سوريا

شابة تصوّر منازل دمشقية تاريخية لتوثيق هويتها وهندستها

07 ديسمبر 2020

منذ سنوات، تحمل رانيا قطف كاميرتها وتتجول في أزقة دمشق القديمة ملتقطة صوراً لمنازل دمشقية تقليديّة، رغبة منها بتوثيق هندستها وهويتها بعدما طال الإهمال والاستثمار عدداً منها ولحقت أضرار جسيمة بعدد آخر خلال سنوات الحرب.

وتقول رانيا (35 عاماً)، من داخل منزل أثري يخضع حالياً لعملية ترميم، لوكالة الصحافة الفرنسية بحماس "استلهمت فكرتي التوثيقية من مصورين أوروبيين، سارعوا إلى توثيق أبنية في مدنهم خلال الحرب العالمية الثانية، واستطاع مهندسون إعادة بناء أجزاء منها لاحقاً، اعتماداً على وثائق المصورين".

رغم تخصّصها في الجامعة الأميركية في بيروت بمجال التغذية، إلا أن توثيق تراث دمشق بات شغلها الشاغل منذ سنوات، خصوصاً بعدما أنشأت في العام 2016 مجموعة على فيسبوك تحت مسمى "هيومنز أوف دامسكوس".

واستقطبت الصفحة نحو 22 ألف مهتم بالتراث الدمشقي وآلاف الصور التي وثقها أعضاء المجموعة لمنازلهم الدمشقية.

وترى رانيا أنّ "التوثيق ليس حكراً على الخبراء"، ومن هنا محاولتها جعل المجموعة "أشبه بكتاب توثيق افتراضي بعدسات من يقطن في هذه المنازل".

ويتألف البيت الدمشقي عموماً من مدخل ضيق يُسمّى الدهليز، يؤدي إلى فسحة مفتوحة واسعة فيها أشجار عدّة، تتوسطها بحرة دائرية الشكل مكسوّة بالحجر المزخرف.

وعلى الجوانب نوافذ خشبية وأبواب متناظرة للغرف التي عادة ما يكون سقفها عبارة عن أعمدة خشبية مصفوفة قرب بعضها البعض، أو تكسوه زخارف ملونة.

وغالباً ما يضمّ كل منزل غرفتين للضيوف، واحدة صيفية وأخرى شتوية.

ومنذ اندلاع النزاع في سوريا العام 2011، تحوّل عدد من المنازل إلى مراكز إيواء صغيرة، يؤوي كل منها عائلتين أو أكثر.

وباتت الأولوية فيها للسكن، ولو جاء ذلك على حساب تصميمها.

واضطرت عائلات كثيرة لتغيير ملامح بعض البيوت كي تستوعب عدداً أكبر من الأشخاص.

"تهديد أساسي"

استناداً إلى عوامل عدة بينها صور التقطتها رانيا بين العامين 2016 و2017، تتعاون جهات رسمية وخاصة حالياً على ترميم بيت القوتلي الأثري، الذي سكنته عائلة القوتلي الدمشقية العريقة ويتحدّر منها الرئيس السوري السابق شكري القوتلي الذي تولى الرئاسة لمرتين بين العامين 1943 و1958.

داخل المنزل الواسع، الذي يتألف من طابقين وأقبية وباحة، تسجل رانيا ملاحظات على دفتر صغير. وتلتقط مزيداً من الصور لكل شبر من الرسومات على جدرانه وسقفه.

وتعرّض المنزل العام 2016 لانهيارات بعد تصدّع جدرانه جراء قذائف سقطت في محيطه، عدا عن عوامل الطقس والإهمال.

وتشرح رانيا التي شاركت العام 2017 في دورة تدريبية في إيطاليا بعنوان "الجرائم ضد الفن والحفاظ على التراث"، كيف أنّه خلال سنوات الحرب "تدمّرت المدن القديمة في حمص وحلب من دون أن تُوثّق".

وتضيف "خشيت على دمشق القديمة من أن تنال المصير ذاته، فسارعت إلى توثيق تفاصيلها".

وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في 2013 على قائمتها للتراث المهدد بالخطر ستة مواقع سورية بينها المدينة القديمة في كل من دمشق وحلب.

وتعرّضت المدينة القديمة في دمشق تحديداً لسقوط قذائف منذ اندلاع النزاع، خلال معارك عنيفة دارت على أطراف العاصمة وفي محيطها بين الفصائل المعارضة والقوات الحكومية، قبل أن تتمكن الأخيرة من طردها بعد هجوم واسع وحصار محكم في العام 2018.

