العيد في غازي عنتاب/إرفع صوتك
العيد في غازي عنتاب/إرفع صوتك

تركيا – أحمد المحمود:

لم يكن يخطر ببال السوريين، في جميع دول الشتات التي يقطنون بها، أن الحرب التي فتكت بهم، ستغير حتى من عادات فرحهم، التي اعتادوا عليها قبل سنوات.

أكثر من 13 عيدا مروا على السوريين، بكثير من الآلم والغصات والقليل من الفرح، حاول بعضهم التأقلم مع وضعه الجديد، فأبقى على عادات العيد الخاصة به في سورية، واندمج بعادات البلد المضيف، ومنهم من فشل في ذلك.

اقرأ أيضا:

هذه أمنيات الموصليين في أول عيد بعد التحرير

عيد السوريين في مناطق النظام: أفراح خجولة

عبد الرحمن حبيب شاب جاء إلى تركيا، قبل ثلاث سنوات، هو وزوجته. يقول لموقع (إرفع صوتك) "العيد لم يعد مثلما كان.. لا فرحة ولا بهجة فلا الأهل موجودون بالقرب منا ولا الأصدقاء والأحبة يمكن زيارتهم. العيد يوم كباقي أيام السنة لا نشعر به وحتى العطلة التي كنا نحظى بها سابقا لم تعد موجودة بمنفانا".

عيد على التواصل الاجتماعي فقط!

ويضيف عبد الرحمن  الذي ترك أهله في سورية، "كنا نترقّب العيد قبل أيام من مجيئه. نصوم يوم عرفة ونفطر من الأهل ونزور الأقارب من مساء اليوم الأول. أما حاليا لا نشعر بالعيد سوى في اللحظات نقضيها بكتابة معايدات على وسائل التواصل الاجتماعي".

وتفتقد سعاد صالح، زيارات الأهل والأقارب في العيد، بعد أن اضطرت لمغادرة مدينة دير الزور، حيث أصبح زوجها مطلوباً للنظام لسوري. تقول السورية المقيمة في تركيا لموقع (إرفع صوتك) "العيد بالنسبة لنا هو لمة الأهل واجتماع العائلة اليوم نفتقد لتلك الزيارات العائلية لأن أغلب العائلات هاجرت. أصبحت المعايدات عبر الإنترنت فقط. فبعد أن كنت أقوم بزيارات لأقربائي وأصدقائي، الآن أرسل لهم معايدة عبر الواتس آب! وينتهي العيد الذي يمكن أن يستغرق معي ساعتين فقط!".

منذ عام 2011، لم يعد العيد عند السوريين يحمل نفس المعنى بالنسبة لكافة السوريين بفعل الحرب سواء في الداخل أو في الخارج. تشتت الأسر السورية هو الأمر الأصعب إذ لا توجد عائلة لم تتعرض للفقد أو اللجوء أو التشرد.

الأوضاع الاقتصادية

الأوضاع الاقتصادية المتردية حالت دون ممارسة طقوس العيد المعروفة لدى السوريين، فأصبح شراء ملابس العيد بذخا وخارج إمكانياتهم. كما اختلفت عادات الاستقبال وتقديم الحلويات بفعل الحالة الاقتصادية لشرائها.

يقول عبد الرحمن، وهو سوري مقيم في تركيا كذلك، "اعتدنا دائما في عيد الأضحى بعد العودة من صلاة العيد، أن نذهب مع أبي إلى سوق الغنم ونحضر أضحية العيد، التي تعتبر أمرا أساسيا بالنسبة لنا في العيد، لكن الآن صعب علينا أن نشتري أضحية، ولا نملك الكلفة المادية لشرائها".

ويعيش معظم اللاجئين السوريين في تركيا، بأوضاع اقتصادية صعبة، ومعظمهم يعمل بأجور متدنية بالكاد تكفيهم للعيش وسد نفقات أجار المنزل والمصروف، مما يحرمهم من شراء ضيافه العيد.

وتقول رانيا حمود، التي تسكن مدينة أورفا التركية، "تغيرت الكثير من الأمور التي اعتدنا عليها سابقا بالعيد. فعلى صعيد الحلويات مثلا اضطررنا مع ارتفاع الاسعار الذي شهدت المواد الأولية للحلويات من فستق وسمنة إلى تقليل كمية الحلو. كنا سابقا نصنع ما يقارب الـ5 كغ حلو. اليوم نصنع 2 كيلو فقط وبعض العائلات غيرت من نوعية الضيافة لنوعية أقل جودة وأقل ثمنا لعدم استطاعتها على سد تكاليفها".

العيد في أوروبا

ربما تقترب العادات التركية من العادات السورية نوعاً ما في بعض تقاليد العيد، وذلك بسبب الإرث الإسلامي الذي يحمله البلدين، إلا أن معاناة السوريين في أوروبا كانت أكبر، حيث أثر على شكل العيد لدى السوريين، وهو تغيير الأنماط الفكرية فلم تعد المناسبات التقليدية مهمة أو ذات قيمة ما يؤدي إهمالها وعدم ممارسة طقوسها.

علاء حسن يسكن في العاصمة الألمانية برلين. يقول لموقع (إرفع صوتك) "من غير المعقول أن أحضر خروفا وأذبحه، هنا لن يتقبلوا الفكرة، خاصة إن كانت المناسبة توحي بشيء ديني".

ويضيف "أتوقع خلال السنوات القادمة أنني لن أشعر بقدوم العيد، في حال قررت إغلاق الفيسبوك، فلن أشعر بوجود العيد، هنا لن نجد مظاهر العيد كما كانت لدينا".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659 

 

 

 

 

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.