إذا "ادّعى البلوغ" عبر تقديم طلب يفحصه قاضٍ ويأذن بالزواج إذ تبين له "صِدق الدعوى واحتمال الجسم".

هذه المادة شهدت رفع سن "التزويج المشروط" الخاص بالفتيات من 13 عاماً بحسب قانون (عام 1953) إلى 15 عاماً وفق التعديل الأخير.

تعلّق دعيد، أن "وجود مثل هذه المواد القانونية يُعطي الفرصة لتزويج الفتيات الصغيرات من قِبَل الأولياء".

المغرب: إذا وافق القاضي

منذ عام 1958 خضع المغاربة لقانون الأحوال الشخصية التي سمح للرجال بتعدد الزوجات دون اشتراط موافقة الزوجة الحالية، وقيّد من حق المرأة للطلاق، كما نصَّ على أن الحد الأدنى لسن زواج النساء 15 عاماً.

في 2004 تبنّت المملكة حزمة تعديلات على هذا القانون بحيث رفعت سن زواج النساء من 15 إلى 18 عاماً.

رغم ذلك، فإن المادة (20) من القانون سمحت بزواج الفتى أو الفتاة "دون سن الأهلية" دون اشتراط حد أدنى مثل المنصوص عليه في قوانين عربية أخرى.

ونصّت المادة (21) على أن "زواج القاصر لا يُعتد به إلا بناءً على موافقة واضحة من نائبه الشرعي، وحال عدم موافقته فإن قاضي محكمة الأسرة الذي ستُعرض عليه حيثيات هذه الزيجة سيكون له الحق في إقرارها من عدمه".

الكويت: 15 عاماً

عام 1984 أقرّت الكويت قانون الأحوال الشخصية الذي خضع للتعديل ثلاث مرات في السنوات: 1996 و2004 و2007.

لم تغيّر هذه التعديلات من سن الزواج الذي حدّدته المادة (26) من القانون بـ15 عاماً للفتاة و17 عاماً للذكر. فيما نصّت المادة (36) على حق المرأة في الاقتران بمَن "يُناسبها في السن" دون أن تُقرّ لذلك ترتيبات ومعايير واضحة.

تعارضت المادة (26 )مع قانون 2015 الذي عرّف الطفل بأنه كل "مَن لم يتجاوز عُمره 18 عاماً"، بالتالي فإنه وفقاً لهذه المادة فإن قانون الأحوال الشخصية الكويتي يسمح بتزويج الأطفال بحسب تعريف قانون الطفل الكويتي أيضاً، ما يخلق إشكالية قانونية لم تُحل حتى الآن.

قطر: غير محدد

نصّت المادة 17 من القانون (22 لسنة 2006) من قانون الأحوال الشخصية على أن العُمر اللازم لقبول توثيق عقد الزواج هو إتمام الذكر 18 عاماً والأنثى 16 عاماً.

المادة ذاتها أكدت أنه يُمكن غضُّ النظر عن هذه الأعمار والسماح بالزواج لمَن هم أقل من ذلك بشكلٍ مفتوح لم يُحدد له حد أدنى حال توافر 3 شروط، هي: موافقة الولي، رضاء طرفي العقد، إذن من القاضي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من احتجاجات تشرين تظهر فيها لافتة للمغيّب العراقي سجاد ولغاية الآن مصيره مجهول
صورة تعبيرية من احتجاجات تشرين تظهر فيها لافتة للمغيّب العراقي سجاد ولغاية الآن مصيره مجهول

حتى بعد نحو عشرين عاماً على اختفائه، لا يزال هيلان عيدان يتذكر تفاصيل "اليوم المشؤوم" وفق تعبيره، حين اختفى شقيقه خلال الحرب الطائفية (2006-2007) التي اشتعلت في مناطق واسعة من العراق. 

"كأنهم أخذوه للتو" يقول هيلان باكياً وهو يروي قصة اختفاء جبار لـ"ارفع صوتك": "قبل سنتين فقط توفيت والدتي، التي أمضت كل تلك المدة في حال من القهر والبحث المستمر عن ابنها الذي لم تعرف مصيره حتى آخر يوم من حياتها". 

