لاجئة سورية في تركيا/ وكالة الصحافة الفرنسية
لاجئة سورية في تركيا/ وكالة الصحافة الفرنسية

تركيا - أحمد المحمود:

لم تغير هجرة السوريين إلى بلدان اللجوء التركيبة الديمغرافية والاجتماعية لسورية فقط، بل غيرت الكثير من العادات الاجتماعية في محاولة اللاجئين التكيف مع ظروفهم الجديدة.

وجدت النساء أنفسهن أمام مسؤولية كبيرة. ففي تركيا وبالرغم من صعوبات العمل التي يعانيها معظم السوريين، يبدو حضور المرأة في مجال العمل لافتا. كثير من السوريات استطعن تخطي الحدود التقليدية التي كانت تحكمهن من قبل. وصار من النادر أن تجد امرأة غير عاملة.

ويبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في تركيا حوالي مليونين و957 ألفاً، منهم 205 آلاف من الإناث حسب المديرية العام لإدارة الهجرة التركية. ويتوزع معظمهم في مدن الجنوب وبعض مدن الشمال.

رحلة البحث

نور فتاة في الـ23 من عمرها قررت بعد تخرجها من كلية الإعلام الهجرة إلى تركيا، لتبدأ رحلة البحث عن عمل. تقول "سافرت إلى تركيا لأجد فرصة عمل جيدة. في سورية كان من المستحيل أن أعمل بمجالي دون أن أتعرض لخطر، أو أعرض عائلتي له كما أن ظروف العمل في سورية سيئة من جميع النواحي".

وصلت نور إلى تركيا بعد رحلة تهريب شاقة وخطرة، وهي مندفعة بحماس لتبدأ حياة جديدة بعيدة عن الحرب، وتعيش لأول مرة بشكل مستقل عن عائلتها.

"قطنت في غازي عنتاب (جنوب تركيا)، وبدأت بالعمل في وكالة إخبارية. كان الدخل ضعيفا، والدوام منهكا، يصل إلى 12 ساعة في اليوم، فيما كانت العطلة يوما واحدا في الأسبوع. شعرت للحظة من اللحظات أنني أتعرض للاستغلال، وأن أصحاب العمل يستغلون حاجتي للمال. لكن، لم يكن لي خيار آخر غير الاستمرار تحت ظروف الغربة القاسية".

الاستقلال المادي حرية

رغم ظروفها، وجدت نور في العمل، فضلا عن الاستقلال المادي، نوعا من المتعة والحرية. تقول "شعرت للمرة الأولى في حياتي أنني منتجة، وأنني قادرة على تغطية نفقاتي وإيجار المنزل ومساعدة عائلتي بعض الأحيان".

وتتابع "هذا الاستقلال جعلني أكثر حرية وأعطاني دافعا للاستمرار. انتقلت بعدها للعمل في اسطنبول، بظروف أفضل بكثير من سابقتها، وبمكان لم أكن لأصل إليه لو بقيت داخل سورية".

لسوسن ذات الـ25 عاماً، قصة مشابهة. تركت سوسن سورية سنة 2014 مرغمة، بعد تعرضها للملاحقة من قبل الأمن السوري بسبب مشاركتها في المظاهرات. لم تكن سوسن تخرجت من الجامعة حين وجدت نفسها غريبة في مدينة مرسين (جنوب تركيا) تبحث عن عمل تعيل به نفسها. وبعد بحث استمر قرابة الشهر، اضطرت للعمل في متجر لبيع الملابس".

تقول سوسن "كنت أدرس العلوم في سورية. لم أستطع أن أكمل دراستي (في تركيا)، كما لم أستطع العمل في مجال دراستي. لم أتوقع أن يصل بي الأمر لأبيع الملابس".

استمرت سوسن في العمل بالمتجر سبعة أشهر، بدوام يزيد عن 10 ساعات في اليوم. تقول "كنت أعود للمنزل منهكة. لم أستطع أن اتابع تعليمي، لكن عملي في المتجر قوى لغتي التركية. أصبحت أستطيع التعامل مع الأتراك بشكل أسهل".

وتتابع "تغيرت بعدها حياتي حين حصلت على منحة من جامعة باسطنبول لإتمام تعليمي، واستطعت بعدها أن أنطلق للحياة بشكل أفضل".

وتختم سوسن قائلة "في الغربة، نُسفت كل تلك المعايير التي كانت تحكمنا كفتيات في سورية، وأننا لا نستطيع أن نعيش بشكل مستقل".

الغربة تغيّر المفاهيم

تنحدر تسنيم، 26 عاما، من أسرة محافظة. تركت هي وعائلتها مدينتها حلب سنة 2014، وانتقلت للعيش في تركيا. تقول "كان أبي يمنعني أحيانا من الذهاب إلى الجامعة. أتممت تعليمي بصعوبة، وحين وصولي إلى تركيا لم أظن أنه سيدعني أعمل في بلد غريب! فهو كان ضد فكرة عمل المرأة بشكل عام".

تمكنت تسنيم بداية الأمر من التطوع في فريق إغاثي لمساعدة اللاجئين السوريين. تقول "تطورت علاقاتي بعدها، وعُرض عليّ العمل في إحدى المنظمات. وجدت صعوبة في إخبار عائلتي في البداية لأتفاجأ بدعمهم لي. أقوم اليوم بمساعدة عائلتي في مصروفهم اليومي".

وتتابع تسنيم "تغيرت العديد من المفاهيم لدى مجتمعنا. ففي الوقت الذي كان يمنعني والدي من العمل حين كنا بالداخل السوري، دعمني حين وجدت عملا هنا قائلاً إننا علينا أن نعمل جميعاً لنستطيع العيش بمستوى جيد، وإن مكوثي في المنزل لن يكون ذا فائدة".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.