نازحون فروا من دير الزور في مخيم قرب الحسكة
نازحون فروا من دير الزور في مخيم قرب الحسكة

تركيا – محمد النجار:

لا تزال مدينة دير الزور الخبر المُتصدّر لمعظم وسائل الإعلام السورية والإقليمية، تعقيباً على التطوّرات المدانية القادمة من هناك، والتي تمثّلت بتقدّم متسارع لقوات النظام السوري، نحو المدينة، انتهى بكسر الحصار عنها.

وأعلن "التلفزيون الرسمي السوري" الثلاثاء، 5 أيلول/سبتمبر، أن قواته المُتقدّمة نحو دير الزور التقت بقوّاته المرابطة داخلها مُعلنةً فك الحصار بشكلٍ كامل.

يرصد هذا التقرير واقع الحياة للمدنيين الذين كانوا محاصرين داخل مدينة دير الزور من قبل تنظيم داعش، وكيف تشارك النظام مع التنظيم في عملية إرهاقهم تحت الحصار.

اقرأ أيضاً:

مدني من دير الزور: نزرع حدائق منازلنا كي لا نموت جوعاً

سورية.. داعش يتراجع في دير الزور بعد معارك عنيفة

نحو ربع مليون محاصر في 3 أحياء

يُقدّر عدد الأحياء السكنية داخل دير الزور بنحو 35 حيّاً، تسيطر قوات النظام على ثلاثة أحياء منها فقط وهي "القصور والجورة وهرابش". ثمّة داخل هذه الأحياء الثلاث نحو 250 ألف مدني وفقاً لتقديرات محلية سورية، فيما تُشير إحصاءات الأمم المتحدة لوجود 300 ألف مدني، وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" الأممي.

وعلى الضفاف الأخرى يسيطر التنظيم على نحو 30 حيّاً آخراً وفيهم ما يُقدّر بضعف عدد المدنيين الموجودين في مناطق النظام.

تتّصل هذه الاحياء ببعضها وتخضع لحصارٍ مشترك، وهي قريبة من مطار دير الزور العسكري، الذي لازالت تتمركز فيه قوات النظام وفشل التنظيم عشرات المرّات باقتحامه، حيث حاول النظام السوري المحافظة عليه رغم الكلفة الباهظة لذلك بسبب أهميته الاستراتيجية.

عاش المدنيون داخل تلك الأحياء حصاراً شديداً، وصل إلى تناولهم للأعشاب والحشائش في بعض الأوقات، حيث كان مصدر المساعدات الرئيسي هو المواد الأساسية التي تُلقيها منظمات الأمم المتحدة عبر الجو.

حصار مشترك

تواصل موقع (إرفع صوتك) مع مدنيين مقيمين داخل حي الجورة في دير الزور عبر تطبيق التواصل السريع "واتساب". وأشار معظمهم إلى أن الحصار المفروض على هذه الأحياء ليس من التنظيم وحسب وإنّما اشتركت قوات النظام بشكلٍ مباشر في عملية الحصار.

أحد المدنيين الذي قرّر أن يستخدم اسم فراس قال لموقع (إرفع صوتك) إن "التنظيم منذ أن حاصر دير الزور، منع أي شخص من الدخول إلى الأحياء الثلاث المحاصرة، لكنه لم يمنع خروج المدنيين من هذه الأحياء"، متهما النظام بأنه "من منعهم من الخروج للاحتماء بهم وجعل وجود المدنيين في الأحياء حجّة لعدم سقوطها بأيدي التنظيم".

وتخضع محافظة دير الزور للحصار من قبل التنظيم منذ أواخر عام 2015، أي منذ نحو سنة و10 أشهر، حيث كانت الطرق مفتوحة قبل هذا الوقع على الرغم من وجود التنظيم.

وأضاف فراس "تم استخدامنا كدروع بشرية بكل ما للكلمة من معنى، إذ تم إجبارنا على البقاء داخل الحي فضلاً عن تكديس الثكنات العسكرية بين الأحياء المدنية حتّى يُصاب مدنيون في حال قصف تنظيم داعش هذه الأحياء".

وكان عضو مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (أوتشا)، يانس لاركيه، قد قال إنه لم تُسيّر، في شهر تموز/يوليو، أية قوافل مساعدات مشتركة إلى المناطق السورية المحاصرة، بما فيها دير الزور.

معاناة المدنيين

يسرد فراس قصصاً مروّعة من داخل الحصار، إذ يقول إن الأمم المتحدة لم تكن منتظمة بإرسال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، وهو ما دفع الناس إلى تناول أي شيء، ويوضح أن الناس كانوا يأكلون لكي لا يموتوا.

أما من لم يمت نتيجة الحصار ونقص المساعدات، فإنه توفي جراء القذائف والاسطوانات المتفجّرة التي يشنّها التنظيم عليهم، ما يُسفر عن قتل مدنيين بشكلٍ يومي.

وقال أيضاً إن قوات تابعة للنظام كانت تتلقّى مساعدات الأمم المتحدة "وتقوم باحتكارها وابتزاز المدنيين مقابل الحصول على قوتهم اليومي".

ولا تقف المعاناة هنا، إذ أنَّ شًبّاناً كثر ومن بينهم فراس، كانوا باقين في بيوتهم طيلة فترة الحصار، إذ أن أي تحرّك خارج المنزل وملاحظة قوات النظام والأفرع الامنية أنّهم قادرين على حمل السلاح، سيقومون بإرسالهم مباشرةً للقتال على الجبهات ضد التنظيم.

ويُشكّل وصول النظام إلى دير الزور كسراً للحصار عن هؤلاء المدنيين وطي صفحة المجاعة التي عانت منها دير الزور، لكنه من الممكن أن يفتح صفحة حصارٍ جديدة، ولا سيما ضد المدنيين الموجودين في مناطق تنظيم "داعش" وخصوصاً مع تقلّص مساحته في دير الزور مقابل التقدّم السريع للنظام.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".