سوريا

تفاصيل محاكمة ضباط سوريين يرويها متحدثين من داخل المحكمة

محمد ناموس
05 مايو 2020

في تطور لافت لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب في القضية السورية، بدأت للمرة الأولى أواخر نيسان الماضي محاكمة المتهمين أنور رسلان (57 عامًا) وإياد الغريب (43 عامًا)، بتهم جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في تلك الجرائم.

الضابطان السوريان تم القبض عليهما العام الماضي في ألمانيا بعد أن قدما طلبات لجوء هناك نهاية العام 2017 بعد أن انشقا عن النظام السوري وانضما للمعارضة السورية في ذلك العام.
بدأت المحاكمة في المحكمة الإقليمية العليا في بلدة كوبلنز غرب ألمانيا بالاستماع إلى إفادة المحقق مانويل دوسينغ الذي تولى مهمة التحقيق مع المتهمين.

وبحسب المحقق مانويل فإن الضابط رسلان اعترف بأن الاستجوابات مع المعتقلين كانت تتم بالعنف، وأوضح باعترافاته بالتفصيل الأساليب المختلفة للتعذيب التي كانت تمارس في فرع الخطيب.

أما المتهم الآخر إياد الغريب، اعترف بعمله لدى المخابرات السورية لعدة أشهر، وأنه رأى التعذيب الذي كان يحصل للمعتقلين في فرع الخطيب الذي كان يرأسه آنذاك أنور رسلان.

في قفص الاتهام

في تقرير حديث لمنظمة هيومن رايتس ووتش، فإن أنور رسلان، هو أرفع مسؤول سوري سابق مزعوم يُحاكم في أوروبا بتهمة ارتكاب جرائم خطيرة في سوريا، حيث يتهم المدّعون الألمان أنور بالإشراف على تعذيب محتجزين بين نيسان 2011 وأيلول 2012 بصفته المزعومة كرئيس لقسم التحقيقات في "فرع الخطيب" التابع لإدارة المخابرات العامة في دمشق، والمعروف أيضا باسم "الفرع 251".

وبحسب الادعاء فإن مرؤوسي أنور عذّبوا 4 آلاف شخص على الأقل أثناء الاستجواب في الفرع، بما في ذلك الضرب والصدمات الكهربائية.

أما المشتبه به الثاني، إياد الغريب هو مسؤول أدنى رتبة في إدارة المخابرات نفسها، مُتَّهم بالمساعدة والتحريض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ووفقا للادعاء فأن إياد احتجز محتجين عام 2011 وسلمهم إلى فرع الخطيب، حيث تعرضوا للتعذيب لاحقا.

منظمة هيومن راتيس ووتش أشارت إلى أن هذه القضية يجب أن تكون بمثابة تحذير صارخ لأولئك الذين يرتكبون انتهاكات في سوريا في الوقت الحالي، ويظنون أنهم بعيدون عن متناول العدالة.

وقالت المستشارة في برنامج العدالة الدولية في المنظمة بلقيس جراح، "إنها اللحظة الفاصلة بالنسبة للضحايا المصممين على تحقيق العدالة على الجرائم المرتكبة بحقهم في سوريا، ينبغي أن تكون إجراءات اليوم بمثابة تذكير مهم بالحاجة إلى القيام بالمزيد لضمان المساءلة عن الفظائع المروعة للصراع".

وأضافت جراح "مع منع سبل العدالة الأخرى، تقدّم المحاكمات الجنائية في أوروبا الأمل لضحايا الجرائم في سوريا الذين ليس لديهم مكان آخر يلجؤون إليه.

وترى الجراح أن المحاكمة في كوبلنز تفيد بأن المحاكم "حتى على بعد آلاف الأميال من مكان حدوث الفظائع، يمكن أن تلعب دورا حاسما في مكافحة الإفلات من العقاب".

