توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من احتجاجات تشرين تظهر فيها لافتة للمغيّب العراقي سجاد ولغاية الآن مصيره مجهول
صورة تعبيرية من احتجاجات تشرين تظهر فيها لافتة للمغيّب العراقي سجاد ولغاية الآن مصيره مجهول

حتى بعد نحو عشرين عاماً على اختفائه، لا يزال هيلان عيدان يتذكر تفاصيل "اليوم المشؤوم" وفق تعبيره، حين اختفى شقيقه خلال الحرب الطائفية (2006-2007) التي اشتعلت في مناطق واسعة من العراق. 

"كأنهم أخذوه للتو" يقول هيلان باكياً وهو يروي قصة اختفاء جبار لـ"ارفع صوتك": "قبل سنتين فقط توفيت والدتي، التي أمضت كل تلك المدة في حال من القهر والبحث المستمر عن ابنها الذي لم تعرف مصيره حتى آخر يوم من حياتها". 

تشبه قصة جبار عيدان قصص مئات الرجال الذين اختفوا خلال الحرب الطائفية، عامل بسيط وأب لستة أطفال يبحث عن قوت عائلته عبر شراء الخضار من مزارع منطقة التاجي ليبيعها في الأسواق المحلية. 

"اتصل بنا أحد الخاطفين من هاتف شقيقي، وأبلغنا أن أخي بحوزتهم وهو في أمان وأنهم سيطلقونه مقابل خمسين ألف دولار. تمكنّا عبر العشيرة من جمع ثلاثين ألف دولار، لكن الخاطفين لم يعطونا دليلاً على حياته"، يبين هيلان.

طالبت العائلة الحديث مع ابنها المختطف دون جدوى، كما لم يتمكن الخاطفون من الإجابة عن أسئلتهم، يتابع هيلان "حينها عرفنا أننا نتعرض لعملية احتيال، وتأكد الخاطفون أننا لن نسلم المبلغ إلا بدليل، فتوقفوا عن التواصل معنا، وأغلقوا هاتفهم". 

وفقاً لتقرير نشره المرصد العراقي لحقوق الإنسان، فإن نحو 12 ألف عائلة عراقية أبلغت عن مفقودين بين عامي (2017 – 2023)، فيما تتحدث الأمم المتحدة عن أرقام تتراوح بين 250 ألفاً ومليون عراقي اختفوا بدءاً من عام 1968 بسبب النزاع والعنف السياسي.

حددت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري خمس موجات من الاختفاء مرت على العراقيين، بدأت في ستينيّات القرن الماضي بسبب النزاع والعنف السياسي، وأدت لاختفاء ما بين 250 ألفاً ومليون شخص في العراق، وقالت إنه من المستحيل تقديم أرقام أكثر دقة.

الموجة الأولى بحسب اللجنة بدأت بين الأعوام 1968 و2003 خلال حكم حزب البعث وحملة إبادة الأكراد. تلتها موجة أعقبت الغزو الأميركي عام 2003. الموجة الرابعة بين 2014 و2017، أي بعد سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من الأراضي العراقية.

أما الموجة الرابعة، فكانت خلال  العمليات العسكرية التي قامت بها قوات الحشد الشعبي لاستعادة المدن الرئيسة من داعش، فيما سجلت الموجة الخامسة خلال احتجاجات 2018-2020 التي جمعت أشخاصاً من جميع الخلفيات الدينية والعرقية.

شددت اللجنة الأممية شددت على أن الاختفاء القسري في العراق بكافة أنواعه ونطاقاته، يتطلب تدخلاً عاجلاً ومتضافراً من جانب الدولة والبلدان المجاورة لها والمجتمع الدولي بأجمعه.

كما دعت إلى اتخاذ تدابير تشريعية وقضائية لضمان اعتبار أي فرد تعرض لضرر كنتيجة مباشرة للاختفاء، ضحية، على النحو الرسمي، يحق له التمتع بالحقوق الواردة في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

مثل عائلة جبار عيدان تدور أم أحمد في فلك الاختفاء القسري لزوجها الصحافي توفيق التميمي منذ أكثر من أربعة أعوام "لم يبق باب إلا وطرقته لكن دون نتيجة" تقول لـ"ارفع صوتك". 

يعمل التميمي في جريدة "الصباح" الرسمية وكان كاتباً ومعداً للبرامج، كما أصدر عدة كتب عن تاريخ العراق الحديث. وحين بدأت "احتجاجات تشرين" 2019 كان واحداً من آلاف العراقيين المشاركين، وأحد المتواجدين ضمن خيام الاعتصام.

