مقاتل من المعارضة في محافظة إدلب/ وكالة الصحافة الفرنسية
مقاتل من المعارضة في محافظة إدلب/ وكالة الصحافة الفرنسية

تركيا - محمد النجار:

تزامناً مع اتساع رقعة المناطق السورية التي وقّعت على اتفاقات خفض التصعيد، تشهد مدينة إدلب أكبر معاقل المعارضة شمالي سورية، هدوءا حذراً يُنذر بالعاصفة في أية لحظة. وهو ما يشكّل الهاجس الأكبر للمدنيين في المحافظة التي خرجت عن سيطرة النظام في شتاء عام 2015.

ووسط الهدوء الذي يهم مختلف الجبهات في البلاد، يبدو التركيز من جانب النظام السوري وروسيا وحتّى التحالف الدولي، قويا على هذه محافظة إدلب لعدّة أسباب على رأسها وجود فصيل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) كقوّة ضاربة سيطرت على ثلاث أرباع المدينة مؤخّراً، عقب معاركها التي كسبتها على حساب الفصيل المنافس حركة أحرار الشام.

​​

​​

ومن المعروف أن "هيئة تحرير الشام" تصنف منظّمة إرهابية بموجب لوائح مجلس الأمن الدولي وعدد آخر من الدول بينها الولايات المتحدة الأميركية. وتضع معظم ثقلها في إدلب، التي تأوي قرابة مليوني شخص من سكّان المدينة و المدنيين المهجرين من حزام دمشق.

تأوي إدلب قرابة مليوني شخص هم سكّان المدينة ومدنيون هُجّروا من حزام دمشق/إرفع صوتك

​​​نكسة إدلب

تعيش عموم الجبهات التي كانت مشتعلة بين "حركة أحرار الشام" و"هيئة تحرير الشام" هدوءاً حذراً، عقب أسابيع دامية دارت خلالها مواجهات عنيفة بين الطرفين، انتهت بتمدّد مسلّحي "الهيئة" على حساب مقاتلي "الحركة".

وأدّى هذا التوسّع إلى خيبة آمال عدد كبير من سكّان المحافظة الشمالية، الذين يعتبرون أن الهيئة لا تحقّق طموحات "الثورة" من جهة، كما أنها قد تجلب عليهم حربا دولية من جهة ثانية، وفقا ما يشير لـ(إرفع صوتك) الناشط الإعلامي ناجي علاء الدين، الذي كان شاهداً على المعارك الأخيرة وخرج لتوّه من سورية.

وقال علاء الدين "بعد المعركة الأخيرة ازداد الوضع سوءاً، لأن سيطرة "تحرير الشام" لم تكن متوقعة من قبل المدنيين داخل محافظة إدلب. وإنما كان متوقعاً أن تكسب أحرار الشام هذه المعركة، لأنها تبنّت علم الثورة السورية وتغيير نهجها والاتجاه نحو الاعتدال".

وكشف علاء الدين أن المدنيين اصطدموا بانتصار الهيئة وسيطرتها على مناطق واسعة، وهو ما بعث تخوّفاً كبيراً في صفوفهم، لافتاً إلى أن المعركة أدّت إلى سيطرة الهيئة على نحو 70 في المئة من محافظة إدلب، في حين تتقاسم فصائل صغيرة الـ30 في المئة الباقية من المحافظة. وتظل هذه الفصائل تحت رحمة هيئة تحرير الشام التي تبقى قادرة بقوّتها على سحقها بسرعة والسيطرة على ما تبقّى من المحافظة.

وأوضح علاء الدين أن ما مثّل نكسة للمدنيين هو أن الهيئة "لم تكن لطيفة إطلاقاً" في التعامل معهم في المناطق التي سيطرت عليها، حيث قامت خلال هجومها باعتقال الناشط عبد الغني عريان المُنحدر من مدينة جسر الشغور والناشط خلف جمعة في مدينة إدلب وقتلت إعلامياً اسمه "مصعب العزو"، كما أصابت عدداً من المدنيين بجراح خلال اقتحامها لمدينة سراقب.

يتخوف سكان إدلب من العواقب التي من الممكن أن تجلبها سيطرة تنظيم مصنف إرهابيا على المدينة/ إرفع صوتك

​​​هجوم متعدّد الجنسيات؟

من داخل مدينة إدلب، أوضح ناشط ومصوّر صحافي (رفض الكشف عن هويته) في حديثه لموقع (إرفع صوتك) أن تخوّف المدنيين يكمن أساسا في العواقب التي من الممكن أن تجلبها سيطرة تنظيم مصنف إرهابيا على المدينة.

