تبلغ تكلفة استصدار جواز سفر سوري أكثر من 800 دولار/ وكالة الصحافة الفرنسية
تبلغ تكلفة استصدار جواز سفر سوري أكثر من 800 دولار/ وكالة الصحافة الفرنسية

تركيا - محمد النجار:

جواز السفر السوري من بين الأعلى سعرا في العالم، لكنه الأسوأ من حيث الاستخدام. هذا ما صار إليه عقب أكثر من ست سنوات من الحرب الأهلية التي أدّت إلى تبعثر أكثر من خمسة ملايين سوري عبر العالم، وفقاً لإحصاءات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

صراع الجوازات

رصد (إرفع صوتك) ثلاثة أشكال من جوازات السفر السورية المتداولة حاليا. الأول هو الجواز الأساسي الذي يمنحه النظام السوري عبر أفرع الهجرة والجوازات داخل سورية، وعبر السفارات والممثليات القنصلية خارج البلاد. ويتّسم هذا الجواز بأنه الأقوى، حيث يحظى حتّى اليوم باعتراف جميع دول العالم، بما فيها الدول التي تُعارض النظام صراحةً.

والجواز الثاني تُصدره المعارضة السورية ممثّلةً بـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، لكنه يحظى باعترافٍ محدود، ويعرّض حامليه لمشاكل كثيرة في مطارات العالم.

اقرأ أيضا:

كيف غيرت الحروب من إجراءات السفر؟

قرار قضائي يقلص نطاق أمر حظر السفر إلى أميركا

أما الجهة الثالثة التي تُصدر الجوازات فهي ليست تابعة للنظام ولا للمعارضة، ولا تهمّها صراعات الطرفين، وإنما تهتم بتحقيق أرباح عبر تسليم جوازات سفر مزوّرة للسوريين. ويعمل أغلب المزورين تحديداً في تركيا، الجارة الشمالية التي زحف إليها ما يزيد عن ثلاثة ملايين سوري.

جواز مُنهك

تقلّب ديما صفحات الإنترنت، بحثاً عن الدول التي يمكن الدخول إليها باستعمال جواز السفر السوري. أنهت الشابة السورية دراستها الجامعية، وتسعى لاستكمال تعليمها في الخارج في الهندسة الميكانيكية. تقرأ قائمة الدول التي تسمح لحاملي الجواز السوري بالدخول إليها دون تأشيرة، فتجد دولا لم تسمع عنها من قبل. فالجواز السوري، بعد أن أبعدته معظم دول العالم، أصبح مُقتصراً على بعض الدول في وسط أفريقيا وأميركا اللاتينية.

لحسن حظها، وجدت ديما أن ماليزيا ما تزال تستقبل السوريين دون تأشيرة، لكنها هذا يقتصر على الزيارات السياحية. رغم ذلك قرّرت استحصال تأشيرة دراسية والتوجّه إلى هذا البلد لإتمام دراستها، في ظل التعقيدات التي تفرضها الدول الأوربية على التأشيرات الممنوحة للسوريين.

​​

 

​​أصبح الجواز السوري عبارة عن أوراق لا تنفع صاحبها في أي مطار في العالم، وأُغلقت الآفاق في وجه حامليه، وخصوصاً بعد أن فرضت تركيا تأشيرة عليه.

تقول ديما لـ(إرفع صوتك) "كنت أحلم أن أدرس في فرنسا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة أو بريطانيا، ولكن أضحك من أحلامي أمام واقع خياراتي"، مشيرةً إلى أن ماليزيا هي الحل الأنسب في ظل الواقع. كانت الشابة صاحبة الـ 24 عاماً تأمل أن تكمل دراسة الدكتوراه في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة.

أسعار باهظة

على الرغم من التدهور الذي يعاني منه الجواز السوري إلّا أن أسعاره فاقت أسعار الجواز الأميركي أو الفرنسي أو حتى الألماني الذي يُعتبر أقوى جواز سفر في العالم.