تشبه قصة جبار عيدان قصص مئات الرجال الذين اختفوا خلال الحرب الطائفية، عامل بسيط وأب لستة أطفال يبحث عن قوت عائلته عبر شراء الخضار من مزارع منطقة التاجي ليبيعها في الأسواق المحلية. 

"اتصل بنا أحد الخاطفين من هاتف شقيقي، وأبلغنا أن أخي بحوزتهم وهو في أمان وأنهم سيطلقونه مقابل خمسين ألف دولار. تمكنّا عبر العشيرة من جمع ثلاثين ألف دولار، لكن الخاطفين لم يعطونا دليلاً على حياته"، يبين هيلان.

طالبت العائلة الحديث مع ابنها المختطف دون جدوى، كما لم يتمكن الخاطفون من الإجابة عن أسئلتهم، يتابع هيلان "حينها عرفنا أننا نتعرض لعملية احتيال، وتأكد الخاطفون أننا لن نسلم المبلغ إلا بدليل، فتوقفوا عن التواصل معنا، وأغلقوا هاتفهم". 

وفقاً لتقرير نشره المرصد العراقي لحقوق الإنسان، فإن نحو 12 ألف عائلة عراقية أبلغت عن مفقودين بين عامي (2017 – 2023)، فيما تتحدث الأمم المتحدة عن أرقام تتراوح بين 250 ألفاً ومليون عراقي اختفوا بدءاً من عام 1968 بسبب النزاع والعنف السياسي.

حددت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري خمس موجات من الاختفاء مرت على العراقيين، بدأت في ستينيّات القرن الماضي بسبب النزاع والعنف السياسي، وأدت لاختفاء ما بين 250 ألفاً ومليون شخص في العراق، وقالت إنه من المستحيل تقديم أرقام أكثر دقة.

الموجة الأولى بحسب اللجنة بدأت بين الأعوام 1968 و2003 خلال حكم حزب البعث وحملة إبادة الأكراد. تلتها موجة أعقبت الغزو الأميركي عام 2003. الموجة الرابعة بين 2014 و2017، أي بعد سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من الأراضي العراقية.

أما الموجة الرابعة، فكانت خلال  العمليات العسكرية التي قامت بها قوات الحشد الشعبي لاستعادة المدن الرئيسة من داعش، فيما سجلت الموجة الخامسة خلال احتجاجات 2018-2020 التي جمعت أشخاصاً من جميع الخلفيات الدينية والعرقية.

شددت اللجنة الأممية شددت على أن الاختفاء القسري في العراق بكافة أنواعه ونطاقاته، يتطلب تدخلاً عاجلاً ومتضافراً من جانب الدولة والبلدان المجاورة لها والمجتمع الدولي بأجمعه.

كما دعت إلى اتخاذ تدابير تشريعية وقضائية لضمان اعتبار أي فرد تعرض لضرر كنتيجة مباشرة للاختفاء، ضحية، على النحو الرسمي، يحق له التمتع بالحقوق الواردة في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

مثل عائلة جبار عيدان تدور أم أحمد في فلك الاختفاء القسري لزوجها الصحافي توفيق التميمي منذ أكثر من أربعة أعوام "لم يبق باب إلا وطرقته لكن دون نتيجة" تقول لـ"ارفع صوتك". 

يعمل التميمي في جريدة "الصباح" الرسمية وكان كاتباً ومعداً للبرامج، كما أصدر عدة كتب عن تاريخ العراق الحديث. وحين بدأت "احتجاجات تشرين" 2019 كان واحداً من آلاف العراقيين المشاركين، وأحد المتواجدين ضمن خيام الاعتصام.

اختُطف التميمي كما تقول زوجته "دون أن يتلقى أي تهديد، وفي وضح النهار في مكان قريب جداً من منزله حين كان متوجها إلى مقر عمله بجريدة الصباح الرسمية".