وتلقّت محافظة إدلب ثلاثة تهديدات مبطّنة بإمكانية بوشوك تحرك عسكري تجاه المحافظة، حيث قامت طائرات حربية روسية وأخرى تابعة للنظام السوري بإلقاء منشورات تحذيرية فوق سماء مدن وبلدات محافظة إدلب، مفادها أن "إدلب باتت معقلاً كبيراً لتنظيم القاعدة ويجب طردها".

وبعد أيام على هذه الحادثة، وفي مساء الأربعاء 2 أغسطس/آب تحديد، تلقّى سكان إدلب تهديداً يبدو أنه الأكثر جدّية، حيث حذرت الولايات المتحدة من عواقب وخيمة إذا سيطرت "هيئة تحرير الشام" بشكل كامل على إدلب. وقالت إن هذا سيجعل من الصعب عليها إثناء روسيا عن استئناف القصف الذي توقف أخيراً، وفق ما نقلت وكالة رويتر.

وقال مايكل راتني المبعوث الخاص الأميركي في سورية إن الهجوم الأخير الذي شنته هيئة تحرير الشام يعزّز سيطرتها على المحافظة "ويعرّض مستقبل شمال سورية لخطر كبير".

​​

​​

وتابع راتني أن شمالي سورية شهد واحدة من أكبر مآسيه، مشيراً إلى أنه في حال هيمنة جبهة النصرة على إدلب سيكون من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ إجراءات عسكرية.

وأعادت التهديدات الأخيرة شبح الحرب مرة أخرى إلى أذهان سكان إدلب. وقال أبو عماد، وهو من سكّان مدينة سرمين، جنوب مركز المحافظة، لـ"إرفع صوتك": نشعر باستقرار في هذه المدينة منذ أن توقّف القصف. لكنّنا اليوم عُدنا لتجهيز معدّات النزوح، ففي أي لحظة قد تهاجمنا طائرات النظام السوري أو الطائرات الروسية أو طائرات التحالف".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659​

 

مواضيع ذات صلة:

صورة حديثة لأحد مزارعي شمال سوريا بعد حصاد القمح- فرانس برس
صورة حديثة لأحد مزارعي شمال سوريا بعد حصاد القمح- فرانس برس، تعبيرية

لا تزال مناطق شمال شرق سوريا التي تحكمها "الإدارة الذاتية" التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، تعيش حالة غليان وغضب شعبي واستياء كبير في أوساط المزارعين، بعد قرار مثير للجدل بتسعير كيلو غرام القمح بسعر 31 سنتاً.

السعر الجديد اعتبره المزارعون قراراً كارثياً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي ولا سيما المحروقات، في وقت أقرّت الإدارة الذاتية، عبر بيان، أن التسعيرة "قد لا تناسب معايير التكلفة والربح"، مبرّرة القرار بـ"الخناق الاقتصادي الذي تتعرض له جغرافيا مناطق شمال وشرق سوريا وهجمات الاحتلال التركي، مما أثَّر سلبا على الكثير من الموارد المالية".

خلال بيانٍ صحفي.. الزراعة والري توضح سبب انخفاض سعر القمح أصدرت هيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية الديمقراطية...

Posted by ‎الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا‎ on Tuesday, May 28, 2024

وأوضحت "الإدارة الذاتية" في البيان نفسه أنها "اتخذت القرار السليم في الاتجاه السليم في هذه الظروف والأوقات العصيبة التي تمر بها جغرافيا شمال وشرق سوريا".

وكانت أقرّت في العام الماضي سعر 43 سنتاً للكيلو غرام الواحد من القمح، ما اعتبره مزارعون إجحافاً كبيراً بحقّهم، ذلك أن أسعار السماد والمحروقات وأجور اليد العاملة ارتفعت بنسبة كبيرة خلال عام، كما يقول المزارع عبد الرزاق الدخيل، من منطقة الشعيطات شرق دير الزور.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن القرار تسبب بصدمة كبيرة لد ى مزارعي المنطقة، فالسعر الجديد "أقل حتى من السعر الذي يشتري فيه النظام السوري القمح من مناطق سيطرته، وهو 42 سنتاً".

"كأننا تعبنا خلال عام وزرعنا المحصول بالمجان"، يتابع عبد الرزاق، مشيراً إلى أن قسماً كبيراً من المحاصيل أساساً تعرضت للتلف، نتيجة الأمطار الغزيرة التي هطلت في أبريل الماضي.

وتوعّد مزارعون في أرياف الحسكة والرقة ودير الزور ومنبج بتصعيد حراكهم ضد الإدارة الذاتية في حال عدم التراجع عن القرار الجديد، وخرجت مظاهرات ووقفات احتجاجية في مناطق كثيرة بينها عامودا والدرباسية في ريف الحسكة والطبقة والمنصورة بريف الرقة.

