قتل تنظيم داعش 700 من أبناء عشيرات الشعيطات صيف سنة 2015/Courtesy Image
قتل تنظيم داعش 700 من أبناء عشيرات الشعيطات صيف سنة 2015/Courtesy Image | Source: Courtesy Image

تركيا - أحمد المحمود:

قبل سنتين، ارتكب تنظيم داعش إحدى أكثر المجازر وحشية في سورية. كان ضحيتها عشيرة الشعيطات في محافظة دير الزور، وهي إحدى أكبر العشائر السنية في البلاد. وأصدر التنظيم، في صيف سنة 2015، حكماً بالقتل على كل من يتجاوز عمره 14 عاماً من أبناء العشيرة مع مصادرة أراضيهم وبيوتهم وسبي نسائهم.

الخروج من الجحيم

خطاب الشعيطي، 30 عاما، لم ينس إلى الآن تفاصيل المجزرة. يشبه نجاته بالخروج من الجحيم والوصول إلى الجنة. ونجح خطاب في الفرار من ريف دير الزور، معقل العشيرة، إلى مدينة أعزاز شمال حلب. فبعد الهزيمة، استطاع بالاتفاق مع أحد المهربين الحصول على جواز سفر مزور يشير إلى أنه من مواليد مدينة البوكمال. وكان داعش أصدر قراراً يقضي بقتل كل من ولد في إحدى قرى الشعيطات الثلاث: أبو حمام، الكشكية وغرانيج. ويقدر عدد سكانها بأكثر من 100 ألف نسمة.

​​

​​

بدت علامات الاضطراب واضحة على خطّاب، وهو يتذكر تفاصيل المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 700 شخص، فضلاً عن اختفاء المئات. يقول " استغربنا مع بداية عام 2013 وجود جماعات تحمل فكرا مشوها ومختلفا عن الثورة. معظم تفكيرهم عن القتل والدمار بحجة الدين".

ويتابع "أول ما دخلوا كانوا متغلغلين في صفوف الجيش السوري الحر وقالوا نحن نقاتل معكم. ولكنهم كانو يمنعون عناصرهم من الاختلاط بنا. ولاحقاً قاموا باغتيالات القيادات".

بدأ القتال بين داعش وعشيرة الشعيطات في صيف عام 2014. واستطاع مقاتلو العشيرة دحر التنظيم إلى الشمال، وسيطروا على بلدتي مركدة والشدادي في الريف الشمالي الشرقي لدير الزور. طلب التنظيم هدنة بعد مقتل عشرات العناصر من الجانبين، وهو ما وافقت عليه العشيرة مقابل تسليم الأسرى وتخلي الشعيطات عن السلاح الثقيل. لكن الهدوء لم يستمر طويلاً بعد أن سيطر التنظيم على مدينة الموصل في العراق، فاستقدم الآليات العسكرية والذخائر وعزز وجوده في المنطقة.

​​

​​عمل داعش خلال فترة الهدنة على نشر عناصره بين المدنيين في القرى الثلاث. وازدادت وتيرة التجاوزات بحق المدنيين. لكن الحادثة التي فسخت الهدنة كانت اعتقال داعش لأحد أبناء الشعيطات (محمد رجب) في ليلة زفافه. قام عناصر التنظيم بذبحه أمامه أهله، ما دفع الأهالي إلى الانتفاض في وجه داعش واقتحام مقراته، لتعود معها الاشتباكات لكن هذه المرة بموازين غير متعادلة.

المعركة الأخيرة

يقول خطاب، وهو ينفخ دخان سيجارته بعيداً "بعد أن قتلوا محمد، أيقنا بأن القتال الآن خير من غد، خاصة وأن داعش كان يزداد قوة. أخرجنا السلاح الذي خبأناه وهاجمناهم". استمرت المعركة 22 يوما. "استطعنا الدفاع عن مناطقنا لكن ذخائرنا بدأت تنفذ. ونصب داعش المدافع على المرتفعات التي تطل على قرانا وبدء بقصفنا بعشوائية، ناشدنا بقية العشائر لمؤازرتنا، ولكن لم تستطع فعل شيء"، يوضح خطاب.

