سوريا

كبار السن.. المنسيون في مخيمات الشمال السوري

محمد ناموس
09 أكتوبر 2020

لم يخف أحمد السرميني، اللاجئ في مخيم أطمة الحدودي مع تركيا، مخاوفه بشأن بدء انتشار فيروس كورونا في المخيمات.

وأحمد رجل ستيني لجأ إلى المخيم منذ أربع سنوات ومعه زوجته فقط بعد أن فقد أولاده نتيجة القصف العشوائي على المدنيين.

وأبدى السرميني قلقه الشديد بسبب غياب الرعاية الصحية عن المخيمات وبسبب إصابته بمرض السكري الذي قد يؤثر عليه بشكل كبير في حال إصابته بالفيروس.

يقول السرميني لـ"ارفع صوتك": "حالتي بسيطة كتير مقارنة بغيري من المسنين بالمخيم، وإذا بدنا نحصل على رعاية صحية لازم ننتقل لنقطة بعيدة جدا بالمخيم وما في مواصلات تأمن هاد الشي".

 

غياب دور الرعاية

تغيب النقاط الطبية للرعاية الصحية الأساسية عن مخيمات الشمال السوري، ولا توجد دور رعاية للمسنين كافية لأعدادهم، حيث تفتقد المنطقة الواقعة بين ريف حلب وإدلب لمراكز الحجر الصحي ودور رعاية المسنين المخصصة لهم في حال أصيبوا بالفيروس.

ويصل عدد قاطني هذه المنطقة إلى أربعة ملايين نسمة معظمهم من المهجرين والنازحين، وسط تخوّف من انتشار الفيروس بشكل أكبر بعد الإعلان عن وصوله المخيمات في العاشر من يوليو الفائت، وفاقت أعداد الإصابات لغاية اليوم الألف إصابة.

علي سليم الخلف، ناشط في مخيمات أطمة شمالي إدلب، وهي من أكبر مخيمات الشمال السوري، يؤكد "وجود احتياجات كبيرة للمسنين  وسط غياب الرعاية الصحية، مثل النظارات الطبية، فأغلبهم يحتاجونها ويحتاجون لفحص النظر بشكل دوري، بالإضافة للأدوات الطبية اللازمة لتقوية السمع وقياس السمع"

"كما يحتاجون لمقاعد متحركة ودورات مياه مخصصة لهم، بالإضافة للرعاية  الطبية الكاملة" يضيف الخلف لـ"ارفع صوتك".

ويتابع "للأسف لا يوجد أي شيء من ذلك في المخيمات، وفي بعض المخيمات تقريبا 5% منها يوجد فيها دورات مخصصة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وفي حال توفرت هذه الخدمات فأغلب من يعملون على توفيرها المنظمات الإنسانية العاملة وهي منظمات غير حكومية".

ويرى الخلف أن "المنظمات تعمل بشكل خجول على توفير حفاضات مخصصة للعجزة كل ستة أشهر فقط ولمرة واحدة، وهي غير كافية لشهر واحد".

ويقول "من أكثر المشاكل التي يتعرض لها المسنون هي بُعد المراكز الطبية عنهم وعدم وجود آليات لنقلهم ولا توجد سيارات إسعاف إلا للحالات الحرجة جدا، على الرغم من حاجة المسنين إلى الفحوصات الدورية" ولهذا السبب "يعاني المسنون من عملية انتقالهم الدائمة من خيامهم إلى المراكز الطبية، حتى بعد انتشار فيروس كورونا لم تتم أي إجراءات لحماية المسنين، وهم الفئة الأكثر عرضة للإصابة".

ويناشد الخلف، عبر "ارفع صوتك" المنظمات الإنسانية والمؤسسات الطبية لتخصيص حمامات خاصة بالمسنين ووضعها بالقرب من خيامهم، وتوزيع الكمامات وبدء توزيع اللباس الشتوي الذي يحتاجه المسنون أكثر من غيرهم.

وكان عدد من المنظمات العاملة في المخيمات عملت على مبادرات خاصة بالمسنين للتأكيد على التزامهم بإجراءات الوقاية اللازمة من فيروس كورونا، وقدمت بعض هذه المنظمات الكمامات الطبية بالإضافة للمعقمات وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي.

 

إحصائيات حديثة

وصلت نسبة العائلات التي يتحمل كبار السن إعالتها في المنطقة إلى 38%، وفق تقييم صدر لمبادرة REACH نهاية سبتمبر الماضي لاحتياجات النازحين الجدد في شمال غربي سوريا.

كما تم توثيق وجود 55% من كبار السن ممن يعيشون وحدهم لا يستطيعون تأمين احتياجاتهم بأنفسهم.

وبلغت أعداد المصابين بالفيروس بالمنطقة حتى أمس الخميس، 1474 شخصًا، بحسب إحصائيات وحدة تنسيق الدعم.

كما أن أعداد المصابين بالأمراض المزمنة، مثل السكري والضغط والقلب، من كبار السن الذين لا يحصلون على حاجاتهم الصحية في المخيمات يفوق ذلك العدد، حسب فريق "منسقو استجابة سوريا".

سجلت مختبرات الترصد الوبائي /95/ إصابة جديدة، /41/ في محافظة حلب( الباب 9، اعزاز 17, عفرين 9، جبل سمعان 6 ) و/54/ إصابة...

Posted by ‎Assistance Coordination Unit - وحدة تنسيق الدعم‎ on Wednesday, October 7, 2020

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية في سوريا لعام 2019، فإن 800 ألف شخص من المسنين بحاجة للمساعدات الطبية، و200 ألف مسن بحاجة إلى الملجأ، و700 ألف منهم بحاجة إلى خدمات الرعاية الصحية.

وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يمثل اللاجئون المسنون اليوم حوالي 8.5% من مجموع الأشخاص الذين تُعنى بهم المفوضية، وبحلول عام 2050، سيصبح عدد الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 عاماً في العالم أكبر من عدد الأفراد الذين تقلّ أعمارهم عن 12 عاماً.

محمد ناموس

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.