وإذا كانت الحرب شكّلت سابقاً "التهديد الأساسي لهذه المنازل" فهي اليوم "مهددة بأن تفقد هويتها جراء استثمارها في مشاريع ربحية، أو نتيجة إهمالها ونسيانها بعد هجرة سكانها"، وفق رانيا.

قبل حوالي عقدين من اندلاع الحرب، حوّل رائد جبري (61 عاماً) منزل العائلة المتوارث إلى مطعم شعبي، محاولاً قدر الإمكان الحفاظ على هويته.

ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية بينما يجلس قرب البحرة في وسط باحة المنزل "كنا سنخسر البيت بأكمله، إذ كان على وشك الانهيار ويحتاج ترميمه مبالغ طائلة".

وبعد تحويله مطعماً في بداية التسعينات، ما مكّنه من الحصول على مردود مادي ثابت، تمكّن تدريجاً من ترميمه. وبات مقصداً لرواد دمشق خصوصاً السواح والزوار الأجانب الذين بات يفتقدهم اليوم جراء الحرب.

ويقول "البيت الدمشقي ليس حكراً على سكانه، هو معلم سياحي، كان يزوره كل من يقصد دمشق لاكتشاف جماله".

"أسكن في متحف"

على عكس أولئك الذين استثمروا منازلهم في مشاريع ربحية أو أهملوها، يتمسّك سمير غضبان (50 سنة) ببيته الدمشقي ويولي اهتماماً كبيراً "للحفاظ عليه والاعتناء بأدقّ تفاصيله"، رغم أن الأمر مكلف مادياً.

ويقول غضبان وهو يحمل دكتوراه في علم النفس ويعمل في مجال التجارة، "أقطن هنا مع زوجتي منذ 12 سنة، في المكان ذاته حيث سكن الأمير عبد القادر الجزائري" الذي اتخذ من دمشق مقراً له بعدما نفته السلطات الفرنسية خارج الجزائر العام 1855 ثمّ توفي فيها.

ويضيف "سعيت لأن أحافظ على فرادة هذا البيت تكريماً للأشخاص الذين تعاقبوا عليه"، لافتاً إلى أنّ بابه مفتوح "لأي زائر يرغب بمشاهدة هذا الفن".

ويعود تاريخ هذا البيت إلى القرن التاسع عشر، وتتوسّطه صورة كبيرة للجزائري.

ويتألف من باحتين كبيرتين وأرض مكسوة برخام رمادي وحجارة سوداء.

ويقول غضبان "أشعر أنني أسكن في متحف وليس في منزل، لا أستطيع الحياة في شقة عادية بعد الآن".

مواضيع ذات صلة:

صورة حديثة لأحد مزارعي شمال سوريا بعد حصاد القمح- فرانس برس
صورة حديثة لأحد مزارعي شمال سوريا بعد حصاد القمح- فرانس برس، تعبيرية

لا تزال مناطق شمال شرق سوريا التي تحكمها "الإدارة الذاتية" التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، تعيش حالة غليان وغضب شعبي واستياء كبير في أوساط المزارعين، بعد قرار مثير للجدل بتسعير كيلو غرام القمح بسعر 31 سنتاً.

السعر الجديد اعتبره المزارعون قراراً كارثياً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي ولا سيما المحروقات، في وقت أقرّت الإدارة الذاتية، عبر بيان، أن التسعيرة "قد لا تناسب معايير التكلفة والربح"، مبرّرة القرار بـ"الخناق الاقتصادي الذي تتعرض له جغرافيا مناطق شمال وشرق سوريا وهجمات الاحتلال التركي، مما أثَّر سلبا على الكثير من الموارد المالية".

خلال بيانٍ صحفي.. الزراعة والري توضح سبب انخفاض سعر القمح أصدرت هيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية الديمقراطية...

Posted by ‎الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا‎ on Tuesday, May 28, 2024

وأوضحت "الإدارة الذاتية" في البيان نفسه أنها "اتخذت القرار السليم في الاتجاه السليم في هذه الظروف والأوقات العصيبة التي تمر بها جغرافيا شمال وشرق سوريا".

وكانت أقرّت في العام الماضي سعر 43 سنتاً للكيلو غرام الواحد من القمح، ما اعتبره مزارعون إجحافاً كبيراً بحقّهم، ذلك أن أسعار السماد والمحروقات وأجور اليد العاملة ارتفعت بنسبة كبيرة خلال عام، كما يقول المزارع عبد الرزاق الدخيل، من منطقة الشعيطات شرق دير الزور.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن القرار تسبب بصدمة كبيرة لد ى مزارعي المنطقة، فالسعر الجديد "أقل حتى من السعر الذي يشتري فيه النظام السوري القمح من مناطق سيطرته، وهو 42 سنتاً".

