بقلم خالد الغالي:

وصل التوتر بين إيران والسعودية مستويات خطيرة بعد تنفيذ الأخيرة حكم الإعدام بحق رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، وهو ما ردّت عليه وزارة الخارجية الإيرانية بالقول إنّ المملكة "ستدفع الثمن باهظا".

ويتصدر البلدان العالمين الإسلاميين، الشيعي والسني، ويعمّق التوتر بينهما الانقسام بين أتباع المذهبين. ورغم الحضور القوي للبعد المذهبي في العلاقات السعودية الإيرانية، إلا أنّ الخلافات السياسية تبقى المحرك الأوّل للصراع على ما يبدو.

يقول المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعة اللبنانية في بيروت طلال عتريسي في حديث لموقع (إرفع صوتك) أن العمق الحقيقي للصراع يرتبط بالنفوذ، وله طابع سياسي.

"الدليل على ذلك" يضيف عتريسي، "أن السعودية كانت لها علاقة طيبة مع الشاه قبل الثورة الإيرانية سنة 1979. وكانت إيران والسعودية حينها تعتبران جزءاً من المنظومة الغربية لإيقاف مدّ الاتحاد السوفياتي، بل كانت علاقة البلدين جيدة حتى في عهد رفسنجاني وخاتمي".

الثورة الإيرانية واشتعال الصراع

قاد آية الله الخميني سنة 1979 ثورة شعبية أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي. وابتداءً من هذا التاريخ وحتى سنة 1989، عاشت العلاقات بين البلدين عشرية سوداء.

وقفت السعودية إلى جانب العراق، بقيادة صدام حسين، في حربه مع إيران لثمانية أعوام. وفي سنة 1981، تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي، وضمن أهدافه تكثيف القوى في مواجهة إيران. وشكلت حرب الناقلات سنة 1984 أعقد فترات الصراع بين السعودية وإيران. فقد امتدّ استهداف العراق وإيران لناقلات النفط التابعة لهما إلى الدول الداعمة، فهاجمت إيران ناقلة نفط سعودية في أيار/مايو 1984. وبعدها بشهر، اعترضت القوات الجوية السعودية طائرات إيرانية فوق الأجواء السعودية وأسقطت إحداها.

ولم تسلم الأماكن الإسلامية المقدسة من تداعيات الصراع. ففي سنة 1987، اندلعت اشتباكات دامية بين الحجاج الإيرانيين وقوات الأمن السعودية، وانتهت بوفاة قرابة 300 حاج إيراني. وأدّت الأحداث إلى قطيعة دبلوماسية استمرت ثلاث سنوات بين البلدين.

بعدها بسنتين، وقع تفجيران قرب الحرم المكي، وألقت السعودية القبض على 16 حاجاً شيعياً كويتياً وأعدمتهم، متهمة إيران بتجنيدهم.

العصر الذهبي

تولى أكبر هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية الإيرانية سنة 1989، وعرفت العلاقات السعودية الإيرانية في عهده وعهد خلفه محمد خاتمي (97-2005) أفضل فتراتها.

وبحسب عتريسي "خلال فترة الحرب، كانت إيران تصنف الحكومات العربية على أساس أنها شرعية أو غير شرعية انطلاقاً من موقفها من الحرب الإيرانية العراقية. وقد انتهى هذا الأمر بنهاية الحرب"، وهو ما يفسّر تحسّن العلاقات مع السعودية.

ويتابع عتريسي "سقطت خلال تلك الفترة أيضاً فكرة تصدير الثورة من قاموس النظام الإيراني".

لكن مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية، في جدة، أنور عشقي، يعتبر أنّ "التقارب في العلاقات بين السعودية وإيران خلال فترة حكم رفسنجاني خاتمي لم يكن حقيقياً".

ويتوجّه عشقي باللوم إلى إيران في حديثه إلى موقع (إرفع صوتك) قائلاً "لم تغيّر إيران من سياستها الخارجية ومحاولة زعزعة استقرار الشرق الأوسط". ويستشهد بتفجير الخبر سنة 1996 الذي استهدف جنوداً أميركيين. واتهمت أميركا والسعودية إيران آنذاك بالتخطيط للهجوم، فيما نفت إيران مسؤوليتها.

