لاجئة سورية في مخيم الركبان على الحدود السورية الأردنية/وكالة الصحافة الفرنسية
لاجئة سورية في مخيم الركبان على الحدود السورية الأردنية/وكالة الصحافة الفرنسية

تركيا -محمد النجار:

يعقد كل سوري حاجبه بمجرد ما يسمع بـ"مخيّم الركبان" في المنطقة العازلة بين الأردن وسورية، سواء كان مقيماً داخله أو لا، لأنه حتماً سيسمع خبراً حزيناً أو مصيبة جديدة. فلا أخبار فرحٍ في المخيّم سيء الصيت. عشرات آلاف السوريين داخله يعدّون الأيام والساعات والدقائق كمن يعيش داخل سجنٍ ضيّق. يصفه السكّان المحليون بأنه "أسوأ مكان على وجه الأرض للعيش".

كل الأخبار الواردة من المخيّم لا تخرج عن الحصار أو النقص الحاد في المساعدات الغذائية أو وفاة أطفال وشيوخ بسبب عدم وجود رعاية صحية أو إطلاق نار عشوائي على المدنيين خلال اشتباكات عشائرية ومواجهات بين الفصائل الموجودة على الأرض. ويدير جيش أحرار العشائر، وهو فصيل سوري معارض مسلح، المخيم بدعم أردني.

أطفال بلا رعاية صحية

"لا يوجد مشفى ولا كادر طبي ولا أدوية ولا أجهزة ولا معدّات ولا أي نوع من أنواع الرعاية الصحية"، بهذه الكلمات يفتتح "الطبيب" الوحيد الموجود داخل المخيّم حديثه لـ(إرفع صوتك).

عماد غالي شاب سوري كان يدرس في السنة الثانية في كلية طب الأسنان. لكن الظروف التي مرّ بها جعلته يلجأ إلى المخيّم. وتحت ضغط عدم توفّر أي طبيب اضطر إلى تسلّم هذه المهمّة.

يقول غالي "لدينا في هذا المخيّم مركز طبّي وحيد، وهو عبارة عن خيمة متواضعة فيها مجموعة ممرّضين ولا يوجد داخلها أي طبيب. المركز مخصّص لـ73 ألف شخص، وغير مجهّز بأي معدّات للفحص والتحليل والتصوير الإشعاعي وليس فيه معقّمات ولا أي من الأدوات الطبية اللازمة".

خلق هذا الواقع ازدحاماً شديداً على المركز. ويفترض أن يكون هناك على الأقل 20 مركزاً ومستوصفاً لهذا العدد الهائل من النازحين، فضلاً عن مستشفى كبير مجهّز بأدوات طبية متقدّمة. وبات الأطباء داخل المخيّم حائرين حول كيفية تشخيص الحالات لتقييم نوع المرض وكيفية معالجته.

الأردن تغلق حدودها

قصة الأردن مع مخيّم الركبان الملاصق لحدودها طويلة جداً. بدأت منذ إقدام تنظيم "داعش" على تفجير سيارة مفخّخة في محيط المخيّم في 21 يونيو/حزيران عام 2016، الأمر الذي أدّى إلى إصابة عدد من الجنود الأردنيين، ودفع البلاد إلى إغلاق حدودها واعتبارها منطقة عسكرية. قالت الأردن حينها "إن المخيّم بات مرتعاً لتنظيم الدولة".

أغلقت الأدرن حدودها واعتبرتها منطقة عسكرية بعد تفجير نفذه داعش في محيط مخيم الركبان/وكالة الصحافة الفرنسية

​​​​عقب ذلك، تمكّن برنامج الأغذية العالمي من إدخال المساعدات إلى المخيّم. ولكن حادثة التفجير انعكست على التعامل الأردني مع النازحين بشكلٍ عام، بعدما تسببت في إغلاق الحدود. فقضى عدّة أطفال نحبهم نتيجة الحرّ الشديد منذ بدء فصل الصيف الحالي. يقول أحد سكّان المخيّم لـ(إرفع صوتك) "المخيّم يقع في منطقة صحراوية بحتة على المثلّث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، في منطقة تصلها العواصف التي تصل إلى الربع الخالي السعودي".

ويتابع هذا النازح السوري، موضحا أن درجة الحرارة تتجاوز 50 مئوية في بعض أيام الصيف، وهو الأمر الذي لم يحتمله الأطفال تحديداً فانتشر مرض التهاب السحايا.

وبحسب المعلومات التي جمعها (إرفع صوتك)، فإن حوالي ستة أطفال توفوا بسبب التهاب السحايا وغياب العلاج الكفيل بإنقاذ حياتهم. من بينهم الرضيعة روعة دخّان (ثلاثة أشهر). فبعدما عانت من إسهال وإقياء حادين، تم فحصها في مستوصف المخيّم ليتبيّن أنها مصابة بالتهاب السحايا. إثرها، نقلت إلى مستشفى تابع للصليب الأحمر في الجانب الأردني، وتم إعطاؤها بعض الأدوية وإعادتها إلى المخيم في ذات اليوم، لكنها توفّيت لأنها كانت بحاجة لعناية صحّية وفقاً لممرّض كان شاهداً على الحادثة.

مدنيون تحت رحمة الفصائل

"خلال الخلافات يُقتل مدنيون، وخلال توزيع المساعدات يُقتل مدنيون، وخلال الحالة المزاجية السيئة للفصائل يُقتل مدنيون"، يقول حسني، أحد سكّان المخيّم واصفا مخيم "الركبان" بأنه تحول إلى شبه غابة مليئة بالصراعات.

لاجئون يتظاهرون في مخيم الركبان ضد جيش العشائر الذي يدير المخيم بدعم أردني/ إرفع صوتك

​​و​​خلال الأسابيع الفائتة، قُتل عدد من المدنيين جراء خلاف العشائر داخل المخيم وفي الأراضي المحيطة به، الأمر الذي زاد من استياء المدنيين. ويحمل جزء من اللاجئين "جيش أحرار العشائر"، الذي يتولّى إدارة المخيّم، مسؤولية الانفلات الأمني. وخرج عدد منهم للتظاهر حاملين لافتات تقول "جيش العشائر برا". وتشكّل في المخيّم "مجلس العشائر المدني". وكان يفترض أن يُدير أمور المخيّم لكنه لم يبصر النور على أرض الواقع.​

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".