ورفع النظام السوري أسعار جواز السفر. وبات الحصول عليه يتطلّب 400 دولار أميركي للبطيء و800 دولار للمستعجل. لكن هذا المبلغ ليس الوحيد، فالوصول إلى القنصليات يحتاج إلى حجز موعد. وبما أن المواعيد مُغلقة تماماً، فإن السوريين يجدون أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى السماسرة للحصول على مواعيد داخل القنصليات مقابل 200 دولار أميركي.

​​

​​

يقول رأفت، وهو سوري يعيش في مدينة غازي عينتاب التركية "دخلي الشهري لا يتعدّى 350 دولارا، فكيف لي وأنا على هذه الحال أن أجدد جوازي؟". ويشير إلى أنّ المبلغ لا يتوقّف عند 400 دولار، بل يمتد إلى تكاليف السفر جوّاً إلى إسطنبول والإقامة هناك وحجز المواعيد والوثائق.

انتقام الأسد

على الرغم من أن الجواز الصادر عن النظام السوري معترف به دولياً إلى أن النظام استخدمه للضغط على معارضيه، حيث أقدم على تعميم أرقام الجوازات التي يحملها معارضون على الشرطة الدولية (الإنتربول) بتهم مختلفة. ولعل أبرز هذه الحالات، توقيف الصحافية والكاتبة السورية المعارضة زينة أرحيم في العاصمة البريطانية لندن.
وكانت سلطات المملكة المتحدة صادرت جواز سفر أرحيم المقيمة في تركيا بعد وصولها إلى مطار هيثرو. وبعد ساعاتٍ من الاستجواب، أخبرت بأن هناك بلاغا سابقا يشير إلى أن جواز سفرها تعرض للسرقة. كان هذا البلاغ صادراً عن النظام السوري ضد الصحافية التي تُعتبر من أبرز الوجوه المعارضة.

ونقلت صحيفة "أوبزرفر" البريطانية عن أرحيم قولها "توقعت أن أتعرض للمضايقات داخل بلدي. أنا أعلم أنني لو ذهبت إلى وطني سأُقتل، لكنني تأكدت الآن أنّ ذراع الأسد يمكن أن تصل إلى بريطانيا، فهو دكتاتور يلاحق صحافية".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

أيقونات أشهر مواقع التواصل الاجتماعي- صورة تعبيرية
أيقونات أشهر مواقع التواصل الاجتماعي- صورة تعبيرية

شهد العامان الأخيران في مناطق سيطرة النظام السوري، عزوفاً واسعاً عن السعي وراء الوظائف الحكومية، في ظل تدنّي قيمة الرواتب مع الارتفاع الفلكي في نسب التضخم والأسعار، حتى أن الكثير من الموظفين العموميين تركوا وظائفهم، وصار العمل الحرّ سبيل عيش -بالنسبة لهم- أكثر استقراراً وسط جملة من التحديّات.

من الأعمال الحرة، كان التسويق الإلكتروني الذي يمارسه الكثير من السوريين، خصوصاً النساء، ويسهمن عبره في تعزيز دخل العائلة أو على الأقل تأمين النفقات الشخصية

تقول منار جباعي (45 عاماً) من سكان ريف دمشق، إنها وجدت نفسها قبل نحو عامين مسؤولة عن تربية ومصاريف ثلاثة أطفال بعد وفاة زوجها بمرض عضال، فكان التسويق الإلكتروني خيارها لإعالة أسرتها، بعد سماعها نصيحة وتلقّيها المساعدة من صديقتها المقيمة في السعودية.

"صديقتي في الرياض تعمل مسوّقةً إلكترونية في إحدى شركات أدوات التجميل، وفي عام 2023 نصحتني بمزاولة المهنة من البيت، ما يؤمّن لي مورد مالي معقول، وفي نفس الوقت لا أغادر منزلي وأكون بقرب أبنائي"، توضح منار لـ"ارفع صوتك".

وتضيف أن صديقتها لم تنصحها فقط، بل علمتها أيضاً "مبادئ عامة في التسويق الإلكتروني" وأقرضتها مبلغاً ليكون رأس المال الذي تبدأ به مشروعها.

وما تقوم به منار فعلياً، هو التوجّه لمحلّات البيع بالجملة وشراء كافة أنواع مواد التجميل والمستلزمات النسائية، ثم عرضها للبيع على صفحة خاصة بها في مواقع التواصل الاجتماعي.