لم يزر رفسنجاني السعودية خلال ولايته، إلا أنّه فعل ذلك بعد خروجه من كرسي الرئاسة. جرت الزيارة سنة 1998، وكان رفسنجاني، وهو يومها رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، أول مسؤول إيراني من أعلى مستوى يزور السعودية منذ 1979.

بعد انتخاب محمد خاتمي رئيساً، انتهج سياسة تقوم على نزع التوترات. وزار السعودية صيف 1999، وهي أول زيارة من نوعها لرئيس إيراني للمملكة منذ الثورة. ووصلت العلاقات بين البلدين مستويات متقدمة بتوقيع اتفاق أمني بينهما عام 2001.

عودة إلى التوتر

عاد التوتر ليطبع العلاقات السعودية الإيرانية بحلول سنة 2003، مع سقوط نظام صدام حسين في العراق.

ويقول عتريسي "عندما سقط النظام في العراق، جاء حلفاء إيران إلى السلطة. فشعرت السعودية بالقلق، لأن إيران أصبحت كما لو أنها على حدودها".

رغم ذلك، لم تصل العلاقات بينهما إلى السوء التي هي عليه الآن. "جاء الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى السعودية، وشارك في قمة مجلس التعاون الخليجي (في قطر سنة 2007) ودخل إلى القاعة ممسكاً بيد الملك عبد الله"، يقول المحلل السياسي اللبناني.

بحلول سنة 2011، هيمن التأزم على العلاقات بين الخصمين اللدودين. يقول عتريسي "التحولات التي عرفتها المنطقة في إطار الربيع العربي هي التي رفعت منسوب التوتر. وتولّدت لدى الطرفين مخاوف من الطابع الجديد الذي ستتم به إعادة تشكيل المنطقة، وكيف يمكن أن يمسّ ذلك نفوذ كل طرف: كان سقوط (الرئيس المصري السابق حسني) مبارك خسارة للسعودية، وكذلك كان سقوط علي عبد الله صالح. وعندما اندلع الحراك في البحرين شعرت السعودية أن النار داخل البيت فتدخلت. في المقابل، سيشكل إسقاط الأسد في سورية أو هزيمة الحوثيين في اليمن ضربة لإيران".

وجاء الاتفاق النووي الذي وقعته إيران في منتصف تموز/يوليو 2015 مع الدول الغربية ليثير مخاوف السعودية، قبل أن يفتتح عام 2016 على وقع طبول الصراع بعد قيام المملكة بإعدام الشيخ النمر.

*الصورة: ايرانيات يشاركن في مظاهرة منددة بإعدام النمر/وكالة الصحافة الفرنسية

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

المغرب – بقلم زينون عبد العالي:

أبدى المغرب موقفه من الأزمة المشتعلة بين السعودية وإيران، على أثر إعدام  المعارض السعودي ورجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، حيث عبّر عن خشيته من أن تخرج الأمور عن السيطرة بين البلدين.

وأشار بيان صدر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية إلى أنّ المغرب "يعول على حكمة المسؤولين السعوديين والإيرانيين للعمل على تفادي أن ينتقل الوضع الحالي إلى بلدان أخرى بالمنطقة تواجه العديد من التحديات وتعيش أوضاعاً هشّة".

وكانت إيران قد حذرت مراراً من أنّ إعدام النمر سيكون له عواقب وخيمة على السعودية. ودفعت التطورات التي تلت تنفيذ الحكم في النمر، كإحراق مبنى السفارة السعودية في طهران وقطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، المجتمع الدولي إلى التدخل لمحاولة ترطيب الأجواء وتخفيف حدة التوتر بين الرياض وطهران.

موقف المغرب اعتبره محلّلون "محايداً ومعتدلاً" إذ حاول تهدئة التوتر المتزايد بين الرياض وطهران، على الرغم من اعتبار المغرب من الحلفاء الأساسيين للمملكة العربية السعودية، سواءً في المجال الاقتصادي أو السياسي أو العسكري.