ويتابع الشاب السوري "قررنا بعد مقتل عشرات المدنيين، أغلبهم من النساء، تسليم المنطقة في سبيل حماية المتبقين. لكن داعش قام بقتل الجميع، حتى النساء.. قٌتل واختفى من عشيرتنا الآلاف".

جرائم غير مسبوقة

"حوادث القتل التي ارتكبها داعش في حق المدنيين لا يمكن نسيانها" تتذكر عبير إحدى نساء العشيرة. بعد انتهاء القتال بالكامل، سمح التنظيم لبعض أفراد العشيرة بزيارة قراهم التي هجرهم منها. "دخلنا إلى قريتنا غرانيج بعد أن ذبح فيها داعش 300 مدني. ملأت رائحة الموت المكان. معظم الضحايا قتلوا ذبحاً بعد أن ربطت أيديهم خلف ظهورهم، ثم ألقوا في قنوات الصرف الصحي".

​​

​​

ويذكر أهالي المنطقة قصة الشاب جاسم الذي آتى من السعودية خلال فترة العيد، والتي تزامنت مع هجوم داعش. أوقفه حاجز للتنظيم عند ناحية العشارة، وعندما علم حرس الحاجز أن أصله من قرية الشعيطات قبضوا عليه وصلبوه على شجرة.

بعد مرور سنتين على المجزرة بحق عشيرة العشيطات، يأمل خطاب أن يعود إلى قريته، بعد تطهيرها من داعش.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية
صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية

عادت العلاقات المُتأرجحة بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى واجهة الأحداث مجدّداً، بعد المواجهات الأخيرة في ريف دير الزور بين ضفّتي منطقة الجزيرة والشاميّة، حيث يتقاسم الطرفان السيطرة فيها منذ عام 2017.

انعكست بشكل سريع في بقعة جغرافية ليست بالبعيدة، وتحديداً في مدينة الحسكة المجاورة، التي يتقاسم الطرفان السيطرة فيها أيضاً، لكن بشكل أكثر تداخلاً وحساسية من الوضع في دير الزور.

استطاعت القوات الكردية -المكوّن الأساسي لِقسد- التمدّد سريعاً في مدينة الحسكة، منذ سيطرتها على بضعة أحياء في أطرافها الشمالية بين عامي 2012 و2014، حتى تموضعها بأحياء الجنوب والجنوب الشرقي ووسط المدينة في العام 2015، وتحديداً بعد طرد فلول تنظيم داعش التي هاجمت الحسكة صيف العام نفسه.

وعلى نحوٍ دراماتيكي، باتت سيطرة حكومة النظام تنحصر فقط في منطقة "المربع الأمني" وسط المدينة، التي تضم عدة أحياء صغيرة وشوارع رئيسة، فيها دوائر حكومية ومبنى القصر العدلي وأفرع المخابرات والتجنيد.

إثر المواجهات الأخيرة في دير الزور، حاصرت "قسد" المربّع الأمني ومنعت قوات النظام من الدخول والخروج وإدخال الإمدادات الغذائية والمياه، فانعكس ذلك على سكان تلك المنطقة الذين "يعانون الأمرّين" جرّاء معيشتهم في مدينة واحدة تحكمها "دولتان" وفق تعبير البعض ممن التقيناهم.

غالبية سكّان مدينة الحسكة يقطنون في أحياء تسيطر عليها "قسد" وذلك لعدة اعتبارات، أهمّها ابتعادهم عن سطوة الفروع الأمنية التابعة للنظام السوري وهروب الشباب من حملات التجنيد، بالإضافة لوضع الخدمات الجيّد نسبياً مقارنة بمنطقة المربّع الأمني.

