لاجئون سوريون في المغرب/وكالة الصحافة الفرنسية
لاجئون سوريون في المغرب/وكالة الصحافة الفرنسية

المغرب – زينون عبد العالي:

"ضاقت بنا الأرض ولم نجد وسيلة لتوفير لقمة العيش سوى التشمير عن سواعدنا، والعمل في مهن شاقة كي نعيش. فلولا الفقر والحرب ما وصلنا لهذا الحال"، هذا لسان حال نازحين سوريين بالمغرب، يشتغلان في البادية ضواحي مدينة فاس.

البحث عن ملاذ آمن

كغيرهم من اللاجئين السوريين الذين فروا من أتون الحرب الدائرة في سورية، اختارت عائلتا عبد الله التميمي، ومحمد الحلبي النزوح إلى المغرب أملا في إيجاد موطن آمن يقيهم التشرد الذي عانوا منه في وطنهم وبلدان اللجوء، أو الهجرة شمالا بحثا عن فرص عيش أفضل.

اقرا أيضاً:

سوريون في المغرب: نريد عيدا ولو بين الأطلال

أطفال سوريون: حرمنا من طفولتنا لنعيل عائلاتنا

عبد الله، 45 عاما، أب لثلاثة أطفال، ترك تجارته في مدينة حلب حيث كان بائعا للأثواب. وفرّ هاربا رفقة زوجته وأطفاله بعدما فقد إخوته في الحرب، فيما كان محمد ذي 48 عاما، عاطلا عن العمل، ولم يزرق بأولاد.

دخلت العائلتان القادمتان من مدينة حلب السورية التراب المغربي من جهة الشرق عبر التهريب.غياب الوثائق القانونية بما فيها بطاقات التعريف الشخصية التي سلبت منهم في سورية حرمتهم من التقدم إلى مصالح المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين لتسوية وضعيتهم والحصول على الإقامة في المغرب وصفة "لاجئين" كما يحكي عبد الله.

"دخلنا المغرب مجتمعين في مايو (أيار) 2014. عانينا الجوع والحرمان في طريق اللجوء. تسولنا في الشوارع. بتنا في العراء. ولم يتغير حالنا"، يقول محمد وهو منهمك في استخراج التراب من البئر الذي يحفره رفقة شبان مغاربة.

استقبل المغرب منذ بداية الصراع في سورية وهروب النازحين ما يفوق 3500 لاجئ حسب إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما فاق عدد طلبات اللجوء حاجز 5000 طلب.

لكن الأرقام المعلنة تبقى نسبية نظرا  لتواجد مئات اللاجئين المتخفين ممن لم تسعفهم الظروف للتصريح بوجودهم بشكل رسمي خوفا من الترحيل بسبب دخولهم بطريقة غير شرعية للمغرب.

ويضيف عبد الله والعرق يتصبب فوق جنبيته، "كنت أحلم أن وصولنا إلى أوروبا سيغير حالنا إلى الأفضل، ويحفظ كرامتنا التي مرغت في الأرض، لكن أرض الله واسعة. سأشتغل وأتعب في سبيل كرامة أبنائي".

العودة للتشرد

تنقل الرجلان رفقة عائلتيهما ما بين مدينة وجدة والناظور شرق المغرب، ثم طنجة التي مكثوا فيها شهورا في انتظار معجزة توصلهم لإسبانيا، لكنهم صدموا بواقع مر لا يقبل الاستعطاف. "رابطنا قرب السواحل نستعطف المهربين ليأخذونا إلى إسبانيا مقابل ما يتوفر لدينا، لكنهم لم يأبهوا لنا ما دام مبلغ الرحلة (900 دولار) غير متوفر"، يقول عبد الله.

وتنشط شبكات التهريب في المدن الشمالية للمغرب، وتفرض مبالغ تتراوح ما بين 500 و1000 دولار لكل عائلة تود المغامرة وركوب أمواج البحر. "لم يكن بحوزتنا سوى 400 دولار جمعناها من التسول، ونحن سبعة أفراد. لم يقبلوا المبلغ وعدنا نجر أذيال الخيبة لنتسكع في شوارع طنجة من جديد"، يحكي محمد الحلبي.

حفر الآبار

عانوا من شدة برد الشتاء في شوارع مدن الشمال في انتظار فرصة رحيلهم إلى أوروبا، لكن حلمهم بالهجرة ذهب أدراج الرياح ليتجهوا إلى مدينة فاس، حيث فرص العيش والحصول على شغل –كما قيل لهم- ليس بالأمر الصعب.

عدم توفر عبد الله ومحمد على وثائق الإقامة القانونية في المغرب، حرمهما من الحصول على المساعدات التي تقدمها مفوضية اللاجئين، لينتقلا إلى البحث عن فرص شغل يسدون بها رمق عائلتهما بعدما أنهكمها الانتظار وسئما مد اليد للناس أمام المساجد وملتقيات الطرق.

"اشتغلنا في مهن فلاحية كجمع التبن ومساعدة الفلاحين في جمع محاصيل فصل الصيف. نأخذ مقابلا عن كل عمل إضافة إلى اللباس والمأوى الذي يوفره لنا المشغل"، يقول محمد معبرا عن شكره لكرم من اشتغل معهم.

"نستغل بيتا منحه لنا أحد المحسنين في البادية. نغادر صباحا للعمل في حفر هذا البئر، فيما تساعد النساء بعض الجيران في الأعمال المنزلية"، يقول عبد الله الذي يمني النفس بالاستقرار النهائي في المغرب والحصول على فرصة شغل دائمة في القطاع الفلاحي.

يعمل الرجلان رفقة شبان مغاربة في حفر بئر منذ شهرين، مقابل 20 دولار لليوم، وهو مبلغ كافي لتوفير حاجيات العائلتين، "لا نصرف إلا القليل، فعملنا يمنح لنا الأكل ولا نؤدي واجبات الكراء كما هو الحال في المدينة التي لا ترحم، لهذا نفضل البقاء في البادية التي يعيش فيها الغني والفقير جنبا إلى جنب"،  يقول محمد.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".