توفر مناطق "سورية غير المفيدة" أكثر من 57 في المئة من إنتاج الحبوب في البلاد/ وكالة الصحافة الفرنسية
توفر مناطق "سورية غير المفيدة" أكثر من 57 في المئة من إنتاج الحبوب في البلاد/ وكالة الصحافة الفرنسية

تركيا – أحمد المحمود:

قسمت سنوات الحرب السبع في سورية البلاد إلى أربع مناطق رئيسية تسيطر على كل واحدة منها قوى عسكرية مختلفة. يسيطر النظام على الشريط الساحلي الممتد على البحر الأبيض المتوسط، والمنطقة الوسطى والعاصمة دمشق. وتسيطر قوى المعارضة المسلحة، بما فيها هيئة تحرير الشام المصنفة حركة إرهابية، على أجزاء من الشريط الحدودي مع تركيا ومناطق الشمال السوري. أما وحدات حماية الشعب الكردية، فتسيطر على أغلب مناطق "الجزيرة السورية" في الشمال الشرقي. وينحصر نفوذ تنظيم داعش في مناطق محدودة شرقا.

يطلق مصطلح "سورية المفيدة" عموما على المناطق التي يسيطر عليها النظام، في حين يسيطر خصومه على "سورية غير المفيدة". ظهرت التسميتان معا بقوة مع تحول الأزمة في سورية إلى نزاع مسلح.

تمسك النظام السوري بـ"سورية المفيدة"، ومركزها العاصمة دمشق. وسعى إلى الحفاظ عليها ولو بسحب قواته من مناطق أخرى. وهذا ما أكده بشار الرئيس السوري الأسد في خطاب له عام 2015، قال فيه "لا بد من تحديد مناطق مهمة تتمسك بها القوات المسلحة لكي لا تسمح بانهيار باقي المناطق.. هذه المناطق تحدد أهميتها بحسب عدة معايير قد تكون مهمة من الناحية العسكرية.. قد تكون مهمة من الناحية السياسية، قد تكون مهمة من الناحية الاقتصادية والخدمية".

ورغم أن النظام السوري أو حتى فصائل المعارضة لا تعتمد هذا التقسيم رسميا، إلا أن تعبير "سورية المفيدة" و"سورية غير المفيدة" صار متداولا بقوة إعلاميا، وفي الشارع السوري.

لماذا سورية المفيدة؟

الباحث السياسي في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، يشرح لماذا سعى بشار الأسد إلى التمسك بـ"سورية المفيدة". يقول في تصريح لموقع (ارفع صوتك) "هي مناطق تضمن له بقاءه في السلطة.. فالساحل السوري يملك المرافئ الدولية التي تربط النظام بالعالم الخارجي بعد أن فقد أغلب المعابر البرية، ودمشق فهي مركز الحكم، أما حمص فهي عمق "سورية المفيدة". باقي المناطق مفيدة له أيضاً ولكن لديه سلم من الأولويات".

ويتابع الباحث السوري "مناطق سورية المفيدة تهدد وجود النظام بشكل مباشر، بينما دير الزور، على سبيل المثال، مهما حدث بها عسكرياً فلا تؤثر على نظام الحكم. لكن بعد تأمين القسم الأكبر من سورية المفيدة، يبدو أن البادية السورية صارت تقع في قلب استراتيجية النظام الجديدة للتوسع باتجاه سورية غير المفيدة".

فوائد سورية غير المفيدة!

على الطرف الآخر تبدو "سورية غير المفيدة" وكأنها لا تشكل أهمية تذكر. فرغم الصواب النسبي لهذا الطرح عسكريا، إلا أن الوضع من الناحية الاقتصادية مختلف تماما، حيث تحتضن "سورية غير المفيدة "جميع حقول النفط.

وتتوزع هذه الحقول على المحافظات الشرقية، حيث تضم دير الزور حقول العمر، والتيم، والتنك، والجفرة...إلخ. وتضم  الحسكة حقول الشدادي، والجبسة، والهول... أما الرقة فتحتضن حقل وادي عبيد.

ويمثل إنتاج هذه الحقول معظم الإنتاج السوري النفطي الذي بلغ سنة 2010، أي قبل الحرب، 385 ألف برميل يوميا، كما توضح ذلك دراسة نشرها المنتدى الاقتصادي السوري.

