سوريا

سوريا تفرض رسوم دخول أراضيها على مواطنيها

محمد ناموس
10 يوليو 2020

عادة ما تفرض الدول على الأجانب القادمين إليها رسوم فيزا للدخول إلى أراضيها لغرض السياحة أو لأسباب أخرى.

أما أن تفرض الدولة على أهلها تلك الرسوم فهذه مفارقة كبيرة لم تحدث سابقاً، وحدثت يوم أمس في سوريا!

حيث فرضت الحكومة السورية على مواطنيها من السوريين المغتربين العائدين إلى سوريا، دفع مبلغ 100 دولار أمريكي عند المعابر الحدودية.

رئاسة مجلس الوزراء التابعة للنظام السوري أصدرت في الثامن من تموز الجاري قراراً يُلزِم جميع السوريين العائدين إلى سوريا بدفع مبلغ 100 دولار أمريكي أو ما يعادلها من العملات الأجنبية التي يقبل بها مصرف سوريا المركزي حصراً إلى الليرات السورية.

وألزمت الحكومة بأن يكون الصرف وفقاً لنشرة أسعار صرف الجمارك والطيران، اعتباراً من بداية آب المقبل.

صحيفة الوطن المحلية نقلت القرار وأشارت إلى أنه جاء بناء على مقترح لوزارة المالية في حكومة النظام السوري، وأعفى المواطنين الذين لم يبلغوا الـ18 من العمر، وسائقي الشاحنات والسيارات العامة من الدفع.

أثار القرار سخرية واستياء واسعين في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الناشطين السوريين خارج وداخل سورية.

حيث أن القرار يمس الموالين والمعارضين للنظام السوري على حد سواء.

لكن الموالين للنظام هم الأكثر تضررا، لأن المعارضين لا يستطيعون العودة إلى سورية أصلا.

وعلّق أحدهم إلى أن القرار يهدف إلى سرقة السوريين بطريقة ممنهجة، من أجل دعم خزينة النظام الذي يواجه عقوبات أميركية جديدة بفعل قانون قيصر من جهة، ويشهد أزمة اقتصادية خانقة دفعت الناس للتظاهر في شوارع محافظة السويداء مع احتجاجات موازية في مواقع التواصل.

وقال معلقون أن تأكيد القرار الذي وقعه رئيس مجلس الوزراء الجديد حسين عرنوس، على أن تصريف المبلغ المدفوع سيكون حسب السعر الرسمي الصادر عن بنك سوريا المركزي، يؤكد نية السرقة من قبل "الدولة"، لأن سعر الصرف الرسمي أدنى بكثير من سعر الصرف الحقيقي للدولار في السوق، والذي بلغ نحو 2300 ليرة سورية، فيما بلغ حسب النشرة الرسمية الصادرة عن مصرف سوريا المركزي 1200 ليرة سورية فقط.

الشبكة السورية لحقوق الإنسان أدانت القرار وأشارت إلى أن "النظام السوري مُستمر في وضع قوانين تنتهك مبادئ حقوق الإنسان، وتُشرعن عملية نهب الأموال، وذلك لأن القيمة الفعلية في الأسواق وفي المعاملات على أرض الواقع تزيد عن ضعف سعر الصرف المحدد من المصرف المركزي، وهذا يعني خسارة المواطن السوري لما يعادل 55 إلى 60 دولار لصالح النظام السوري".

علماً أن سعر الليرة السورية أمام الدولار وفق نشرة النظام الرسمية اليوم هو 1250، فيما يبلغ السعر في الأسواق ضعف هذا الرقم تقريباً.

وأكدت الشبكة أن "النظام السوري وفي الوقت الذي يفرض هذه الرسوم التعسفية ويُضيّق على المواطن السوري في المناطق الخاضعة لسيطرته، مازال يُنفق ملايين الدولارات على مصاريف ورواتب الأجهزة الأمنية التي تُمارس عمليات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، وملايين من الدولارات على مصاريف الحشود العسكرية المستمرة والمحيطة بمنطقة إدلب".

ويأتي قرار دفع رسوم الدخول إلى سوريا من قبل مواطنيها بعد دخول قانون قيصر، الذي يفرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري، حيّز التنفيذ في حزيران الماضي، في حين لم تشهد الليرة السورية انخفاضًا كبيرًا في قيمتها لحظة تطبيق القرار، وحافظت على الحدود التي كانت تتأرجح عندها، على عكس كثير من التوقعات.

يشير الناشط السوري أحمد الحاج إلى أن "النظام السوري استنفذ جميع أوراقه وبدأ العمل على سرقة السوريين الموجودين في الخارج"، على حد تعبيره.

ويضيف الحاج في حديث لموقع (ارفع صوتك)، "كل يوم يخرج علينا النظام بطلبات جديدة، آخرها كان رفع قيمة بدل العسكرية إلى مبالغ كبيرة جداً وبالدولار حصراً، واليوم يخرج علينا بهذا القرار الجديد، لم يعد لدى النظام أي ورقة أخرى يلعب عليها غير الشعب السوري الفقير".

النظام السوري عمل في الأشهر الأخيرة على محاولة لجمع العملات الأجنبية، حيث تحول اهتمامه مؤخراً إلى كيفية رفد خزينته بالأموال الأجنبية بمختلف الطرق وشتى السبل والوسائل.

في ديسمبر 2019، نشرت صحيفة البعث الموالية للنظام السوري اقتراحا للنظام بفرض ضريبة على المغتربين السوريين المقيمين في لبنان وتركيا والخليج وأوروبا لإعادة جزء من دخلهم إلى سوريا.

ومنذ يناير 2020، يحاول النظام تحقيق استقرارٍ في سعر الليرة السورية والاستئثار بالأموال الأجنبية الواردة عن طريق منع الحوالات غير الرسمية التي يفضّلها السوريون منذ فترة طويلة على مكاتب التحويل المرخّصة.

ومع انخفاض مخزون العملة الأجنبية، لجأ النظام خلال السنوات الماضية إلى إيران بهدف مده بالدولار، إذ صرح عضو مجلس الشعب الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه، في 8 من آذار الماضي، أن إيران أعطت ما بين 20 و30 مليار دولار لنظام بشار الأسد.

محمد ناموس

مواضيع ذات صلة:

صورة حديثة لأحد مزارعي شمال سوريا بعد حصاد القمح- فرانس برس
صورة حديثة لأحد مزارعي شمال سوريا بعد حصاد القمح- فرانس برس، تعبيرية

لا تزال مناطق شمال شرق سوريا التي تحكمها "الإدارة الذاتية" التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، تعيش حالة غليان وغضب شعبي واستياء كبير في أوساط المزارعين، بعد قرار مثير للجدل بتسعير كيلو غرام القمح بسعر 31 سنتاً.

السعر الجديد اعتبره المزارعون قراراً كارثياً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي ولا سيما المحروقات، في وقت أقرّت الإدارة الذاتية، عبر بيان، أن التسعيرة "قد لا تناسب معايير التكلفة والربح"، مبرّرة القرار بـ"الخناق الاقتصادي الذي تتعرض له جغرافيا مناطق شمال وشرق سوريا وهجمات الاحتلال التركي، مما أثَّر سلبا على الكثير من الموارد المالية".

خلال بيانٍ صحفي.. الزراعة والري توضح سبب انخفاض سعر القمح أصدرت هيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية الديمقراطية...

Posted by ‎الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا‎ on Tuesday, May 28, 2024

وأوضحت "الإدارة الذاتية" في البيان نفسه أنها "اتخذت القرار السليم في الاتجاه السليم في هذه الظروف والأوقات العصيبة التي تمر بها جغرافيا شمال وشرق سوريا".

وكانت أقرّت في العام الماضي سعر 43 سنتاً للكيلو غرام الواحد من القمح، ما اعتبره مزارعون إجحافاً كبيراً بحقّهم، ذلك أن أسعار السماد والمحروقات وأجور اليد العاملة ارتفعت بنسبة كبيرة خلال عام، كما يقول المزارع عبد الرزاق الدخيل، من منطقة الشعيطات شرق دير الزور.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن القرار تسبب بصدمة كبيرة لد ى مزارعي المنطقة، فالسعر الجديد "أقل حتى من السعر الذي يشتري فيه النظام السوري القمح من مناطق سيطرته، وهو 42 سنتاً".

"كأننا تعبنا خلال عام وزرعنا المحصول بالمجان"، يتابع عبد الرزاق، مشيراً إلى أن قسماً كبيراً من المحاصيل أساساً تعرضت للتلف، نتيجة الأمطار الغزيرة التي هطلت في أبريل الماضي.

وتوعّد مزارعون في أرياف الحسكة والرقة ودير الزور ومنبج بتصعيد حراكهم ضد الإدارة الذاتية في حال عدم التراجع عن القرار الجديد، وخرجت مظاهرات ووقفات احتجاجية في مناطق كثيرة بينها عامودا والدرباسية في ريف الحسكة والطبقة والمنصورة بريف الرقة.

ونقل المرصد السوري لحقوق الإنسان صوراً من وقفة احتجاجية لفلاحين في سوق مدينة الدرباسية شمال الحسكة، للتنديد بسعر القمح والمُطالبة بتعديله، ووصفت اللافتات القرار بـ"الظالم"، وبأنه "تجويع" للأهالي.  

 

تأثيرات "كارثية"

تعتمد الغالبية العظمى من مزارعي القمح في الشرق السوري على محصولهم من "الذهب الأصفر" لتلبية احتياجاتهم المعيشية، وسط شحّ الموارد الاقتصادية في المنطقة.

ويعوّلون كل صيف على واردات بيعهم لمحاصيل القمح، لتعينهم على مصاريف عام كامل بعد سداد ديونهم، بحسب المزارع حيان الخزعل من منطقة المنصورة غرب الرقة.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن زارع القمح يعيش طيلة العام بالدَّين، على أمل السداد بعد جني المحصول، لكن "هذا العام، فالمبلغ الذي نحصله بحسب التسعيرة الجديدة، بالكاد يكفي لسداد الديون المترتّبة من شراء المحروقات والسماد ودفع أجور اليد العاملة".         

ويتوقع حيّان أن "يتناقص محصول القمح في شرق سوريا إلى النصف في العام القادم، إذا لم يتم تعديل القرار أو إعطاء ضمانات للفلاحين بتعديل التسعيرة".

يُذكر أن تسعيرة القمح تناقصت بشكل لافت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في مناطق الإدارة الذاتية، حيث اشترت الكيلو الواحد من الفلاحين بـ 55 سنتاً في عام 2022، وبـ43 سنتاً في 2023، وبـ31 سنتاً في العام الحالي.

يرى الباحث الاقتصادي حيّان حبابة، أن رفع التسعيرة سيفرز تأثيرات "كارثية"، موضحاً لـ"ارفع صوتك": "برزها تغييب الحافز الاقتصادي لدى المزارعين، الذين يمكن أن يتحولوا إلى زراعة محاصيل أخرى غير القمح تكون أقل تكلفة وأكثر ربحاً".

كما أن عزوف المزارعين عن إنتاج محصول القمح "سيخلق عدة مشاكل في مناطق شمال شرق سوريا، أبرزها انتشار البطالة، وأخطرها دفع فئة كبيرة من سكان تلك المناطق إلى الهجرة منها بدافع البحث عن فرص حياة أفضل، ما يجعل القرار أشبه "بعملية تهجير ممنهجة"، بحسب حبابة.

ولا يستبعد أن يكون إقرار التسعيرة تم "بعد دراسة للاستفادة من محاصيل الفلاحين، بالاتفاق مع تجار عراقيين وآخرين تابعين للنظام السوري، بحيث يتم شراؤه بـ 31 سنتاً، وبيعه لوسطاء تابعين للنظام السوري بـ43 سنتاً، أو لتجار عراقيين بـ65 سنتاً (وفق التسعيرة المحلية في العراق)".

وخلال السنوات الفائتة، واجهت الإدارة الذاتية اتهامات بتهريب مئات الأطنان من القمح للنظام السوري عبر تجار وسطاء أبرزهم عائلة القاطرجي، في محاولة للالتفاف على عقوبات قانون "قيصر" الأميركي الذي يمنع التعاملات الاقتصادية مع دمشق.

من جهته، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن قرار الإدارة الذاتية كأنه "تقديم محصول القمح على طبق من ذهب للنظام السوري".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "من الممكن وجود تفاهمات معينة بهدف بيع المحصول للنظام السوري سواء بشكل مباشر أو عن طريق التهريب وبالمقابل الحصول على مكاسب أخرى للإدارة الذاتية في مواضيع أخرى".

ويمكن الاستدلال على ذلك، يبيّن المغربل، بأن مساحة الأراضي المزروعة للقمح في سوريا عام 2010 كانت تُقدَّر بـ1599 ألف هكتار، انخفضت عام 2021 بشكل بسيط إلى 1567.3 ألف هكتار (−2%)، وعام 2023 كانت المساحة المخطط زراعتها هي 1493 ألف هكتار(−6.6%)، بينما كان ما تم تنفيذه في مناطق النظام في الموسم الأخير (2023-2024) هو 536 ألف هكتار، أي الثلث تقريباً، مقارنةً بالمساحة المخطط زراعتها في عموم البلاد.

بالتالي، يواجه النظام السوري عجزاً واضحاً في المحصول يحاول ترميم ما يمكنه منه من خلال شرائه للمحصول من الإدارة الذاتية"، كما يرجّح المغربل.