ونقل المرصد السوري لحقوق الإنسان صوراً من وقفة احتجاجية لفلاحين في سوق مدينة الدرباسية شمال الحسكة، للتنديد بسعر القمح والمُطالبة بتعديله، ووصفت اللافتات القرار بـ"الظالم"، وبأنه "تجويع" للأهالي.  

 

تأثيرات "كارثية"

تعتمد الغالبية العظمى من مزارعي القمح في الشرق السوري على محصولهم من "الذهب الأصفر" لتلبية احتياجاتهم المعيشية، وسط شحّ الموارد الاقتصادية في المنطقة.

ويعوّلون كل صيف على واردات بيعهم لمحاصيل القمح، لتعينهم على مصاريف عام كامل بعد سداد ديونهم، بحسب المزارع حيان الخزعل من منطقة المنصورة غرب الرقة.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن زارع القمح يعيش طيلة العام بالدَّين، على أمل السداد بعد جني المحصول، لكن "هذا العام، فالمبلغ الذي نحصله بحسب التسعيرة الجديدة، بالكاد يكفي لسداد الديون المترتّبة من شراء المحروقات والسماد ودفع أجور اليد العاملة".         

ويتوقع حيّان أن "يتناقص محصول القمح في شرق سوريا إلى النصف في العام القادم، إذا لم يتم تعديل القرار أو إعطاء ضمانات للفلاحين بتعديل التسعيرة".

يُذكر أن تسعيرة القمح تناقصت بشكل لافت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في مناطق الإدارة الذاتية، حيث اشترت الكيلو الواحد من الفلاحين بـ 55 سنتاً في عام 2022، وبـ43 سنتاً في 2023، وبـ31 سنتاً في العام الحالي.

يرى الباحث الاقتصادي حيّان حبابة، أن رفع التسعيرة سيفرز تأثيرات "كارثية"، موضحاً لـ"ارفع صوتك": "برزها تغييب الحافز الاقتصادي لدى المزارعين، الذين يمكن أن يتحولوا إلى زراعة محاصيل أخرى غير القمح تكون أقل تكلفة وأكثر ربحاً".

كما أن عزوف المزارعين عن إنتاج محصول القمح "سيخلق عدة مشاكل في مناطق شمال شرق سوريا، أبرزها انتشار البطالة، وأخطرها دفع فئة كبيرة من سكان تلك المناطق إلى الهجرة منها بدافع البحث عن فرص حياة أفضل، ما يجعل القرار أشبه "بعملية تهجير ممنهجة"، بحسب حبابة.

ولا يستبعد أن يكون إقرار التسعيرة تم "بعد دراسة للاستفادة من محاصيل الفلاحين، بالاتفاق مع تجار عراقيين وآخرين تابعين للنظام السوري، بحيث يتم شراؤه بـ 31 سنتاً، وبيعه لوسطاء تابعين للنظام السوري بـ43 سنتاً، أو لتجار عراقيين بـ65 سنتاً (وفق التسعيرة المحلية في العراق)".

وخلال السنوات الفائتة، واجهت الإدارة الذاتية اتهامات بتهريب مئات الأطنان من القمح للنظام السوري عبر تجار وسطاء أبرزهم عائلة القاطرجي، في محاولة للالتفاف على عقوبات قانون "قيصر" الأميركي الذي يمنع التعاملات الاقتصادية مع دمشق.

من جهته، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن قرار الإدارة الذاتية كأنه "تقديم محصول القمح على طبق من ذهب للنظام السوري".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "من الممكن وجود تفاهمات معينة بهدف بيع المحصول للنظام السوري سواء بشكل مباشر أو عن طريق التهريب وبالمقابل الحصول على مكاسب أخرى للإدارة الذاتية في مواضيع أخرى".

ويمكن الاستدلال على ذلك، يبيّن المغربل، بأن مساحة الأراضي المزروعة للقمح في سوريا عام 2010 كانت تُقدَّر بـ1599 ألف هكتار، انخفضت عام 2021 بشكل بسيط إلى 1567.3 ألف هكتار (−2%)، وعام 2023 كانت المساحة المخطط زراعتها هي 1493 ألف هكتار(−6.6%)، بينما كان ما تم تنفيذه في مناطق النظام في الموسم الأخير (2023-2024) هو 536 ألف هكتار، أي الثلث تقريباً، مقارنةً بالمساحة المخطط زراعتها في عموم البلاد.

بالتالي، يواجه النظام السوري عجزاً واضحاً في المحصول يحاول ترميم ما يمكنه منه من خلال شرائه للمحصول من الإدارة الذاتية"، كما يرجّح المغربل.