 العملية تمت "عبر ملثمين بسيارات مظللة ودون أرقام، وهو ما تمكنت كاميرات المراقبة من رصده لكن دون معرفة هوية الأشخاص أو إلى أي جهة تم اقتياده" بحسب أم أحمد.

بعد اختطاف زوجها وغيابه دون أثر، تمكنت أم أحمد من التواصل مع عائلات المغيبين العراقيين. تقول إن جميع من التقت بهم "لديهم المعاناة والألم ذاته، وجميعنا نحمل الشعار ذاته وهو نريده حياً أو ميتاً. فالمصير المجهول أمر مرير جداً، وهو حالة من الألم والمعاناة المستمرة لا يشعر بها إلا من فقد أحد أفراد عائلته".  

من جانبها، تقول الأكاديمية والناشطة في حقوق الإنسان وجدان عبد الأمير، إن حالة الاختفاء القسري تسبب لعوائل الضحايا "مشاكل وأزمات نفسية، لأن الفقدان ليس كالموت، فهم لا يعلمون إن كان حياً يرزق أم قد مات حتى يقطعوا الأمل". 

فضلاً عن مشكلات اجتماعية، تضيف عبد الأمير لـ"ارفع صوتك": "فالزوجة لا تعلم إن كانت قد أصبحت أرملة أم لا، وما هو مصير أطفالها. كما تتعرض لصعوبات كبيرة بإعالة الأبناء، ولا تتمكن من التعامل مع الأوراق الرسمية والمعاملات الخاصة بهم، فلا يمكنها حتى استخراج بطاقات هوية لهم، وتتعرقل عمليات تسجيلهم في المدارس".

ولا يعتبر المفقود متوفياً إلا بعد مرور أربعة أعوام على اختفائه، بحسب عبد الأمير، مشيرة إلى أن ذوي المغيبين على موعد للتظاهر تحت نصب الحرية في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد لتسليط الضوء على معاناتهم والمطالبة بتشريع قانون التغييب القسري والسعي من خلاله إلى محاسبة مجرمي التغييب القسري، والكشف عن المفقودين والمغيبين قسرياً، فضلاً عن تعويض ذوي الضحايا بما يليق وكرامتهم الإنسانية، وتسهيل الإجراءات القانونية المتعلقة بهم.

وتعتبر عبد الأمير أن الاختفاء القسري "جريمة لا تسقط بالتقادم"، لذا  "ينبغي جبر الضرر وإنصاف الضحايا ولو بعد مرور سنوات". 

قانون الاختفاء القسري

يخلو قانون العقوبات العراقي من أي نص واضح وصريح يتعلق بالاختفاء القسري كما عرفته الاتفاقيات الدولية، وفق المحامي أنس الجبوري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن هناك أفعالاً تندرج تحت وصف الاختفاء القسري، كالخطف والاعتقال دون أوامر قضائية، بالإضافة لنصوص قانونية عدة تحاسب اعتقال أو تقييد حرية الأشخاص دون مذكرة قبض صادرة من جهة قضائية مختصة.

أما في ما يتعلق بإقرار قانون الاختفاء القسري، يوضح الجبوري، فإن "الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وصادق العراق عام 2010 عليها، ومن المفترض أن يلتزم بتشريع قانون تتطابق مواده مع هذه الاتفاقية".

والإجراءات التي اتخذها العراق في هذا الصدد لغاية اليوم، هي "قرار مجلس القضاء الأعلى عام 2019 بتشكيل هيئات تحقيقية في كل محافظة تعرض مواطنوها إلى الخطف أو التغييب، ومعرفة مصيرهم. وفي 2023 أقرت الحكومة العراقية قانون مكافحة الاختفاء القسري وأحالته إلى البرلمان للتصويت عليه".

كما يحث المحامي العراقي السلطة التشريعية على اعتبار مشروع قانون الاختفاء القسري من القوانين "المستعجلة"، ذلك لأن إنجازه "ضروري" خلال الفصل التشريعي الحالي، 

ويدعو الجبوري إلى "عدم شمول جريمة الاختفاء القسري بأي عفو عام أو خاص أو تخفيف الإجراءات الخاصة سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة".