بقلم محمد الدليمي:

العراق وسورية دولتان بينهما العديد من المشتركات القديمة، لكنّ أحدث هذه المشتركات وأكثرها إيلاماً هي الحروب الداخلية وصور الضحايا والدمار المنتشر في مدن البلدين.

كان العراقيون بعد عام 2003 يخافون من "لبننة العراق" في إشارة إلى الحرب الأهلية في لبنان وتدخل الطائفية بالسياسة، حتى أدرك العراقيون أن حربهم الداخلية ربما صارت أقسى وأكثر مرارة من تلك التي عاناها لبنان.

وكذلك الحال في سورية بعد عام 2011، حيث تخوف الكثير من "عرقنة سورية" أي انتقال النموذج العراقي إلى الصراع السوري.

وجزء مما يعانيه البلدان هو "حربُ أذرعٍ وصراع نفوذ مغلف بصبغة طائفية بين السعودية وإيران"، كما يقول المحلل السياسي العراقي أحمد الشريفي، حيث تنشط في البلدين منظمات مسلحة مختلفة يصنف الكثير منها على أنه ذراع لمصالح إحدى تلك الدولتين.

ويبدو أن المستفيد الرئيسي من الحرب في البلدين، والشحن الطائفي فيهما، هو تنظيم داعش الذي سيطر على مساحات واسعة في البلدين في محاولة لإعلان "دولة" تمتد على أراضٍ واسعة في البلدين الجارين.

تغييب الهوية الوطنية

ويرى الشريفي أنّ الصراع في المنطقة، وإن ارتدى قناعاً طائفياً، فهو صراع مصالح يدور حول توازن الأدوار في المنطقة ويستهدف نفوذاً أكبر للدول المحركة له، مثل إيران والسعودية.

"ضحايا هذا الصراع هي الدول العربية والمسلمة" يقول الشريفي، مضيفاً "وسيأخذ هذا الصراع وجهاً طائفياً في المناطق التي تتقبل الوجه الطائفي، وقبلياً في المناطق التي تتقبل القبلية العشائرية".

وعن آلية تجنب الصراع ونتائجه في المنطقة، يرى أن أفضل السُبل هي "تحصين الدولة وإبعادها عن هذه التجاذبات، وذلك من خلال تحصين المجتمع.. فبسبب هذه الحروب فقد أدرك العراقيون أن الجميع في مركب واحد إذا غرق، فقد غرق الجميع".

ويرى الشريفي أنّ ما تعانيه الشعوب هو نتيجة مباشرة "للتجهيل في المنطقة وعدم الارتقاء بالفكر السياسي". ويشرح قائلاً "لا تدخل الشعوب بحروب بالنيابة عن غيرها إلا إذا كانت شعوباً لا تملك وعياً كاملاً. فكلما كانت الشعوب واعية كانت محصنة من الأفكار الوافدة. هناك رغبة في تجهيل الفرد وإبعاد الروح الوطنية عن الساحة وتغليب العناوين الثانوية".

ويرى أن على رأس أسباب المشاكل هو تغييب الهوية الوطنية، ويقول "حتى تحقق الوحدة الوطنية، يجب أن تبحث عن مشتركات ولا يمكن أن توجد هذه المشتركات إلا بإبعاد العناوين الثانوية وهو ما لم يحدث في بلدان الصراع".

الشعب السوري يدفع ثمناً باهظاً

رد الحكومة السورية على الحراك الشعبي الذي انطلق عام 2011 اتسم بالعنف وتبعه الانقسام الحاد بين فصائل متعددة ومختلفة، وقتال بالنيابة فضلاً عن "تعدد آباء" الأزمة السورية، وعلى رأس القائمة: السعودية وإيران. فالانقسام الطائفي الحاد في المنطقة ألقى بظلاله على الأزمة السورية، وتم استثماره من جهات متعددة لتجنيد عشرات الشباب المتخندق طائفياً.

الصحافي السوري فراس رضوان يرى أن المتضررين ليسوا أصحاب الشأن، ولكن دول ساحة الصراع. ويقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) "في حالة زيادة وتيرة الصراع بين السعودية وإيران سيكون المتضرر الأول والأخير حصراً هو المنطقة التي يدور فيها الصراع وهي العراق واليمن وسورية".

ويضيف رضوان "أنا لا أتوقع أن يمتد الصراع إلى مناطق أخرى بسبب أن الصراع حصر في الدول الثلاث.. ممكن لبنان ولكن على شكل صراع سياسي".

وفي حديث لموقع (إرفع صوتك) من العاصمة السورية دمشق، يقول مثنى عبودي، 24 عاماً، وهو مهندس معماري تخرج حديثاً "من يدفع فاتورة هذه الحروب هي العراق وسورية وغيرهما من الدول التي تجري فيها هذه الحروب. فلكل من إيران والسعودية أدوات مختلفة". ويضيف "الشعب السوري لا زال يدفع ثمناً باهظاً، وأي ثمن أكبر من الأرواح التي خسرناها من أبناء شعبنا!".

وعن حلّ الأزمة في سورية، يقول مثنى إن إحدى مشاكل الأزمة السورية هي تعدد الأطراف فيها. "كل محاولة حل يتم تقويضها بسبب صعوبة الاتفاق بين هذه الأطراف الكثيرة والمتعددة.. والسعي لحل بهذه الطريقة هو شبه مستحيل".

وعن مستقبل الصراع المباشر بين إيران والسعودية، يختتم مثنى حديثه بالقول "لا أعتقد أن أياً من هاتين الدولتين سيفتتحان جبهة على بعضهما.. لكن سيكون الصراع على أراض محايدة وشعوب تلك الأراضي هي من ستدفع الثمن".

من أموالنا ودمائنا ..كل يوم

تنشط على أراضي البلدين عشرات المنظمات المسلحة المختلفة فضلاً عن تنظيمات إرهابية، مثل داعش والقاعدة وغيرهما. وبعض العوائل في البلدين وقعت ضحية لجماعات متعددة ومن اتجاهات مختلفة.

يقول عادل سلمان، وهو عراقي من محافظة الأنبار، "اعتقلت داعش أخي لأنّه كان شرطياً واتهموه بالتعاون مع أجهزة الأمن العراقية". ثم عثر على أخيه بعد أيام مقتولاً "ظلماً وعدواناً وبلا ذنب سوى أنه كان يخدم وطنه ويكسب رزق عياله".

ويضيف سلمان الذي اضطر للهرب من مدينة الفلوجة بعد سيطرة تنظيم داعش عليها في عام 2014 "هربتُ من الفلوجة خوفاً على نفسي وأطفالي بعد قتل أخي، فاعتقلتُ من مليشيات مدعومة من إيران عند محاولتي لدخول بغداد، وتمت إهانتي وتعذيبي قبل أن يفرجوا عني بفدية".

ويحمّل عادل إيران والسعودية مسؤولية تأجيج الصراع وإدامته في العراق ويختتم حديثه بكثيرٍ من الغضب "لولا هالدولتين ما دخلت داعش، وما انقتل أخوية، وما عذبتني المليشيات.... أحنه ندفع ثمن صراعهم من أموالنا ودمائنا كل يوم".

ساهم بإعداد هذه التقرير (ربيع الصعوب)، مراسل راديو سوا من مدينة اسطنبول التركية.

*الصورة:  طفل يقف على ركام بنايات في دوما - سورية/وكالة الصحافة الفرنسية

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

المغرب – بقلم زينون عبد العالي:

أبدى المغرب موقفه من الأزمة المشتعلة بين السعودية وإيران، على أثر إعدام  المعارض السعودي ورجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، حيث عبّر عن خشيته من أن تخرج الأمور عن السيطرة بين البلدين.

وأشار بيان صدر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية إلى أنّ المغرب "يعول على حكمة المسؤولين السعوديين والإيرانيين للعمل على تفادي أن ينتقل الوضع الحالي إلى بلدان أخرى بالمنطقة تواجه العديد من التحديات وتعيش أوضاعاً هشّة".

وكانت إيران قد حذرت مراراً من أنّ إعدام النمر سيكون له عواقب وخيمة على السعودية. ودفعت التطورات التي تلت تنفيذ الحكم في النمر، كإحراق مبنى السفارة السعودية في طهران وقطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، المجتمع الدولي إلى التدخل لمحاولة ترطيب الأجواء وتخفيف حدة التوتر بين الرياض وطهران.