اختُطف التميمي كما تقول زوجته "دون أن يتلقى أي تهديد، وفي وضح النهار في مكان قريب جداً من منزله حين كان متوجها إلى مقر عمله بجريدة الصباح الرسمية".

 العملية تمت "عبر ملثمين بسيارات مظللة ودون أرقام، وهو ما تمكنت كاميرات المراقبة من رصده لكن دون معرفة هوية الأشخاص أو إلى أي جهة تم اقتياده" بحسب أم أحمد.

بعد اختطاف زوجها وغيابه دون أثر، تمكنت أم أحمد من التواصل مع عائلات المغيبين العراقيين. تقول إن جميع من التقت بهم "لديهم المعاناة والألم ذاته، وجميعنا نحمل الشعار ذاته وهو نريده حياً أو ميتاً. فالمصير المجهول أمر مرير جداً، وهو حالة من الألم والمعاناة المستمرة لا يشعر بها إلا من فقد أحد أفراد عائلته".  

من جانبها، تقول الأكاديمية والناشطة في حقوق الإنسان وجدان عبد الأمير، إن حالة الاختفاء القسري تسبب لعوائل الضحايا "مشاكل وأزمات نفسية، لأن الفقدان ليس كالموت، فهم لا يعلمون إن كان حياً يرزق أم قد مات حتى يقطعوا الأمل". 

فضلاً عن مشكلات اجتماعية، تضيف عبد الأمير لـ"ارفع صوتك": "فالزوجة لا تعلم إن كانت قد أصبحت أرملة أم لا، وما هو مصير أطفالها. كما تتعرض لصعوبات كبيرة بإعالة الأبناء، ولا تتمكن من التعامل مع الأوراق الرسمية والمعاملات الخاصة بهم، فلا يمكنها حتى استخراج بطاقات هوية لهم، وتتعرقل عمليات تسجيلهم في المدارس".

ولا يعتبر المفقود متوفياً إلا بعد مرور أربعة أعوام على اختفائه، بحسب عبد الأمير، مشيرة إلى أن ذوي المغيبين على موعد للتظاهر تحت نصب الحرية في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد لتسليط الضوء على معاناتهم والمطالبة بتشريع قانون التغييب القسري والسعي من خلاله إلى محاسبة مجرمي التغييب القسري، والكشف عن المفقودين والمغيبين قسرياً، فضلاً عن تعويض ذوي الضحايا بما يليق وكرامتهم الإنسانية، وتسهيل الإجراءات القانونية المتعلقة بهم.

وتعتبر عبد الأمير أن الاختفاء القسري "جريمة لا تسقط بالتقادم"، لذا  "ينبغي جبر الضرر وإنصاف الضحايا ولو بعد مرور سنوات". 

قانون الاختفاء القسري

يخلو قانون العقوبات العراقي من أي نص واضح وصريح يتعلق بالاختفاء القسري كما عرفته الاتفاقيات الدولية، وفق المحامي أنس الجبوري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن هناك أفعالاً تندرج تحت وصف الاختفاء القسري، كالخطف والاعتقال دون أوامر قضائية، بالإضافة لنصوص قانونية عدة تحاسب اعتقال أو تقييد حرية الأشخاص دون مذكرة قبض صادرة من جهة قضائية مختصة.

أما في ما يتعلق بإقرار قانون الاختفاء القسري، يوضح الجبوري، فإن "الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وصادق العراق عام 2010 عليها، ومن المفترض أن يلتزم بتشريع قانون تتطابق مواده مع هذه الاتفاقية".

والإجراءات التي اتخذها العراق في هذا الصدد لغاية اليوم، هي "قرار مجلس القضاء الأعلى عام 2019 بتشكيل هيئات تحقيقية في كل محافظة تعرض مواطنوها إلى الخطف أو التغييب، ومعرفة مصيرهم. وفي 2023 أقرت الحكومة العراقية قانون مكافحة الاختفاء القسري وأحالته إلى البرلمان للتصويت عليه".

كما يحث المحامي العراقي السلطة التشريعية على اعتبار مشروع قانون الاختفاء القسري من القوانين "المستعجلة"، ذلك لأن إنجازه "ضروري" خلال الفصل التشريعي الحالي، 

ويدعو الجبوري إلى "عدم شمول جريمة الاختفاء القسري بأي عفو عام أو خاص أو تخفيف الإجراءات الخاصة سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة".