عاش الدروز في منطقة الشام منذ القرن العاشر الميلادي/ وكالة الصحافة الفرنسية
عاش الدروز في منطقة الشام منذ القرن العاشر الميلادي/ وكالة الصحافة الفرنسية

تركيا - محمد النجار:

في ظل الحرب القائمة في سورية، توزع عدد هائل من الجماعات السياسية والدينية على خط النزاع، إما مساندة للنظام أو معارضة له. لكن طائفة واحدة تميزت عن الباقي فلم تتدخل فيما يحدث.

"الفرقة الناجية" هو الاسم الذي أطلق على طائفة الدروز في سورية كونهم نجوا بأنفسهم من الصراع في البلاد، في وقت كانت فيه جماعات كثيرة تفنى من حولهم. هذا، رغم أن بعض أبنائهم شاركوا في الحرب باعتبارهم جنودا في جيش بشار الأسد.

نشأة الدروز

ينحدر الدروز، كما يعتقد العديد منهم، من قبائل عربية استقدمها الخلفاء العباسيون في القرن العاشر الميلادي للدفاع عن الساحل السوري بوجه الحملات الصليبية.

حافظوا على وضعهم في بلاد الشام رغم تعاقب الدول: العباسيون، الفاطميون، المماليك، العثمانيون. ورغم انضوائهم تحت لواء الخلافة الإسلامية على اختلاف أشكالها، فقد تميزوا بالنزعة التمرّدية على السلطة المركزية. لم يكن يتعلق بانشقاق سياسي، بل من أجل تفادي دفع الضرائب مما دفع البعض منهم إلى الدخول في سلسلة من العصيان المتواصل.

يقدّر عددهم بمليوني شخص تقريباً حول العالم، وتشكل سورية أكبر تجمّع سكاني لهم، حيث يقدرون بنحو 700 ألف نسمة أي 3 في المئة من السكان تقريبا. ويستقرون أساسا في محافظة السويداء معقلهم الرئيسي. وفي لبنان يقدر عددهم بـ400 ألف، فيما يقيم 133 ألفا منهم في إسرائيل ويخدمون في جيشها، كما يوجد في منطقة الجولان 18 ألف درزي.

تميّز الدروز

أبرز ما يميز الدروز في مختلف الأزمات وحدة صفهم وتركيبتهم العشائرية المنسجمة. فاقتصارهم على الزاوج من بعضهم البعض ساهم في تقوية روابط الدم بينهم. ويحظر الزواج من طائفة غير الطائفة الدرزية. وفي حال تزوج أحدهم من طائفة أخرى تتبرأ منه عائلته وعشيرته، والطائفة بأكملها.

اختلف الدروز فيما بينهم في مواقفهم من مختلف القضايا والتحديات التي واجهت المنطقة، وكان قرارهم دائما يحتفظ بنوع من الخصوصية التي تضمن بقاءهم وعدم خسارتهم لأي شيء من مكتسباتهم وخاصة أرضهم.

فعندما قامت ثورة الأمير الدرزي سلطان باشا الأطرش عام 1925 بوجه الانتداب الفرنسي في منطقة جبل الدروز في سورية، بقي دروز لبنان على الحياد ولم يقاوموا السلطات الفرنسية، رغم ان الثورة امتدت إلى لبنان.

شيوخ من الطائفة الدرزية في لبنان/ وكالة الصحافة الفرنسية

​وكذلك الأمر فيما يخص موقفهم من الصراع العربي الإسرائيلي. ففي حين أعلن الزعيم اللبناني/ الدرزي الراحل كمال جنبلاط دعمه للفلسطينيين ولمنظمة التحرير، استمر دروز اسرائيل بانتهاج سياسة معاكسة تماماً لتوجه كمال جنبلاط، وتجنبوا الصدام مع الدولة العبرية التي منحتهم بدورها نوعاً من الاستقلال الذاتي.

 

دروز إسرائيليون يحتجون على بناء خط أنابيب غاز على أراضيهم شمال إسرائيل/ وكالة الصحافة الفرنسية

​​​الدروز و"الربيع العربي"

مع اندلاع الاحتجاجات في سورية، وجد الدروز أنفسهم في ورطة. ورغم أن العديد من أبناء الطائفة، كانوا جنودا في الجيش السوري، إلا أنه لم تسجل حالات تجنيد واسعة في الدروز كطائفة. 

أما عبر الحدود، فقد أيد أكثرية دروز لبنان موقف أبرز زعمائهم، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي دعم الاحتجاجات ضد الأسد.

برهن الدروز، بعد العديد من التحديات والأحداث، أنهم قادرون على النجاة من الحروب والغزوات المتلاحقة التي غيرت معالم المنطقة دون أن تمس وجودهم. وعلى عكس الكثير من المجموعات التي دخلت في دوامة الصراع على السلطة في سورية، فضل الدروز ان يكونوا "الفرقة الناجية". 

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".