سوري يحمل أفرشة تلقاها كمساعدات إنسانية من الهلال الأحمر
سوري يحمل أفرشة تلقاها كمساعدات إنسانية من الهلال الأحمر

تضيق الفصائل الجهادية الموجودة في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا الخناق أكثر فأكثر على نشاط منظمات الإغاثة الدولية من خلال تهديد طواقمها والتدخل في المشاريع الإنسانية وعرقلة وصول المساعدات، وفق ما يروي عاملون فيها.

وتؤوي إدلب ومحيطها نحو ثلاثة ملايين نسمة، 2,7 منهم يحتاجون مساعدات إنسانية وفق الأمم المتحدة. ويعتمد غالبية هؤلاء بشكل رئيسي في تأمين الطعام والأدوية وسواها على مساعدات تقدمها الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية بعد إدخالها عبر الحدود التركية.

وبعد إقصائها فصائل معارضة مدعومة من تركيا، باتت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، وجناحها المدني تحت مسمى "حكومة الإنقاذ"، تسيطران على المنطقة. وساهم ذلك في مفاقمة الوضع الانساني المتردي أساساً مع فرض الهيئة قيوداً جديدة وخشية المجتمع الدولي من وصول المساعدات إلى غير مستحقيها.

وكثفت قوات النظام السوري وحليفتها روسيا قصفها على المحافظة ومناطق مجاورة لها منذ شباط/فبراير، قبل أن تزداد وتيرته خلال الأسبوع الأخير. واضطر عشرات آلاف السكان لترك منازلهم والنزوح إلى مناطق لا يستهدفها التصعيد لا سيما المخيمات.

وتقول مستشارة السياسات والمدافعة في المجلس النرويجي للاجئين راشيل سايدر لوكالة الصحافة الفرنسية إن محاولات "سلطات الأمر الواقع" في إدلب "للعبث وإعاقة أو إحباط إيصال المساعدات الإنسانية، بما في ذلك تقويض سلامة العاملين الإنسانيين يشكل حقيقة مؤسفة".

ويشير عامل إغاثة سوري (27 عاما) لدى منظمة انسانية دولية، رفض الكشف عن هويته حفاظاً على سلامته، إلى أن "المضايقات ازدادت منذ مطلع العام". ويوضح "لا توجد أي منظمة إغاثية إلا وتعرضت للتهديد بالاعتقال أو الاغلاق لأسباب تافهة جدا".

ويروي أنه تعرّض الشهر الماضي لتهديد بالاعتقال من عناصر هيئة تحرير الشام بعد رفضه إعطاءهم بعض الحصص الغذائية وفرش من الاسفنج، أثناء قيام منظمته بتوزيعها داخل مخيم في جنوب إدلب. ويشرح "قالوا لي لماذا لا توزعون المساعدات علينا فنحن مجاهدون؟".​​

"يريدون حصّة"

يتم إدخال المساعدات إلى إدلب من تركيا، بموجب آلية استحدثها مجلس الأمن في العام 2014 ويتم تمديد العمل بها سنوياً. وتم تجديدها لسنة نهاية العام رغم معارضة روسيا التي تحدّثت عن "أدلة تثبت أن قسماً من المساعدة الإنسانية تتمّ سرقته وتحت سيطرة جبهة النصرة الارهابية وتابعيها في إدلب".

وباتت المنظمات الإنسانية مضطرة لاتخاذ تدابير إضافية منذ مطلع العام.

ويشرح منسّق الشؤون الإنسانية الإقليمي للأزمة السورية بانوس مومتزيس: "سيطرة هيئة تحرير الشام جعلتنا. نتخذ بالفعل عدداً من التدابير الوقائية: تدقيق إضافي من الشركاء، الموردين، حتى العمال والموظفين بالإضافة إلى رصد من طرف ثالث عبر استخدام التكنولوجيا الحديثة كالرمز الشريطي وإنشاء خطوط اتصال ساخنة، للتأكد من وصول المساعدات إلى الأشخاص المناسبين".

ورغم ذلك، لا يمكن لمنظمات الإغاثة وفق سايدر أن "تزيل خطر انحراف" المساعدات.

وتواجه منظمات الإغاثة، وفق ما يشرح المتحدث الإعلامي في منطقة الشرق الأوسط لدى لجنة الإنقاذ الدولية بول دونوهو "تدخلاً من المجموعات المسلحة في إدلب، عبر تقييد الوصول إلى الفئات المحتاجة أو محاولة التأثير على اختيار المستفيدين وموقع توزيع المساعدات".

وأحجم العديد من المنظمات الدولية عن تنفيذ مشاريع مؤخرا بسبب هذا التدخل. 

ويروي موظف آخر (29 عاماً) لدى منظمة إنسانية دولية، تحفظ عن ذكر اسمه خوفاً من ملاحقته، كيف توقفت خطة لتزويد الأفران في إدلب بالطحين مجاناً، بعد إصرار "حكومة الإنقاذ" على توزيعه على الأفران التابعة لها حصرا.

ويوضح "بات نشاطنا كمنظمة متواضعاً جداً بعد ما حصل معنا".

وتحاول "حكومة الإنقاذ" أن تحظى الهيئات المنبثقة عنها أو المرتبطة بها بعقود ومناقصات مع المنظمات الدولية، رغم محاولات الأخيرة التخلص منها عند فضّ العروض، على حد قوله. ويضيف "يريدون حصّة من أي مشروع يُنفذ".

ضغوط متزايدة

ورغم أنه لم يطرأ أي انخفاض كبير على تقديم المساعدات الإنسانية، إلا أن قلق الجهات المانحة أدى إلى خفض التمويل الذي تستفيد منه بعض المرافق لا سيما الطبية.

ويقول مدير منظمة الإغاثة الإسلامية في سوريا أحمد محمود لوكالة الصحافة الفرنسية: "حتى الآن، اضطرت خمس مستشفيات رئيسية الى الإغلاق بشكل كامل، وسبعة مرافق طبية أخرى، بينها مستشفيات خاصة بطبّ الأطفال والتوليد، إلى تقليص عملياتها بشدة جراء خفض التمويل".

ويعدد أسباباً عدّة قد تبرر خفض التمويل، لكنّه يقرّ بأنه "قد يكون لدى بعض المانحين مخاوف بشأن تحولات السيطرة في شمال غرب سوريا، ما أثّر على قرارات التمويل".

ويشير إلى أنه "مع اقفال المرافق أبوابها واحداً تلو الآخر، يزداد الضغط على تلك المتبقية" قيد الخدمة. ولم يسلم عدد منها من جولات القصف الأخيرة.

في المقابل، ترفض "حكومة الإنقاذ" الاتهامات الموجهة إليها بعرقلة إيصال المساعدات وتوزيعها. 

*المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية

 

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".