مجريات المحاكمة

ويوضح مدير التقاضي الاستراتيجي في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير المعتصم الكيلاني، الذي كان أحد الحاضرين لجلسات المحاكمة، أن لائحة الاتهام تضمنت ارتكاب الضابطين جريمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأن عدد التهم المنسوبة لهما هي 4000 تهمة تتضمن العنف الجنسي والتعذيب الجسدي والصعق الكهربائي داخل السجون، وأن عدد الشهود في هذه القضية يزيد عن 24 شاهد من المعتقلين السابقين.

ويقول الكيلاني في حديث لموقع (ارفع صوتك)، "تأتي أهمية هذه المحاكمات كونها أولى المحاكمات العلنية لجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتكبت في سوريا".

وهنا تبرز نقلة نوعية من خلال التحقيقات النظرية التي كانت تعمل عليها وحدات جرائم الحرب، استناداً لملفات كان يتم تقديمها من المنظمات السورية والدولية الداعمة لعملية التقاضي في سوريا، وفقا للكيلاني.

ويضيف "نحن نتحول الآن من أشياء نظرية لأشياء تطبيقية، ومن هنا تأتي أهمية هذه المحاكمات كونها أولى المحاكمات العلنية، ومن المؤكد أن هذه المحاكمة ستعمل على تشجيع باقي دول الاتحاد الأوربي لفتح هذه الملفات التي لديها عن الجرائم في سوريا، لتبدأ بخطوات إيجابية وعملياتية جديدة، وأظن خلال هذا العام سيكون هناك محاكمات علنية أخرى لمرتكبي جرائم ضد الإنسانية في سوريا".

ووصف الكيلاني مجريات التحقيق في الجلسات الأربعة بقوله:

اليوم الأول للجلسة كان للادعاء العام وكانت تتركز الاتهامات حول القتل تحت التعذيب والاغتصاب داخل مراكز الاعتقال، أيضا قام المدعي العام بوصف كامل للحالة غير الإنسانية التي كانت تدور داخل السجون مع شرح مفصل عن الأجهزة الأمنية في سوريا، واستخدام القوة المفرطة بوجه المتظاهرين السلميين في سوريا، وبالتحديد فرع الخطيب، مع طرح أمثلة لعمليات التعذيب.

الجلسة الثالثة للمحاكمة كانت في 28 نيسان/ أبريل الماضي، وطلب المدعي العام الاستماع لسرد سياسي من خبيرة سياسية خاصة لفهم الأوضاع في سوريا وطبيعة النظام الأمني في سوريا.
أما الجلسة الرابعة بتاريخ 29 من الشهر نفسه، اعتمدت على شهادات لموظفين من المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في ألمانيا ومستشارة من الخارجية الألمانية ومستشارة من مكتب الهجرة في ألمانيا.

ويرى الكيلاني أن السوريين اليوم يتطلعون لعدالة انتقالية وسلام مستدام في سوريا، وأكد أنه من المستحيل أن تتم هذه العملية بدون عقاب لمرتكبي هذه الجرائم وتقديمهم للمحاكم.
وتابع "هناك قائمة طويلة لمركتبي جرائم الحرب في سوريا وسنقوم بمتابعتهم خطوة خطوة خارج سوريا".

فرصة دولية

وتتمتع ألمانيا بمبدأ الولاية القضائية العالمية، وهذا المبدأ يسمح لها بمقاضاة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن جنسيتهم أو مكان وقوع جريمتهم.

ويشير الكاتب والمحلل السياسي السوري درويش خليفة إلى أن "هذا الأمر سهل مهمة سوق الضابطين المنتهكين لحقوق الإنسان".

ويقول خليفة في حديث لموقع (ارفع صوتك) "تأتي أهمية محاكمة الضابطين السوريين في ألمانيا كونها الأولى بعد تسعة أعوام على انطلاق الحراك السوري المطالب بالحرية والديمقراطية، ومن كونها التجربة الأولى في جر مرتكبي جرائم ضد الإنسانية في الحالة السورية لمحاكمة دولية".

