الصحة الدولية شطبت العبور الجنسي من قائمة الاضطرابات العقلية - صورة تعبيرية.
الصحة الدولية شطبت العبور الجنسي من قائمة الاضطرابات العقلية - صورة تعبيرية.

بانتقادات واسعة، واجه نشطاء بنود بيان صادر عن مركز سعودي رسمي بشأن "ضوابط" التعامل مع "اضطراب الهوية الجنسية"، معتبرين أنه يروج لـ"مغالطات عديدة" في تناول قضايا الجندر والهوية الجنسية.

وفيما تلاحق الرياض مؤاخذات حقوقية بشأن وضع الحريات الفردية والجنسية في البلاد، خرج مركز تعزيز الصحة النفسية الحكومي، ببيان قدم فيه توصيات للتعامل مع ما اعتبره "اضطراب الهوية الجنسية"، واعتبر الرغبة في العبور الجنسي "مرضا" يستدعي علاجا نفسيا.

المتحدث باسم منظمة "ألوان" المعنية بحقوق المثليين في دول الخليج، طارق بن عزيز، يرى أن البيان جاء بـ"مغالطات عديدة، وكأنه ينتمي لزمن مضى".

واعتبر الناشط الحقوقي، في تصريح لموقع الحرة، أن البيان "يتنافى مع الآراء الطبية النفسية الحديثة التي ترى العلاج الهرموني والجراحي ضروريا، عندما يرى الفرد أن  هويته الجندرية لا تتطابق مع جنسه المحدد وقت الولادة، ويرغب بتأكيد جنسه وتطابقه مع هويته الجندرية قدر الإمكان".

"مرض نفسي"

وقال المركز، إن ما يصفه بـ"اضطراب الهوية الجنسية" يتميز بعدد من السمات ومنها، أنه "مرض نفسي، وليس لدى المصابين به أي خلل هرموني أو عضوي أو جيني"، مشيرا إلى أن "الفحص الجيني هو ما يحدد جنس الفرد، لا رغبته الذاتية المجردة". 

وأوضح المصدر ذاته، أن "من يعانون من اضطراب الهوية الجنسية لا يتقبلون الهوية التي ولدوا بها، ولديهم الرغبة القوية في إجراء تغييرات جسدية ظاهرية وداخلية، ليتوافق مع شكل الجنس المرغوب به نفسيا"، مشددا "على أنه من خلال المتابعة، توجد نسبة من المصابين ترغب بالعودة إلى الجنس الأساسي وتتقبله بعد المساعدة الطبية المتخصصة".

وردا على البيان، قالت زافي لدكيسيان، طبيبة ومديرة الجمعية الطبية اللبنانية للصحة الجنسية، إن "المشكلة الأكثر وضوحا في البيان هي اللغة المستخدمة".

واعتبرت لدكيسيان في تصريح لموقع "الحرة"، أنه لا ينبغي الحديث عن اضطراب الهوية الجنسي بل عن الانزعاج الجندري، الذي يعني القلق والتوتر الذي يشعر به المرء لأنه لا يستطيع التعبير عن جنسه الحقيقي.

من جانبه، يقول منسق التواصل في منظمة "حلم"، التي تعنى بحقوق مجتمع الميم، ضومط قزي، إن البيان يحمل "عدة مغالطات تم الزج بها في  سياق علمي" مشيرا أيضا إلى أن اللغة المستعملة تؤثر على نظرة المجتمع للعابرين والعابرات جنسيا.

ويوضح قزي في تصريح لموقع "الحرة"، أن ما يعتبره المركز "اضطرابا للهوية الجنسية يصطلح عليه علميا "الانزعاج الجندري"، لافتا إلى الفروقات الكبيرة  بين "الجنس والجندر".

ويبقى الجنس مفهوما طبيا يُحدد بناء على الجينات وشكل الأعضاء الجنسية، فيما أن النوع الاجتماعي (الجندر) مفهوم يفسره المجتمع والشخص لنفسه ولا تحدده الجينات أو بنيته الفيزيولوجية، بحسب قزي.

واعتبر قزي، أن صياغة البيان، أرادت إلغاء مسألة النوع الاجتماعي أو الجندر وأيضا المثلية لأن الاعتراف بكل ذلك "يعني الاعتراف بتعدد الأنواع الاجتماعية في المجتمع، ما ينسف البيان من أصله".

"التأثيرات السلبية"

وذكر بيان المركز الحكومي أن "التدخلات الطبية عبر الهرمونات والعمليات الجراحية لتغيير الجنس لدى هؤلاء المرضى، لا تفتقد للفعالية فحسب، ولكنها كذلك تؤدي لمضاعفات نفسية وطبية خطيرة على المديين القريب والبعيد، ومنها الحاجة للتنويم طويل المدى في أقسام الطب النفسي، وارتفاع معدلات الانتحار، وازدياد الإصابة بالسرطان، واحتمالات الوفاة المبكرة، إضافة إلى الكثير من التحديات الاجتماعية التي يواجهها من خضع لتلك الإجراءات، إضافة إلى معاناته الأصلية".

في هذا الجانب، يقول الناشط الحقوقي اللبناني، إن الإشارة إلى أن "جراحة تأكيد الجندر تؤثر على الأفراد سلبا، غير صحيح بالمطلق"، لافتا إلى أن "إحصائيات شملت أكثر من 90 ألف شخص خضعوا لهذه العملية، تكشف رضا وامتنان 92 بالمئة، وعلى انعكاساتها الإيجابية على حياتهم".

ويضيف قزي، أن منع الراغبين في إجراء عمليات تأكيد الجندر، يتسبب فيما يطلق عليه التعاسة الجندرية أو الانزعاج الجندري" التي تدفعهم إلى تعاسة أكثر واضطرابات نفسية يمكن أن تؤدي إلى الانتحار وإيذاء أنفسهم، بالتالي منع هذا الأمر "مخز للغاية".

ويوضح  أن دولا سبقت السعودية في اعتماد ما يطلق عليه "العلاج النفسي"، في حين أنه عبارة عن "قمع الأفراد ومحاولات تغيير هوياتهم الجندرية"، باءت بالفشل وكانت لها تبعات وانعكاسات سلبية".

في المقابل، حاول موقع "الحرة" التواصل مع المركز في البريد الإلكتروني المذكور في خاتمة البيان تحت عبارة "التواصل مع اللجنة في حال وجود أي ملاحظات أو مقترحات أو استفسارات"، إلا أنه لا يستقبل الرسائل.

وكذلك تم إرسال طلب التعليق إلى بريد المركز الإلكتروني المدون في موقع المركز، ومحاولة الاتصال هاتفيا، إلا أن أحدا لم يجب.

من جانبها، تقول لدكيسيان، إن التدخلات الطبية والهرمونية تخفف من العوارض النفسية، مشيرة إلى أن "البيان يخلو من الحقائق وفيه معلومات خاطئة، لإظهار الهوية الجنسية على أنها مرض".

وشددت على أن "العلاج التأكيدي يخفف من التوتر النفسي والقلق والاكتئاب والتفكير في الانتحار، وحرمان الأفراد من الرعاية المؤكدة، هو ما يسبب جميع الأعراض التي تم وصفها في البيان".

وتشير إلى أن معدل الندم بعد الحصول على هذا العلاج "أقل من 1 بالمئة، وهذا يعني أنه عندما يتم منح الأشخاص إمكانية الوصول إلى المعرفة والرعاية المؤكدة والدعم أثناء فترة انتقالهم، فإنهم يكونون أفضل نفسيا وجسديا".

وأكدت الطبية أن كل المنظمات النفسية ذات المصداقية "لا تنظر إلى الانزعاج الجنسي على أنه اضطراب بين الجنسين، لأن هذا النهج عفا عليه الزمن".

وشطبت منظمة الصحة العالمية المشكلات الصحية الخاصة بالعابرين والعابرات جنسيا، من قائمة "الاضطرابات العقلية والسلوكية"، في المراجعة الحادية عشر للتصنيف الدولي للأمراض.

وأبرزت الأمم المتحدة أن إلصاق صفة المرضى بمغايري ومغايرات الهوية الجنسانية يبقى "أحد الأسباب الجذرية لانتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها مغايري ومغايرات الهوية الجنسانية".

ويؤكد قزي، أن أغلب أفراد مجتمع الميم في السعودية يسعون للخروج من بلدهم إلى دول أوروبية، حيث يواجهون ضغوطات اجتماعية والبيان الأخير يكرسها باتهامهم بأنهم مصابين باضطراب نفسي وينشر حقائق غير علمية بالمطلق".

وصرح شاب سعودي من مغايري الهوية الجنسانية، فضّل عدم ذكر اسمه، من "الصعب جدا أن يتفهم المجتمع أنّ يتحول رجل لامرأة"، وذلك في حديث سابق مع فرانس برس.

وتابع الشاب الذي قالت الوكالة، إنه كان يدّخر منذ شهور طويلة للسفر "كان أملي الوحيد أن أغادر وأبدأ حياة جديدة في بلد يتفهمني".

وذكر المصدر ذاته، أن الشاب الذي فرّ في سبتمبر من العام 2022، إلى لندن، يتطلع للحصول على اللجوء، لبدء إجراءات تغيير جنسه.

حملة وتقرير "مسرب".. أين تتجه حقوق الإنسان في السعودية؟
أطلقت منظمة العفو الدولية حملة جديدة قالت إنها تهدف إلى الإفراج عن المسجونين أو المحكوم عليهم بالإعدام في السعودية بسبب حرية التعبير، وتزامنت هذه الحملة مع تقرير للمنظمة أشار إلى "مشروع مسرب" لمسودة نظام للعقوبات هو الأول من نوعه في السعودية.

"خداع"

واعتبرت الهيئة الحكومية السعودية، أن التدخل العلاجي اللازم في حالات الراغبين في العبور جنسيا، "نفسي"، مشيرة إلى أن على "الطبيب تشخيص الحالة وشرح طبيعتها للمصاب وأدوات التدخل النفسية المتاحة، وتقديم العلاجات النفسية المتوفرة، لتخفيف معاناته وتحسين مهاراته التكيفية، وتوضيح ذلك لأسرهم كذلك".

وأوضح المصدر ذاته، أن التوصية بإجراء عمليات جراحية لتغيير الجنس، أو وصف هرمونات مغايرة للجنس الأساس قبل أو بعد العمليات الجراحية، "خداعٌ لمرضى اضطراب الهوية الجنسية، ولم يثبت بشكل قاطع ما يدعمه علميا لتحسين الرضا النفسي المصاحب للاضطراب، وعليه فهو تدخل غير مقبول، وتبعاته السلبية تفوق بكثير مكتسباته".

وشددت اللجنة على أنه "ينبغي الوقوف بحزم ومحاسبة المضللين للمصابين بالاضطراب، الذين يوهمونهم بتدخلات هرمونية أو جراحية مغلوطة".

في هذا السياق، يرى بن عزيز، أن الدعوة لمحاسبة من يصفهم البيان بـ"مضللي المصابين" تعكس "حجم التخلف والانتهاك، فهي لا تسمح بالمساعدة وفقا للآراء الحديثة وأيضا لا تسمح بنشر التوعية بحجة مكافحة الترويج للمثلية ويهدد الحياة لبند إعلام الأسرة التي لن تتقبل".

ويشير إلى أن المثلية توجه جنسي مختلف عن العبور الجندري المتعلق بالهوية الجندرية، وعلى المؤسسات الصحية أن تتبنى دورا محايدا توعويا لا ينحاز إلى مفهوم ديني محدد أو حكم مسبق.

كما أن التوجه الجنسي أو الهوية الجندرية "أمران من طبيعة الإنسان يأتيان معه ويتشكلان منذ ولادته لا باختياره أو رغبته، وليسا من الأمور التي يمكن الترويج لها أو التأثير عليها"، موضحا أن "من يشعر أنه رجل لا توجد قوة تجعله امرأة وكذلك المغاير لا شيء قد يجعله مثليا"، بحسب بن عزيز.

وليس لدى السعودية قوانين مكتوبة متعلقة بالتوجه الجنسي أو الهوية الجندرية، لكن يستخدم القضاة مبادئ الشريعة الإسلامية غير المدونة لمعاقبة الناس المشتبه بإقامتهم علاقات جنسية خارج الزواج، بما في ذلك العلاقات الجنسية اللازوجية والمثلية، أو غيرها من الأفعال التي تعتبر "لاأخلاقية"، بحسب بيان سابق لهيومن رايتس ووتش.

وتساءل المتحدث ذاته، عن "السبب الذي قد يدفع شخصا في دولة عربية لتفضيل المعاناة إذا كان عابرا أو مثليا بالوقت الذي يمكنه أن يختار أن يكون مطابقا لجنسه المحدد وقت الولادة أو مغايرا!"، وأيضا "لماذا لا يتأثر ويكون مغايرا أو مطابقا لجنسه وقت الولادة وهو يواجه كل هذا الترويج ضد المثلية والعبور الجندري!؟".

ويذكّر في هذا السياق، بقصة العابرة الجندرية السعودية، إيدن نايت، التي أقدمت على الانتحار، بعد أن كانت قد بدأت علاج هرمونيا في الولايات المتحدة، قبل أن يتم استدراجها من قبل عائلتها للعودة إلى السعودية.

وروت نايت في رسالة على تويتر في 12 مارس من العام الماضي، يعتقد أنها كتبتها قبل انتحارها، عن تعرضها للتوبيخ و"تفتيش أغراضي بشكل يومي" بواسطة والدتها التي طلبت منها "التوبة" عن أفعالها فيما نعتها والدها بـ"الرجس".

وكتبت بعد عودتها تم حبسها في المنزل ومنعها من العلاج والتعامل معها كذكر يتشبه بالنساء،: "حاولت قتل نفسي في الماضي، لكن في كل مرة كنت اتمسك بخيط في مكان ما في أعماق داخلي، أعتقد أن هذا هو السبب في أنني نجوت منهم"، قبل أن تنهي كلماتها "هذه المرة، انتهيت. أنا متعبة".

"حقٌّ ينتهك"

ويعاني مغايرو ومغايرات الهوية الجنسانية نتيجة للعنف والوصم والتمييز وعدم توافر سبل الوصول إلى الرعاية الصحية من عواقب صحية نفسية وجسدية تفوق ما يعانيه عامة الناس سوءا.

وتُفاقم هذه المشكلة الأفكارُ المسبقة وعدم توافر التدريب للعاملين والعاملات في مجال الرعاية الصحية، وفقا لحملة "أحرار ومتساوون" وهي حملة الأمم المتحدة العالمية من أجل المساواة لأفراد مجتمع الميم-عين.

وبحسب بيان للهيئة الاستشارية الطبية الدولية حول العالج الهرموني الأشخاص العابرين والمتنوعين جندريا، يبقى الهدف من العلاج الهرموني المؤكد للجندر مواءمة المظهر الخارجي للجسم مع الجنس المحسوس. 

وبالإضافة إلى التغيرات الجسدية، تأتي الفوائد النفسية، بحسب البيان الصادر في يونيو الماضي، في شكل "تحسين نوعية الحياة، بغض النظر عما إذا كانوا قد خضعوا لجراحة التأكيد الجندري أم لا حيث إن العالج الهرموني المؤكد للجندر يمكن أن يساعد في تأكيد الهوية الجندرية، حسبما تورد الهيئة الطبية".

من جهته، كشف بيان سابق لشبكة علم النفس الدولية، وهي ائتلاف يضم جمعيات علم النفس بعدد من دول العالم، أن هويات وميول المثليات والمثليين وثنائيي الميل الجنسي والعابرين والعابرات جنسيا وحاملي صفات الجنسين والكوير، "اختلافات معيارية في تجارب الإنسان وليست اضطرابات نفسية قابلة للتشخيص بحد ذاته، ولا تتطلب أي تدخل علاجي لتغييرها".

وأوضحت الشبكة التي تضم الجمعية الأميركية لعلم النفس، أنه "يحق للعابرين والعابرات جنسيا وللأشخاص غير المطابقين العيش وفقا لهويتهم الجنسية، الحصول على الدعم الطبي والاجتماعي والعلاج النفسي الذين يحتاجون إليه".

وشددت على أنه "يتعين تقديم هذا الدعم لهم بغض النظر عما إذا كان للأشخاص هوية جنسية ثنائية أم لا، وما إذا كانوا يسعون للحصول على انتقال اجتماعي، أو طبي، أو إلى الحصول على علاج أو أكثر، أو على سائر العلاجات المتاحة". 

كما عبّرت الشبكة عن "وجوب دعم الاستقلالية التامة للأشخاص العابرين والعابرات جنسيا وللأشخاص غير المطابقين في تأكيدهم على هويتهم الجنسية"، مشيرة إلى أن "من شأن الدعم النفسي الإيجابي أن ينفع في تنمية هويتهم واتخاذ القرار بشأن التحول الاجتماعي والطبي".