وتحتضن منطقة البادية، في وسط وشرق سورية، مجمل احتياطيـات البلاد من الغاز الذي يتوزع على ثلاثة حقــول رئيســية فــي مدينــة تدمــر وســط الباديــة الســورية. ونجح النظام السوري في السيطرة على المدينة في أذار/مارس الماضي.

وتعتبر مناطق "سورية غير المفيدة" أيضا السلة الغذائية للبلاد، خاصة منطقة الجزيرة في الشمال الشرقي لنهر الفرات التي تضم أهم الأراضي الخصبة.

​​

​​

وحسب تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، بعنوان "الأسد بحاجة أيضاً إلى سورية غير المفيدة"، "أنتجت المحافظات الشرقية، الحسكة ودير الزور والرقة، في عام 2010، 57 في المئة من الحبوب في البلاد و75 في المئة من القطن. وبالمثل، يتواجد معظم النفط السوري في دير الزور والحسكة".

ومع تمكن النظام السوري من تعزيز سيطرته في مناطق نفوذه التقليدية، وضع تحت أنظاره مناطق "سورية غير المفيدة" في شرق البلاد، حيث دفع بشار الأسد مدعوما من روسيا، بقواته باتجاه البادية السورية ومناطق حقول النفط السوري.

وتسابق قوات النظام، والمليشيات الموالية لها، قوات سورية الديمقراطية التي يدعمها طيران التحالف الدولي، من أجل السيطرة على هذه المناطق الغنية بالنفط  في ظل التراجع المستمر لتنظيم داعش. 

وقبل أيام فقط، بسطت قوات سورية الديموقراطية سيطرتها على حقل العمر في محافظة دير الزور، وهو أحد أكبر حقول النفط في سورية.

وكان هذا الحقل سابقا أهم مصادر تمويل داعش، علما أن إنتاجه قبل الحرب كان يصل إلى 30 ألف برميل يوميا.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية

بعد أكثر من تسع سنوات على خروج محافظة إدلب من سيطرة النظام السوري، لا تزال المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد، تكافح للحصول على نوع من الاستقرار، في ظل هدوء جبهات المعارك الرئيسة منذ شتاء عام 2020.

ولا تحوي إدلب -كما في مناطق الشرق السوري- ثروات طبيعية تؤهّلها لحالة اكتفاء اقتصادي ذاتي، لذا تُعد تركيا المنفذ الاقتصادي الوحيد، مع اعتماد السكان بشكل واسع على المساعدات الإغاثية القادمة من وراء الحدود.

وتطبّق "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر كلياً على محافظة إدلب، ما يسمّيها السكان "سياسة احتكار اقتصادية"، بحيث تسيطر على واردات المعابر الداخلية، وتتحكّم بمعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

وبرزت خلال العامين الماضيين مظاهر ترف وبذخ في محافظة يعيش نحو مليون شخص فيها داخل مخيمات النزوح، في ظل فقر مُدقع وأوضاع إنسانية صعبة.

فجوة طبقية

يلاحظ المتجوّل اليوم في مدينة إدلب وريفها انتشار "المولات" التجارية الفخمة، ومتاجر تظهر مقاطع الفيديو أنها تضاهي مثيلاتِها في تركيا المجاورة، حتى أن مجموعة من التجار افتتحوا في مطلع 2024 سوقاً خاصاً ببيع الذهب والمجوهرات.

على الضفة المقابلة في إدلب نفسها تظهر تناقضات الحرب بشكل صارخ، حيث تنتشر المخيمات على طول امتداد الحدود السورية مع تركيا، ورغم محاولات إنشاء مجمعات سكنية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، إلا أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام لا تقيهم حرّ الصيف أو برد الشتاء، ويتعمدون في معيشتهم كلياً على جهود المنظمات المحلية والدولية.

لا يتعلّق الأمر بسوء الحال لدى سكان المخيمات فقط، كما يقول الناشط الإعلامي غياث السيد، إذ "يعاني غالبية السكان في مدينة إدلب وريفها من ارتفاع باهظ في تكاليف المعيشة، بينما لا تصل الأجرة الشهرية للعامل في أحسن الأحوال إلى 100 دولار شهرياً".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن "المولات الفاخرة والمتاجر والمتنزّهات الخاصة، لا تعكس بطبيعة الحال الأوضاع الحقيقية في إدلب، التي يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر".