موقف المغرب اعتبره محلّلون "محايداً ومعتدلاً" إذ حاول تهدئة التوتر المتزايد بين الرياض وطهران، على الرغم من اعتبار المغرب من الحلفاء الأساسيين للمملكة العربية السعودية، سواءً في المجال الاقتصادي أو السياسي أو العسكري.

المغرب حذّر من مغامرة

يقول المحلل السياسي ورئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية محمد بنحمو في حديث لموقع (إرفع صوتك) "موقف المغرب لا يسعى إلى أن تتطوّر الأمور إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين أو إشعال فتيل الصراع في مناطق أخرى بالشرق الأوسط، خاصّة وأنّ بعض الدول العربية اصطفت إلى جانب السعودية وأخرى إلى جانب إيران".

وأوضح بنحمو أن "الدعوة إلى ترجيح الحكمة والعقل في مواجهة هذه المرحلة الدقيقة ستساعد طرفي النزاع على عدم الدخول في مغامرة غير محسوبة العواقب قد تكون مدمّرة للطرفين، وقاسية على مصالح الدول العربية ودول المنطقة في ظل الأوضاع الأمنية المنفلتة والحروب والصراعات التي تشهدها العديد من الدول".

إيران ووزن المغرب

يشرح بنحمو أن إيران تسعى منذ مدّة إلى إعادة علاقاتها مع المغرب، لأنها مقتنعة بدور المغرب في العالم العربي والإسلامي. وقد تكون لها قراءة خاصة لموقف المغرب من صراعها مع السعودية كإشارة لعدم الدفع بالأزمة في اتجاه حرب مفتوحة بين الطرفين.

ويقول "هذه المرحلة لا تحتمل الصدام بين بلدين لهما مكانة كبرى في المنطقة، لذلك على إيران أن تتصرف كدولة عادية في منطقة الخليج وليست كقوة إقليمية تفرض أجندتها على دول المنطقة (العراق وسورية والبحرين واليمن ولبنان)، وأن تكفّ عن اعتبار مواطني دول الخليج المنتسبين إلى المذهب الشيعي رعايا تحت حمايتها، وأن تعترف بأنّها ليست وصية على الشيعة في العالم".

للمغرب دورين..

من جهة أخرى، يقول الباحث المغربي وعضو مؤسسة الخط الرسالي الشيعية بالمغرب عصام الحسني إنّ الموقف المتوازن للخارجية المغربية إثر إعدام النمر وما صاحب ذلك من ردود فعل شعبية غاضبة "يخوّل المغرب أن يقوم بدورين: أحدهما سياسي لتخفيف التوتر الاقليمي والآخر مذهبي".

وعن الدور المذهبي، يشرح الحسني في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "باعتبار أنّ المغرب بعيد جغرافياً عن منطقة الشرق الأوسط المتأزمة، وأيضاً لخصوصية الموقع النسبي الشريف لملك المغرب، ولأنّ الايديولوجية المغربية الرسمية ليست طرفاً في الصراع الفكري السنّي-الشيعي، فيمكن للدبلوماسية المغربية استثمار هذه العوامل للعب دور إقليمي ايجابي لتخفيف الاحتقان المذهبي على غرار الدور الذي تقوم به سلطنة عمان".

المغرب ينتصر لدول الخليج

ويرى المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية الموساوي العجلاوي أنّ ارتباط المغرب بالخليج استراتيجياً يجعل مواقفه  تتماشى مع هذه الدول، "غير أنّ موقف المغرب تجاه أزمة الرياض وطهران كان بحسن نية، ذلك أنّ الرباط يعي بأنّ المنطقة لا تحتمل المزيد من التصعيد في الصراع السنّي-الشيعي".

ويضيف العجلاوي في تصريح لموقع (ارفع صوتك) أنّ "المغرب على مسافة جغرافية من الجميع، وعلى مقربة من السعودية، وهذا لا يعني أنّه لا يتنبه إلى المخاطر المحدقة بالمنطقة والتي يمكن أن تكون وبالاً على الدول العربية، وبالتالي فإنّ موقفه جاء في هذا الاتجاه".

*الصورة: "ارتباط المغرب بالخليج استراتيجياً يجعل مواقفه  تتماشى مع هذه الدول"/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659