وتؤكد الأمم المتحدة على حق مغايري ومغايرات الهوية الجنسانية في الحصول على الاعتراف القانوني بهويتهم وهويتهن الجنسانية وتغيير نوع الجنس في الوثائق الرسمية، بما في ذلك شهادات الميلاد، دون فرض شروط مرهقة وتعسفية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

امرأة صومالية في إحدى المستشفيات يعاني طفلها من سوء التغذية- فرانس برس 2022
امرأة صومالية في إحدى المستشفيات يعاني طفلها من سوء التغذية- فرانس برس 2022

كان المتوقع أن يودّع العالم الجوع في عام 2030 إذا ما نجحت المبادرة التي تبنّتها الأمم المتحدة لاستثمار 267 مليار دولار سنوياً من أجل القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي حول العالم، إلا أن الواقع الحالي يؤكد أننا أبعد ما نكون عن تحقيق هذا الهدف.

وبعد أن مرَّ العالم بجائحة فيروس كورونا وتغيرات مناخية عنيفة في بعض المناطق ثم حربي أوكرانيا وغزة فإن الأوضاع ازدادت سوءاً؛ ومنذ 2020 ارتفعت مؤشرات الجوع مع توقعات بأن الأوضاع الحقيقية أسوأ مما ترصده الأرقام بكثير.

موجة الجوع التي تفاقمت في العالم خلال السنوات الأخيرة طالت 30% من سكانه بمعدل 2.4 مليار فرد خسروا إمكانية الوصول المستمر إلى الغذاء كلما احتاجوا إليه، بجانب 42% من السكان باتوا غير قادرين على تناول الغذاء الصحي بسبب ارتفاع تكاليفه.

وبحسب التوقعات التي أُعدت العام الماضي فإن سنة 2024 ستشهد تدهوراً "كبيراً" في أحوال سكان 18 دولة من أصل 22 دولة سبق تصنيفها كـ"نقاط جوع ساخنة"، تعيش أوضاعاً متدهورة تدفعها بسرعة نحو حافة المجاعة وسط عجز العالم عن التعامل مع هذه المشكلات الضخمة.

كذلك فإن 46 دولة جاهدت لتحسين وضعها في مؤشرات الجوع العالمية لكنها لم تصل إلى درجة "منخفضة" بسبب الأزمات الكبيرة التي تعرضت لها وعانَى منها الملايين من ساكنيها.

نتيجة لهذه الأوضاع؛ اعتبر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم، أن تحقيق أهداف "مبادرة 2030" يمثّل تحدياً هائلاً بعدما قدّر أن عدد الذين سيُعانون من الجوع في هذه السنة لن يقل عن 600 مليون فردٍ في أفضل الأحوال.

الأمر ذاته تعرّض له مؤشر الجوع العالمي في تقريره السنوي، حيث أن العالم ليس على المسار الصحيح للقضاء على الجوع.

 

إحصائيات مخيفة

وفق تقديرات الأمم المتحدة عن حالة الجوع في 2023، فإن متوسط عدد الأشخاص الذين واجهوا الجوع بلغوا 735 مليون شخصٍ تقريباً بزيادة قدرها 122 مليون فردٍ عن عددهم في 2019. كما تؤكد ذات التقديرات أن 148 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم و45 مليوناً من الهزال بسبب سوء التغذية.

ورغم أن جهود مواجهة الجوع حققت تقدماً في بعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية فإن دول أخرى في منطقة البحر الكاريبي وأفريقيا عانت من ارتفاعٍ كبير في مستويات الجوع.

قارة أفريقيا تحديداً تعاني من أزمة غذائية كبرى حتى أن دولها شغلت المراكز العشر الأولى في مؤشر الفقر بعدما مرّت بنزاعات عسكرية طويلة تزامنت مع أزمات مناخية زادت من معاناة السكان؛ هي: جمهورية أفريقيا الوسطى، مدغشقر، اليمن، الكونغو، ليسوتو، النيجر، تشاد، غينيا بيساو، ليبريا، سيراليون، مع تأكيدات عن وجود دول أخرى تستحقُّ مكاناً بارزاً في هذه القائمة لو توفّرت الإحصائيات الرسمية المناسبة، مثل: الصومال وبوروندي وجنوب السودان.