ويعرب خليفة عن أمله في "تحقيق العدالة والقصاص ممن ساهم بالنيل من كرامة السوريين المطالبين بأبسط حقوقهم المدنية".

ويرى الكاتب خليفة أن هذه المحاكم فرصة للأسرة الدولية لتفرض قراراتها الملزمة لإجبار النظام السوري الالتزام بتطبيق ما نتج عن مؤتمر جنيف الأول وقرار مجلس الأمن 2254.

ضحا " كل السوريون يتطلعون أن تستفيد فرنسا أيضا من مبدأ الولاية القضائية العالمية ومحاسبة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية، باعتقادي القضاء الأوروبي وليس الألماني فحسب، على المحك في إظهار قيمة العدالة و هم يملكون كل مقومات محاسبة أزلام النظام اللاجئين في أوروبا".

الشهادات كثيرة

تواجد في المحكمة ستة من الضحايا وعدد من الشهود على عمليات التعذيب داخل السجون، بالإضافة لامرأة تم اعتقالها عام 2011 واغتصابها في فرع الخطيب الأمني.

ووصف المدعي العام ظروف السجن بأنها "غير إنسانية" مشيراً إلى أن كل زنزانة مساحتها لا تزيد عن 50 متراً مربعاً فيها أكثر من 140 معتقلاً، لم يكن بإمكان أي منهم الجلوس أو النوم.

المركز السوري للإعلام وحرية التعبير رحب بالمحاكمة التي وصفها بالأولى من نوعها على المستوى العالمي.

وأكد في تقرير له أن الهدف هو إيصال المشتبه بهم لمحاكمات تتوفر فيها جميع ضمانات المحاكمة العادلة وتسمح بوصول الضحايا لحقوقهم وسماع أصواتهم بعيدا عن الانتقام بل سعيا لقطع الطريق عليه.

ووصف هذه المحاكمة بـ"الخطوة الجديدة في طريق طويل".
 

محمد ناموس

مواضيع ذات صلة:

سوريا

من المسؤول عن الاغتيالات والتفجيرات شمال سوريا؟

محمد ناموس
03 يونيو 2020

يتوالى مسلسل التفجيرات ومحاولات الاغتيال في شمال سوريا وتحديداً بمنطقة درع الفرات التي تتوزع فيها فصائل معارضة موالية لتركيا.

وكان آخرها انفجار مركبة مفخخة في بلدة جنديرس التابعة لمدينة عفرين شمال غربي سوريا، بالإضافة إلى انفجار عبوة ناسفة في مدينة الباب بريف حلب الشرقي ما أدى لجرح مدنيين بينهم طفل وسيدة.

وتعيش المنطقة حالة عدم استقرار أمني فيما تتنوع الانفجارات بين زرع عبوات ناسفة أو تفخيخ مركبات بالمتفجرات أو محاولات اغتيال لشخصيات وقيادات عسكرية من قبل مجهولين.
ويوم الإثنين الفائت، اغتيل ضابط وعنصر من الشرطة العسكرية التابع لقوى الشرطة والأمن العام في مدينة الباب على يد مجهولين، حيث تعرضوا لعدة طلقات نارية من مجهولين كانوا يستقلون دراجة نارية قرب دوار المروحة في المدينة، ما أدى إلى مقتل الملازم أول صالح عقيل والعنصر يوسف حج يوسف.

بينما أصيب أحد منفذي العمليات بطلق ناري بعد أن حصل تبادل لإطلاق النار بين المنفذين وعناصر الدورية.

وسبق هذه الحادثة عملية اغتيال استهدفت عنصرين في بلدة الراعي شمال سوريا والحدودية مع تركيا، حيث تعرض العنصرين إلى استهداف بطلق ناري من مجهولين عند طريق قرية طويران القريبة من بلدة الراعية ما أدى لمقتلهما، وفق ما أكده المرصد السوري لحقوق الإنسان.

"من جيش حر إلى مليشيات"

ويرى العقيد السوري حاتم الراوي، أن كل ما نراه في الشمال السوري من انتهاكات وسلب واغتيالات وتفجيرات هو الشيء الطبيعي لمثل حالة الفصائل المسلحة.