ويعتقد السيد أن مظاهر التفاوت الطبقي "طبيعية وواقعية في ظروف الحرب المتواصلة منذ 13 سنة، غير أنها تَظهر في إدلب بشكل صارخ"، على حدّ تعبيره.

يتابع: "التفاوت المعيشي موجود في مناطق النظام السوري أيضاً، غير أن إدلب باتت تحوي رجال أعمال يتحدثون بملايين الدولارات، وينشئون مشاريع كبيرة جداً، بينما غالبيّة الناس يفكّرون فقط بتأمين الوجبة التالية من الطعام".

ظاهرة "طارئة"

يقول أكرم سرميني  (46 عاماً) من سكان مدينة إدلب، إن ظاهرة التفاوت المعيشي الواسع في إدلب "طارئة"، خصوصاً أن معظم السكّان يعيشون "بمستوى اقتصادي متقارب، حتى منذ ما قبل الحرب".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن بعض المؤثّرين في وسائل التواصل "يحاولون تصوير إدلب للعالم الخارجي على أنها باتت مُكتفية اقتصادياً، مع إظهار مشاهد الترف والبذخ في بعض المقاهي والمطاعم والمتاجر الفاخرة، لكن الواقع مختلف".

ويوضح سرميني، الذي يعمل مدرّساً، أن هذه المنشآت "تجتذب زبائن لا تنطبق عليهم أوضاع أهالي مدينة إدلب"، مردفاً "بعض هؤلاء الميسورين يعملون في المنظمات ذات الرواتب المرتفعة، أو يرتبطون بسلطات الأمر الواقع صاحبة الكتلة المالية الأكبر، وقليل منهم يعتمدون على الحوالات الخارجية، عدا عن أن جزءاً منهم  أثرياء أصلاً".

من جهته، يقول الصحافي أحمد المحمّد، إن هناك "سوراً كبيراً ومرتفعاً في إدلب بين طبقة مسحوقة بالكاد تؤمّن قوت يومها، وطبقة أخرى تعيش كأنها في بلد مستقرّ وغنيّ".

ولا يتعدى الأمر سوى كونه "أحد انعكاسات الحرب الاقتصادية" في سوريا، وفق وصف المحمد.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "نظرة سريعة في العاصمة دمشق على سبيل المثال، تُظهر تفاوتاً طبقياً كبيراً بين فئة تصل وارداتها الشهرية عشرات الملايين من الليرات السورية، بينما غالبية العوائل تجاوزت خطوط الفقر، وباتت تعيش تحت خط الحياة".

ويعتبر أن الوضع في إدلب "لا يزال رغم كل شيء أفضل من الأحوال الاقتصادية في مناطق النظام السوري، بحكم أنها (إدلب) لا تزال مفتوحة على المساعدات" متهماً النظام السوري بـ"سرقة المساعدات التي تصل إليه".

المشاريع "فرص عمل"

في السياق نفسه، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن إدلب "لا تزال بعيدة عن الاستقرار الأمني بمعناه العام، إلا أنّ الاستثمارات الضخمة فيها لم تتعرض لمشاكل أمنية أو تأثرت بالقوانين المحلية المعمول بها".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هذه الاستثمارات لا تعكس فقط مظاهر الترف، إنما تنعكس بالإفادة على المجتمع المحلي، وتؤمّن فرص عمل مهما كانت محدودة، فهي مهمة بسبب وجود نسبة بطالة مرتفعة، الأمر الذي يساعد على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للمنطقة".

ويرى المغربل أن سبب التفاوت المعيشي والطبقي في إدلب، يعود إلى كون هذه الظاهرة "تنشط أكثر وتتضح في الظروف الخاصة مثل ظرف الحرب".

"ومع وجود الفقر المدقع الذي يعاني منه أغلب السكان بالتزامن مع انخفاض الدعم المقدم للمنطقة تتوضح هذه الظاهرة بشكل أكبر، ويُسلّط عليها الضوء من قبل الفئة الأكثر عدداً والأصعب وضعاً"، يكمل المغربل.