وأن هامش الربح "قليل" مقارنة بغيرها، كما تقول منار، فقد حظيت صفحتها بانتشار جيد في منطقة سكنها، خصوصاً أنها تقوم بخدمة التوصيل للزبائن، حيث يعينها شقيقها في هذه المهمة عن طريق دراجته النارية.

تتابع: "الأرباح الصافية ليست مرتفعة حالياً، لأن ما يهمني هو استمرار عملي وكسب أكبر قدر من الزبائن. أجني شهرياً حوالي مليون ليرة سورية وأحياناً يزيد المبلغ إلى مليون ونصف، وهو ما يعادل وسطياً راتب عدة موظفين في القطاع الحكومي".

 

تحديّات

الطالبة الجامعية إيمان حاجو، وجدت في مجال التسويق الإلكتروني أيضاً سبيلاً لتوفير مصدر مالي يؤمن احتياجاتها وإعالة أسرتها، خصوصاً أن أخويها الآخرين لدى كل منهما عائلة يتوليّان رعايتها مادياً.

تدرس إيمان (21 عاماً) في كلية الحقوق بجامعة حلب، وراتب والدها التقاعدي لم يعُد يكفي سدّ احتياجاتها مع أمّها وأخيها الأصغر، كما لا يمكنها توفير الوقت للدراسة والعمل بدوام كامل.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "تقوم ابنة عمّي المقيمة في تركيا بإرسال قائمة بأنواع بضائع منزلية مختلفة من خلال عدّة تطبيقات لماركات بموادّ تجميل أو ألبسة نسائيّة أو حتى أغراض منزلية ومطبخية، وأنا أعرضها للبيع في مواقع التواصل".

"تجذب هذه البضائع عادةً فئة من ميسوري الحال، وبعد إرسال طلب الشراء وحجز أي قطعة، تقوم ابنة عمّي بدفع ثمنها وإرسالها عن طريق شركات الشحن لإيصالها إلى الزبونة"، تضيف إيمان.

ورغم أن عدد الزبائن لديها قليل بسبب غلاء ثمن البضائع مقارنة بالمنتجات المحلية، إلا أن بيع قطع قليلة في الشهر "كفيل بأن يؤمّن لها مصاريف الجامعة وشيئاً من احتياجات أهلها" بحسب إيمان، مستدركةً الإشارة إلى وجود عقبات وتحديّات دائمة.

من هذه الصعوبات تأخُّر وصول الشحن فتراتٍ طويلة، ما يدفع المشتري بإلغاء طلبه، بالتالي تتكفل هي بثمن القطعة، وتنتظر ريثما يأتيها زبون آخر.

 

ميزات التسويق الإلكتروني

ولا تحدث مثل هذه الأعمال بالعادة فرقاً اقتصادياً كبيراً في حياة النسوة والفتيات اللاتي يزاولنها، غير أنها كما يقال في العامية السورية "بحصة تسند جرّة"، بحسب الأخصائية الاجتماعية وداد قنواتي.

تقول لـ"ارفع صوتك"، إن ظروف الحرب أجبرت نساء كثيرات على البحث عن مصدر رزق مع وفاة أزواجهن أو غيابهم، أو حتى مع وجود الزوج أو الأخ وعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف المعيشة.

وتشرح "ميزة العمل في التسويق الإلكتروني أنه لا يحتاج رأس مال كبيراً، يحتاج فقط إلى جوّال (هاتف محمول) وإنترنت، وإلمام بسيط بمبادئ التسويق، إضافة إلى استهداف الفئات المناسبة".

كما يوفر عن طريق الإنترنت لصاحبة العمل إمكانية البقاء في المنزل مع القيام بتربية الأولاد دون الحاجة للخروج، إضافة إلى أنّ البضائع لا يتمّ عرضها في متجر وما يجرّه ذلك من تكاليف باهظة ودفع ضرائب عالية، بحسب قنواتي.

تتابع: "ربما أصبح التسويق الإلكتروني الطريقة الرائجة للتجارة عالمياً، لكنّه في سوريا لا يزال في خطواته الأولى وصورته البدائية".