طفل نائم في حقيبة خلال نزوحه مع أهله من الغوطة
طفل نائم في حقيبة خلال نزوحه مع أهله من الغوطة

مضى عام تقريبا على سيطرة النظام السوري وحليفه الروسي على الغوطة الشرقية في ريف دمشق.

يروج النظام لعودة الحياة إلى طبيعتها في المنطقة. لكن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقول إنها حصلت على صور أقمار صناعية توضح أن الهجمات الروسية والسورية على الغوطة الشرقية تسببت بمسح بلدات بكاملها.

يقول النظام أيضا إنه أعاد خدمات المياه والكهرباء والاتصالات إلى مناطق الغوطة كاملة، إلا مدنيين داخل الغوطة يقولون إن ذلك غير صحيح.

وسيطر النظام على الغوطة العام الماضي إثر اتفاق بين الجانب الروسي والفصائل المسلحة التي كانت تسيطر على المنطقة.

ويؤكد سكان من الغوطة، رفض بعضهم الكشف عن أسمائهم الكاملة لأسباب أمنية، أنهم وجدوا أنفسهم مجبرين على تحمل أعباء إعادة إعمار وترميم أحيائهم.

يقول أبو عيسى (اسم مستعار)، أحد سكان مدينة حرستا في الغوطة لارفع صوتك، "الكهرباء تنقطع ساعات متواصلة طوال النهار.. تأتي لساعة واحدة فقط أو أقل أحياناً".

ويتابع" المياه أيضا لا تصل لمنازل الحي إلا ساعة واحدة يوميا. الفرق الوحيد الذي نعيشه اليوم هو دخول المواد الغذائية بانتظام إلى بلداتنا وعدم التلاعب بأسعارها كما كان يحدث في السابق".

حواجز ومحاكم

تنتشر الحواجز العسكرية في مداخل المدن والبلدات وحتى داخل الأحياء. تشرف على الحواجز الرئيسية في مداخل المدن الشرطة الروسية بالتعاون مع الفرقة الرابعة التابعة لقوات النظام السوري، وتتوزع إدارة باقي الحواجز بين الأفرع الأمنية السورية.

تنفذ هذه الحواجز مهام التفتيش والتدقيق الأمني والقبض على المطلوبين من المدنيين الذين ترد أسماؤهم في القوائم المطلوبة للخدمة العسكرية.

وباشرت المحاكم عملها مباشرة، بعضها قبل عودة الكهرباء والماء لبلدات الغوطة. رممت وزارة العدل معظمها. وعادت للعمل محكمة حرستا ومحكمة المليحة. وافتتحت وزارة العدل أيضا المجمع القضائي في كفر بطنا ورممت المجمع القضائي وشعبة التجنيد في مدينة دوما.

ونصت اتفاقات العام الماضي على منح سكان الغوطة الراغبين في البقاء ضمانات بعدم ملاحقتهم من قبل قوات الأمن، إلا أن اعتقالات عديدة حدثت أمام الحواجز العسكرية.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقريرها السنوي الصادر عام 2018، إنها وثقت 1271 حالة اعتقال طالت المدنيين في مدينة ريف دمشق، معظمها في الغوطة الشرقية، وذلك منذ الاتفاق الذي قضى بخروج المسلحين من الغوطة.

وحقق الأمن السوري أيضا مع ناشطين وعاملين في منظمات المجتمع المدني وأعضاء مجالس محلية ومكاتب إغاثية.

وركزت التحقيقات حول مصادر الدعم خلال سيطرة المعارضة، بحسب تقرير الشبكة.

وتعرضت بلدات عدة لحملات اعتقال جماعي. حدث أكبرها في بلدة مديرا خلال شهر أغسطس/آب الماضي، حيث اعتقلت القوات الأمنية 40 مدنيًا خلال مداهمات ليلية.

وقامت القوات الأمنية السورية أيضا بحملات تجنيد من مراكز الإيواء التي لجأ إليها المدنيون بعد خروجهم من الغوطة.

ولجأ إلى هذه المراكز ما يزيد عن 144 ألف مدني بحسب المصادر الرسمية الروسية.

ومنع عدد كبير من شباب الغوطة من مغادرتها إلى العاصمة دمشق بدعوى أنهم مطلوبون للخدمة العسكرية.

إزالة الأنقاض.. بشروط

أعلنت محافظة ريف دمشق في تموز/يوليو 2017، أنها خصصت ثلاثة مليارات ليرة سورية لتنفيذ إعادة الإعمار في الغوطة الشرقية. لكن ذلك لم ينفذ لحد الساعة.