 

دول الحروب والجوع

السودان الذي يعيش حرباً أهلية منذ سنة تقريباً سقط عميقاً في تداعيات هذا القتال الذي حرم ملايين السودانيين من زراعة أراضيهم، وعطّل حركة الاستيراد ورفع الأسعار بشكلٍ كبير وقيّد دخول المساعدات الإنسانية إلى البلاد.

جراء ذلك دخل حوالي 18 مليون سوداني في دائرة الجوع الحاد، وفق ما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).

وبحسب إحصائيات دولية فإن 730 ألف طفل سوداني يعانون من سواء التغذية الشديد، من بينهم أطفال دارفور، حيث يموت منهم طفل كل ساعتين في مخيمات النازحين بسبب سوء التغذية، كذلك فإن 9 من بين كل 10 أفراد في مناطق الصراع الساخنة يعيشون انعدام الأمن الغذائي.

ويبدو أن هذه المشكلة لن تُحلّ قريباً في ضوء غياب الإرادة الدولية لذلك؛ فمن 2.7 مليار دولار أعلنت الأمم المتحدة احتياجها لها لإغاثة المتضررين السودانيين لم تتلقّ سوى 144 مليون دولار فقط.

كذلك هاييتي التي تعيش أوضاعاً شديدة الاضطراب منذ مقتل الرئيس جوفينيل مويز في يوليو 2021، بسبب أعمال الاقتتال الداخلي التي أسفرت عن مقتل الآلاف ونزوح مئات الآلاف من بيوتهم.

حالياً يعيش أكثر من 360 ألف نازح في هاييتي -المُصنّفة كأفقر دولة في الأميركيتين- ظروفاً مروعة يعجز العالم عن حلّها بالشكل الناجز بسبب سيطرة العصابات على الطرق الرئيسة واستيلائها المنتظم على المساعدات التي ترد من الخارج، الأمر الذي وضع هاييتي في أسوأ أزمة جوع عرفتها في تاريخها.

وفقاً للأمم المتحدة فإن أكثر من نصف سكان هاييتي (5.2 مليون فرد) بحاجة ماسة للحصول على طعام. ووفق دراسة أُجرتها منظمة إنسانية منتصف العام الماضي يعاني 97% من أسر المشاركين بها من الجوع الشديد.

أما قطاع غزة الفلسطيني الذي يعيش حرباً ضارية منذ أكتوبر 2023، فإنه يعاني أزمة غذائية ضارية قادته لحافة المجاعة بعدما توفي قرابة 27 طفلاً بسبب الجوع. وبحسب تقرير دولي فإن 1.1 مليون شخص في غزة -نصف السكان تقريباً- استنفدوا بالكامل إمداداتهم الغذائية و300 ألف فردٍ منهم سيدخلون في مجاعة خلال أيامٍ معدودة، كما أن واحداً من بين كل ثلاثة أطفال يعانون من سوء التغذية الحادة التي قد تؤدي بهم للموت.

إلى الصومال الذي يعيش أوضاعاً صعبة هو الآخر بسبب ظروف الحرب والمناخ القاسي الذي يعانيه منذ سنوات. فقد وصل عدد الأشخاص الذين يُعانون الجوع نحو 4.3 مليون فرد من بينهم مليون شخص مهدد بالمجاعة.

كذلك فإن الاضطرابات الكبرى التي تعيشها جمهورية الكونغو دفعت ربع السكان (قرابة 23.4 مليون) إلى أزمة جوع غير مسبوقة، هذه الأوضاع الصعبة دعت برنامج الأغذية العالمي لإعلان حاجته إلى 548.5 مليون دولار لمواصلة عملياته في الكونغو.

وكان برنامج الأغذية العالمي أصدر توقعات متشائمة عن الأوضاع في أفريقيا، منها زيادة كبيرة في أعداد الجياع في دول غرب ووسط أفريقيا لتصل إلى 49.5 مليون فرد في منتصف 2024.

بالإضافة إلى توقع بأن 8 من بين كل 10 أطفال لا يأكلون الحد الأدنى من معدلات الغذاء العالمية، 2 من بين كل 3 أسر لا تملك ما يكفي لتوفير الغذاء الكاف، وتوقعات مؤكدة بتزايد عدد الأطفال الذين يعانون من الهزال الشديد بسبب قِلة الطعام الذين بلغ عددهم 1.9 مليون طفل في 9 دول أفريقية نهاية العام الماضي.