ويقول "بدأ الجيش الحر حراً، ولكن الأيادي التي دخلت عليه باسم أصدقاء سوريا تمكنت وبمنتهى الخبث والدهاء من تفتيته قبل التئامه"، مضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك)، أنه "كان يضم خيرة شباب سورية، وحولته هذه الأيادي إلى ميليشيات تحارب بدون رؤية ولا هدف بتوجيه الممول إلى حيث ما يؤجج الفوضى والخلل، فاستشهد المقاتلون الذين قاتلوا بشرف وعقيدة وتمت تصفية البعض منهم وانسحب الباقون".

ويتابع الراوي، أنه ظهر "قادة من حثالة المجتمع وكان همهم السلب والنهب والاعتداء على المدنيين ولا يوجد شيء اسمه المحاسبة، هذه حقيقة الفصائل".

وعندما بدأت تركيا بتشكيل الجيش الوطني اصطدمت بهذه الحقيقة "مع أني لم ألمس الحزم بهذه المحاولة، وبالتالي طالما هذا حال الفصائل فلن نرى إلا ما نراه الآن"، بحسب العقيد اراوي.

فساد أو قلة خبرة

وتبين إحصائيات نشرها "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية"، أن محاولات الاغتيال بين شهري آب إلى كانون الأول من العام الماضي في منطقة درع الفرات وصلت إلى 24 محاولة، ونفذ منها 13 محاولة عبر طلق ناري وحققت 12 منها الغاية بتصفية الجهة المستهدفة بينما فشلت محاولة واحدة بتنفيذ هدفها.

وأوضح المركز أن أربعة محاولات منها تم تبنيها من غرفة عمليات "غضب الزيتون" بينما بقيت تسع محاولات مجهولة المنفذ.

وكانت الفصائل التابعة للجيش الوطني المعارض والمقرب من تركيا هدفاً لتسع محاولات اغتيال بينما هناك أربع محاولات استهدفت كوادر إدارية وعناصر من الشرطة المحلية.

ويرى العقيد فايز الأسمر أن الاغتيالات والتفجيرات هي نتيجة الفوضى وانتشار السلاح العشوائي في شمال سوريا.

ويقول الأسمر لموقع (ارفع صوتك)، إن "هناك ثلاثة احتمالات لدخول المتفجرات والعربات المفخخة إلى شمال سوريا، فقد تكون عن طريق تقديم الرشاوى لبعض الفاسدين القائمين على الحواجز عند مداخل المدن أو أنهم سمحوا بدخول عربات تحتوي على متفجرات دون دراية أو خبرة منهم أو وجود أجهزة متطورة تكشف ذلك، أو قد تكون صنعت داخل الشمال السوري بحكم توفر المواد المساعدة لذلك".

كما وثقت إحصائيات مركز عمران حصول 17 محاولة اغتيال في منطقة عفرين بين آب إلى كانون الأول من العام الماضي، ونفذ ثماني منها عبر طلق ناري وحققت جميعها الغاية من تصفية الجهة المستهدفة، فيما تم تنفيذ محاولة واحدة عن طريق زرع لغم أرضي، وتبنت غرفة عمليات "غضب الزيتون" سبع محاولات منها.

وكانت فصائل الجيش الوطني هدفاً لسبع محاولات اغتيال منها بالإضافة لمحاولتين استهدفتا جهات مدنية، بالإضافة لتوثيق 14 محاولة اغتيال في محافظة إدلب وما حولها وحققت 13 منها المهمة بتصفية الجهة المستهدفة بينما فشلت محاولة وحيدة ونجا المستهدف.

واستهدفت سبع محاولات منها هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة سابقاً" بينما تعرضت فصائل الجبهة الوطنية للتحرير إلى أربع محاولات اغتيال بالإضافة لمحاولات اغتيال جهات مدنية بواقع ثلاث محاولات.

محمد ناموس