محمد الحسن صحافي من الغوطة يقول لارفع صوتك: "يروج النظام لاحتفال بعد أيام قليلة بما يسميه ذكرى مرور عام على تحرير الغوطة من الإرهاب. وفي الوقت ذاته ما زالت الأنقاض تملأ الشوارع. ويرفض النظام إزالتها، بل يطالبنا بدفع تكاليف نقلها إلى المكبات".

وتقول ورد مارديني، وهي صحافية من الغوطة الشرقية أيضا، "عندما شن النظام حملته الأخيرة على الغوطة، حدث دمار كبير نتيجة القصف، فأصبح معظم مدن الغوطة بحاجة لترميم وإعادة إعمار".

وتضيف “النظام اهتم بترميم الساحات الرئيسية المعروفة لكل مدينة في الغوطة، وأهمل باقي الطرقات. بقي الركام والدمار في معظم الأحياء".

الناطق باسم فرق الدفاع المدني سابقا في الغوطة الشرقية محمود آدم يقول إن فريقه كان يحمل على عاتقه إزالة الركام الذي تتعرض له أي منطقة في الغوطة، "بينما وبعد سيطرة النظام بعام على المدن لم يستطع القيام بأقل واجباته"، حسب آدم.

عمالة الأطفال

انتشرت عمالة الأطفال بكثرة بعد سيطرة النظام على المدينة بسبب غياب معيل للأسرة وانتشار الدمار وإغلاق المدارس.

تقول أم محمد من مدينة حمورية "يعمل أطفالي الثلاثة كبائعين متجولين داخل المدينة. زوجي معتقل منذ سنوات ويكفي أطفالي اليوم أنهم يعملون ويعيلونني، ويكفينا أنه لا يوجد قصف ويمكننا الذهاب لأي مكان والتنقل دون خوف".

وبحسب تقرير صدر عن اليونيسيف فإن 2.7 مليون طفل سوري لم يلتحقوا بالتعليم داخل سورية، وقد أدى ذلك لانتشار عمالة الأطفال.

وبعد سيطرة النظام السوري على الغوطة، نشطت روسيا في المجال الخدمي والإغاثي هناك. وافتتحت العديد من الجمعيات الخيرية وقدمت المساعدات الغذائية لعدد من الأهالي.

تقول مارديني إن الروس يحاولون كسب ود المدنيين "نحن خسرنا الكثير خلال حملة روسيا الأخيرة على المدينة منذ عام، لذلك تعمل روسيا ومعها النظام بتعويضنا عبر مساعدات غذائية لإثبات إنسانيتهم معنا".

 

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية
صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية

عادت العلاقات المُتأرجحة بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى واجهة الأحداث مجدّداً، بعد المواجهات الأخيرة في ريف دير الزور بين ضفّتي منطقة الجزيرة والشاميّة، حيث يتقاسم الطرفان السيطرة فيها منذ عام 2017.

انعكست بشكل سريع في بقعة جغرافية ليست بالبعيدة، وتحديداً في مدينة الحسكة المجاورة، التي يتقاسم الطرفان السيطرة فيها أيضاً، لكن بشكل أكثر تداخلاً وحساسية من الوضع في دير الزور.

استطاعت القوات الكردية -المكوّن الأساسي لِقسد- التمدّد سريعاً في مدينة الحسكة، منذ سيطرتها على بضعة أحياء في أطرافها الشمالية بين عامي 2012 و2014، حتى تموضعها بأحياء الجنوب والجنوب الشرقي ووسط المدينة في العام 2015، وتحديداً بعد طرد فلول تنظيم داعش التي هاجمت الحسكة صيف العام نفسه.

وعلى نحوٍ دراماتيكي، باتت سيطرة حكومة النظام تنحصر فقط في منطقة "المربع الأمني" وسط المدينة، التي تضم عدة أحياء صغيرة وشوارع رئيسة، فيها دوائر حكومية ومبنى القصر العدلي وأفرع المخابرات والتجنيد.

إثر المواجهات الأخيرة في دير الزور، حاصرت "قسد" المربّع الأمني ومنعت قوات النظام من الدخول والخروج وإدخال الإمدادات الغذائية والمياه، فانعكس ذلك على سكان تلك المنطقة الذين "يعانون الأمرّين" جرّاء معيشتهم في مدينة واحدة تحكمها "دولتان" وفق تعبير البعض ممن التقيناهم.