غير أن ازدواجية العيش في مدينة الحسكة التي تظهر عبر أشكال مختلفة، تجعل السكّان يعيشون "تناقضاً صارخاً" كما يقول الناشط المدني عبد الرحمن بكرو، الذي يعيش في القسم التابع لـ"قسد".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن  "الأهالي والسكّان كانوا يأملون أن تسيطر الإدارة الذاتية على كامل أحياء الحسكة، لينتهي هذا الصراع المتجدّد بين طرفين يحكمان أحياء متداخلة داخل مدينة واحدة".

كما أن الكثير من السكان في مناطق سيطرة "قسد"، يتابع بكرو "هم موظفون في دوائر حكومية تابعة للنظام السوري، ويقبضون رواتبهم الشهرية منه، الأمر الذي يجبرهم على إنجاز التعاملات القانونية والأمنية مرتين، مرة في مناطق سكنهم، وأخرى في مناطق عملهم".

يبيّن: "هذه المشكلة تزداد تعقيداً مع وجود بعض الكليات والمعاهد والمدارس في منطقة سيطرة النظام السوري، ما يضطر الطلاب إلى استخلاص تأجيل دراسي من شعبة التجنيد التابعة لحكومته، كما يقومون بإنجاز أوراق مشابهة في مناطق سكنهم الأصلية".

"إذاً، عليك القيام بكل واجباتك القانونية لدولتين في وقت واحد"، يقول بكرو.

 

المدنيون "يدفعون الثمن"

بحسب بعض سكان الحسكة الذين تحدث إليهم "ارفع صوتك"، فإن الشارع الواحد داخل المدينة (مثلاً طوله نحو 300 متر)، قد يضم حاجزين أمنيين، أحدهما تابع لشرطة "قسد" وتُدعى "الأسايش"، والآخر يتبع النظام.

يقول عباس سلو (46 عاماً)، إن هذا الأمر يسبب ضغوطات كبيرة على السكان، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "تتميز الحسكة بأنها مدينة صغيرة جداً، وأحياؤها متداخلة بشكل كبير جداً، لذلك فإن التنقل بين شارع وآخر ضرورة لا مفرّ منها".

"لا سيما أن النظام السوري يسيطر عملياً على قلب المدينة، بما تحويه هذه المنطقة من دوائر حكومية وأسواق رئيسية. لا يمكن لسكان الحسكة أن يقولوا (لن نمرّ من هناك)"، يتابع سلو.

يعود آخر تاريخ للمواجهات المسلّحة بين "قسد" وقوات النظام في الحسكة إلى ربيع 2021، ورغم ذلك، فإن الأهالي يعبّرون دائماً عن تخوّفهم من أنّ أي توتّر بين الجانبين في أيّ مكان من نقاط التماسّ بينهما، سينعكس سلباً على حياة المدنيين واستقرارهم.

وأدّت المواجهات السابقة بين الطرفين إلى وقوع ضحايا بين المدنيين، يقول كمال راضي، من سكان حي المحطّة وسط الحسكة "ذنبهم الوحيد أنّهم تواجدوا خلال اشتعال فتيل المناوشات".

يوضح راضي (39 عاماً): "المناوشات بين الجانبين في دير الزور تحصل عادةً بين ضفتي النهر، وهذا يعطي المدنيين فرصة للفرار من مناطق التوتر، أما في الحسكة، فلا يبعد الحاجز العسكري لقسد سوى بضعة أمتار عن حواجز النظام السوري، ما يعني حتميّة الإضرار بالمدنيين في المنطقة، مع عدم وجود فرصة للهروب".

وخلال الحصار الأخير لمنطقة المربع الأمني في مدينة الحسكة، قال سكان مدنيون إنهم تضرّروا بشكل واسع جراء القيود على دخول سيارات الشحن بما تحمله من مواد غذائية وعبوات مياه الشرب.

هذا الأمر، أدى لرفع أسعار بعض المواد الغذائية قبل أن تعود تدريجياً إلى معدّلاتها السابقة.