يحتضن مخيم عين عيسى شمال الرقة الكثير من زوجات مقاتلي داعش الأجانب/Shutterstock
يحتضن مخيم عين عيسى شمال الرقة الكثير من زوجات مقاتلي داعش الأجانب/Shutterstock

تركيا - أحمد المحمود:

من مدينة طرابلس اللبنانية، حيث تنخفض درجات الحرارة صيفاً، وجهت نور الهدى (ينادونها نور) نظرها شمالا نحو مدينة الرقة، في سورية، إحدى أكثر المناطق حرارة في الشرق الأوسط. غادرت رفقة زوجها في صيف عام 2015 إلى "عاصمة الخلافة"، كما كانت تحلم. لكن الحلم انتهى في غرفة فقيرة في صحراء الرقة وسط درجة حرارة تصل 50 درجة مئوية صيفا.

"كنت واهمة، اعتقدت أنها فعلاً دولة الإسلام وخلافة للمسلمين"، تصف نور الهدى (20 عاماً) ملخص سنتين من العيش في مناطق داعش، حيث سيطر التنظيم المتشدد على مدينة الرقة بداية عام 2014 واعتبرها عاصمة له، بعدما استقطب مئات المقاتلين الأجانب.

وصلت نور الهدى رفقة زوجها إلى الرقة في صيف عام 2015/إرفع صوتك

​​​حلم الخلافة يتبخر

وصلت نور الهدى إلى الرقة بعدما أقنعها زوجها بذلك، واصفا التنظيم بأنه يمثل "الخلافة الإسلامية" في الأرض. مر الزوجان باسطنبول ثم شانلي أورفا (جنوب تركيا)، ومنها إلى الأراضي السورية.

غمرت الدموع عيون نور الهدى خلال حديثها. لم تخف شوقها لحياتها القديمة. تقول نور "صدقني، لو عرفت أنهم بهذه الوحشية لما قدمت إليهم".

قتل زوجها بعد سنة من قدومهما إلى سورية، بغارة للتحالف الدولي على عناصر التنظيم في ريف حلب. ترك لها ثلاثة أطفال. لم يسمح لها داعش بعد مقتل زوجها بالاتصال بأهلها حتى اعتقدوها ميتة. وضعها التنظيم بمكان يشبه المعتقل مع مجموعة من النساء بغية تزويجهن مرة أخرى. يشرف على هذه الغرفة عناصر من داعش يتناوبون على حراستها.

بعد مدة زمنية قصيرة، وافقت نور الهدى على الزواج من داعشي تونسي، لتخلص نفسها من غرفة الاعتقال، واستطاعت خلال فترة إقناعه بالهرب من الرقة. لكن تنقيله للقتال بمناطق أخرى أفسد الخطة.

الهرب من داعش

مع اقتراب قوات سوريا الديمقراطية من أطراف الرقة هربت نور الهدى من الرقة، واستطاعت الوصول لأقرب حاجز لسوريا الديمقراطية وسلمت نفسها، ليتم تحويلها لمخيم عين عيسى للنازحين شمال الرقة.

على مقربة من نور تجلس إيمان عثماني (25 عاماً)، تونسية الأصل، وهي إحدى زوجات مقاتلي داعش. قدمت هي الأخرى في صيف 2015 إلى الرقة. تقول إيمان "وصلنا إلى حدود تل أبيض، ودخلنا مشيا على الأقدام إلى سورية. عند أول حاجز لداعش، فصلنا عناصر التنظيم عن أزواجنا. وضع زوجي في مضافة الرجال وانا في مضافة النساء. هنا استغربت: لماذا يفعلون بنا هذا ونحن متزوجان؟".

سوق السبايا

تتابع إيمان "بعد هذه الحادثة، بدأت الشكوك تساور زوجي ورفض مبايعة التنظيم. طلب منه القتال في العراق، فرفض مرة ثانية. الأمر الذي دفع عناصر التنظيم إلى سجنه لمدة أسبوع، ثم أخذوه إلى معسكر تدريبي في مدينة الطبقة. بقي هناك لمدة شهر يدربونه على كيفية استخدام السلاح، ثم خضع لشهر ثان لدورة تعليمية في أصول الدين والشريعة الإسلامية".

كانت إيمان شاهدة على ما يسميه تنظيم داعش "سوق السبايا". يتعلق الأمر بنساء مختطفات من ذويهن، يعرضهن تنظيم داعش للبيع في هذا السوق. تؤكد إيمان أن لهذا السوق "مجموعات" على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم عرض "السبية" وتقييم ثمنها وبيعها.

تؤكد إيمان أن لسوق السبايا "مجموعات" على وسائل التواصل الاجتماعي/ إرفع صوتك

​​​تذاكر العبور الآمن

ألقت قوات التحالف الدولي مناشير على مدينة الرقة، كُتب فيها "هذه تذكرة أمان، تستطيع الخروج ونضمن سلامتك إذا كنت تحمل هذه الورقة"، التقطت إيمان بحذر شديد هذه الورقة وخبأتها بسرية تامة. صلت كثيراً كي لا يكشف أحد أمرها.

قررت إيمان وزوجها الهرب من الرقة، واتفقت مع أحد المهربين الذي استطاع إيصالهم إلى حاجز لقوات سوريا الديمقراطية، حيث تم اعتقال زوجها التونسي، فيما تم اقتيادها هي إلى مخيم عين عيسى. تأمل إيمان خروج زوجها قريبا لتتمكن من العودة إلى تونس.

في نفس الغرفة بالمخيم، تجتمع أيضا نساء أخريات تمكن من الفرار وتسليم أنفسهن لقوات سوريا الديمقراطية، بينهن شيشانية من روسيا، فرنسية من أصول مغربية، اثنتان من تونس، لبنانية واحدة، وثلاث نساء سوريات. وإلى وقت قريب كانت برفقتهن امرأة من ألمانيا لكن سفارة بلادها في تركيا تدخلت وقامت بترحيلها. وتأمل بقية النساء المحتجزات التواصل مع سفارات بلاده حتى يتمكّن من العودة إلى بلدانهن.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

 

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".