غالبية سكّان مدينة الحسكة يقطنون في أحياء تسيطر عليها "قسد" وذلك لعدة اعتبارات، أهمّها ابتعادهم عن سطوة الفروع الأمنية التابعة للنظام السوري وهروب الشباب من حملات التجنيد، بالإضافة لوضع الخدمات الجيّد نسبياً مقارنة بمنطقة المربّع الأمني.

غير أن ازدواجية العيش في مدينة الحسكة التي تظهر عبر أشكال مختلفة، تجعل السكّان يعيشون "تناقضاً صارخاً" كما يقول الناشط المدني عبد الرحمن بكرو، الذي يعيش في القسم التابع لـ"قسد".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن  "الأهالي والسكّان كانوا يأملون أن تسيطر الإدارة الذاتية على كامل أحياء الحسكة، لينتهي هذا الصراع المتجدّد بين طرفين يحكمان أحياء متداخلة داخل مدينة واحدة".

كما أن الكثير من السكان في مناطق سيطرة "قسد"، يتابع بكرو "هم موظفون في دوائر حكومية تابعة للنظام السوري، ويقبضون رواتبهم الشهرية منه، الأمر الذي يجبرهم على إنجاز التعاملات القانونية والأمنية مرتين، مرة في مناطق سكنهم، وأخرى في مناطق عملهم".

يبيّن: "هذه المشكلة تزداد تعقيداً مع وجود بعض الكليات والمعاهد والمدارس في منطقة سيطرة النظام السوري، ما يضطر الطلاب إلى استخلاص تأجيل دراسي من شعبة التجنيد التابعة لحكومته، كما يقومون بإنجاز أوراق مشابهة في مناطق سكنهم الأصلية".

"إذاً، عليك القيام بكل واجباتك القانونية لدولتين في وقت واحد"، يقول بكرو.

 

المدنيون "يدفعون الثمن"

بحسب بعض سكان الحسكة الذين تحدث إليهم "ارفع صوتك"، فإن الشارع الواحد داخل المدينة (مثلاً طوله نحو 300 متر)، قد يضم حاجزين أمنيين، أحدهما تابع لشرطة "قسد" وتُدعى "الأسايش"، والآخر يتبع النظام.

يقول عباس سلو (46 عاماً)، إن هذا الأمر يسبب ضغوطات كبيرة على السكان، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "تتميز الحسكة بأنها مدينة صغيرة جداً، وأحياؤها متداخلة بشكل كبير جداً، لذلك فإن التنقل بين شارع وآخر ضرورة لا مفرّ منها".

"لا سيما أن النظام السوري يسيطر عملياً على قلب المدينة، بما تحويه هذه المنطقة من دوائر حكومية وأسواق رئيسية. لا يمكن لسكان الحسكة أن يقولوا (لن نمرّ من هناك)"، يتابع سلو.

يعود آخر تاريخ للمواجهات المسلّحة بين "قسد" وقوات النظام في الحسكة إلى ربيع 2021، ورغم ذلك، فإن الأهالي يعبّرون دائماً عن تخوّفهم من أنّ أي توتّر بين الجانبين في أيّ مكان من نقاط التماسّ بينهما، سينعكس سلباً على حياة المدنيين واستقرارهم.

وأدّت المواجهات السابقة بين الطرفين إلى وقوع ضحايا بين المدنيين، يقول كمال راضي، من سكان حي المحطّة وسط الحسكة "ذنبهم الوحيد أنّهم تواجدوا خلال اشتعال فتيل المناوشات".

يوضح راضي (39 عاماً): "المناوشات بين الجانبين في دير الزور تحصل عادةً بين ضفتي النهر، وهذا يعطي المدنيين فرصة للفرار من مناطق التوتر، أما في الحسكة، فلا يبعد الحاجز العسكري لقسد سوى بضعة أمتار عن حواجز النظام السوري، ما يعني حتميّة الإضرار بالمدنيين في المنطقة، مع عدم وجود فرصة للهروب".

وخلال الحصار الأخير لمنطقة المربع الأمني في مدينة الحسكة، قال سكان مدنيون إنهم تضرّروا بشكل واسع جراء القيود على دخول سيارات الشحن بما تحمله من مواد غذائية وعبوات مياه الشرب.

هذا الأمر، أدى لرفع أسعار بعض المواد الغذائية قبل أن تعود تدريجياً إلى معدّلاتها السابقة.