المغرب حذّر من مغامرة

يقول المحلل السياسي ورئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية محمد بنحمو في حديث لموقع (إرفع صوتك) "موقف المغرب لا يسعى إلى أن تتطوّر الأمور إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين أو إشعال فتيل الصراع في مناطق أخرى بالشرق الأوسط، خاصّة وأنّ بعض الدول العربية اصطفت إلى جانب السعودية وأخرى إلى جانب إيران".

وأوضح بنحمو أن "الدعوة إلى ترجيح الحكمة والعقل في مواجهة هذه المرحلة الدقيقة ستساعد طرفي النزاع على عدم الدخول في مغامرة غير محسوبة العواقب قد تكون مدمّرة للطرفين، وقاسية على مصالح الدول العربية ودول المنطقة في ظل الأوضاع الأمنية المنفلتة والحروب والصراعات التي تشهدها العديد من الدول".

إيران ووزن المغرب

يشرح بنحمو أن إيران تسعى منذ مدّة إلى إعادة علاقاتها مع المغرب، لأنها مقتنعة بدور المغرب في العالم العربي والإسلامي. وقد تكون لها قراءة خاصة لموقف المغرب من صراعها مع السعودية كإشارة لعدم الدفع بالأزمة في اتجاه حرب مفتوحة بين الطرفين.

ويقول "هذه المرحلة لا تحتمل الصدام بين بلدين لهما مكانة كبرى في المنطقة، لذلك على إيران أن تتصرف كدولة عادية في منطقة الخليج وليست كقوة إقليمية تفرض أجندتها على دول المنطقة (العراق وسورية والبحرين واليمن ولبنان)، وأن تكفّ عن اعتبار مواطني دول الخليج المنتسبين إلى المذهب الشيعي رعايا تحت حمايتها، وأن تعترف بأنّها ليست وصية على الشيعة في العالم".

للمغرب دورين..

من جهة أخرى، يقول الباحث المغربي وعضو مؤسسة الخط الرسالي الشيعية بالمغرب عصام الحسني إنّ الموقف المتوازن للخارجية المغربية إثر إعدام النمر وما صاحب ذلك من ردود فعل شعبية غاضبة "يخوّل المغرب أن يقوم بدورين: أحدهما سياسي لتخفيف التوتر الاقليمي والآخر مذهبي".

وعن الدور المذهبي، يشرح الحسني في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "باعتبار أنّ المغرب بعيد جغرافياً عن منطقة الشرق الأوسط المتأزمة، وأيضاً لخصوصية الموقع النسبي الشريف لملك المغرب، ولأنّ الايديولوجية المغربية الرسمية ليست طرفاً في الصراع الفكري السنّي-الشيعي، فيمكن للدبلوماسية المغربية استثمار هذه العوامل للعب دور إقليمي ايجابي لتخفيف الاحتقان المذهبي على غرار الدور الذي تقوم به سلطنة عمان".

المغرب ينتصر لدول الخليج

ويرى المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية الموساوي العجلاوي أنّ ارتباط المغرب بالخليج استراتيجياً يجعل مواقفه  تتماشى مع هذه الدول، "غير أنّ موقف المغرب تجاه أزمة الرياض وطهران كان بحسن نية، ذلك أنّ الرباط يعي بأنّ المنطقة لا تحتمل المزيد من التصعيد في الصراع السنّي-الشيعي".

ويضيف العجلاوي في تصريح لموقع (ارفع صوتك) أنّ "المغرب على مسافة جغرافية من الجميع، وعلى مقربة من السعودية، وهذا لا يعني أنّه لا يتنبه إلى المخاطر المحدقة بالمنطقة والتي يمكن أن تكون وبالاً على الدول العربية، وبالتالي فإنّ موقفه جاء في هذا الاتجاه".

*الصورة: "ارتباط المغرب بالخليج استراتيجياً يجعل مواقفه  تتماشى مع هذه الدول"/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659