"كأننا تعبنا خلال عام وزرعنا المحصول بالمجان"، يتابع عبد الرزاق، مشيراً إلى أن قسماً كبيراً من المحاصيل أساساً تعرضت للتلف، نتيجة الأمطار الغزيرة التي هطلت في أبريل الماضي.

وتوعّد مزارعون في أرياف الحسكة والرقة ودير الزور ومنبج بتصعيد حراكهم ضد الإدارة الذاتية في حال عدم التراجع عن القرار الجديد، وخرجت مظاهرات ووقفات احتجاجية في مناطق كثيرة بينها عامودا والدرباسية في ريف الحسكة والطبقة والمنصورة بريف الرقة.

ونقل المرصد السوري لحقوق الإنسان صوراً من وقفة احتجاجية لفلاحين في سوق مدينة الدرباسية شمال الحسكة، للتنديد بسعر القمح والمُطالبة بتعديله، ووصفت اللافتات القرار بـ"الظالم"، وبأنه "تجويع" للأهالي.  

 

تأثيرات "كارثية"

تعتمد الغالبية العظمى من مزارعي القمح في الشرق السوري على محصولهم من "الذهب الأصفر" لتلبية احتياجاتهم المعيشية، وسط شحّ الموارد الاقتصادية في المنطقة.

ويعوّلون كل صيف على واردات بيعهم لمحاصيل القمح، لتعينهم على مصاريف عام كامل بعد سداد ديونهم، بحسب المزارع حيان الخزعل من منطقة المنصورة غرب الرقة.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن زارع القمح يعيش طيلة العام بالدَّين، على أمل السداد بعد جني المحصول، لكن "هذا العام، فالمبلغ الذي نحصله بحسب التسعيرة الجديدة، بالكاد يكفي لسداد الديون المترتّبة من شراء المحروقات والسماد ودفع أجور اليد العاملة".         

ويتوقع حيّان أن "يتناقص محصول القمح في شرق سوريا إلى النصف في العام القادم، إذا لم يتم تعديل القرار أو إعطاء ضمانات للفلاحين بتعديل التسعيرة".

يُذكر أن تسعيرة القمح تناقصت بشكل لافت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في مناطق الإدارة الذاتية، حيث اشترت الكيلو الواحد من الفلاحين بـ 55 سنتاً في عام 2022، وبـ43 سنتاً في 2023، وبـ31 سنتاً في العام الحالي.

يرى الباحث الاقتصادي حيّان حبابة، أن رفع التسعيرة سيفرز تأثيرات "كارثية"، موضحاً لـ"ارفع صوتك": "برزها تغييب الحافز الاقتصادي لدى المزارعين، الذين يمكن أن يتحولوا إلى زراعة محاصيل أخرى غير القمح تكون أقل تكلفة وأكثر ربحاً".

كما أن عزوف المزارعين عن إنتاج محصول القمح "سيخلق عدة مشاكل في مناطق شمال شرق سوريا، أبرزها انتشار البطالة، وأخطرها دفع فئة كبيرة من سكان تلك المناطق إلى الهجرة منها بدافع البحث عن فرص حياة أفضل، ما يجعل القرار أشبه "بعملية تهجير ممنهجة"، بحسب حبابة.

ولا يستبعد أن يكون إقرار التسعيرة تم "بعد دراسة للاستفادة من محاصيل الفلاحين، بالاتفاق مع تجار عراقيين وآخرين تابعين للنظام السوري، بحيث يتم شراؤه بـ 31 سنتاً، وبيعه لوسطاء تابعين للنظام السوري بـ43 سنتاً، أو لتجار عراقيين بـ65 سنتاً (وفق التسعيرة المحلية في العراق)".

وخلال السنوات الفائتة، واجهت الإدارة الذاتية اتهامات بتهريب مئات الأطنان من القمح للنظام السوري عبر تجار وسطاء أبرزهم عائلة القاطرجي، في محاولة للالتفاف على عقوبات قانون "قيصر" الأميركي الذي يمنع التعاملات الاقتصادية مع دمشق.

من جهته، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن قرار الإدارة الذاتية كأنه "تقديم محصول القمح على طبق من ذهب للنظام السوري".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "من الممكن وجود تفاهمات معينة بهدف بيع المحصول للنظام السوري سواء بشكل مباشر أو عن طريق التهريب وبالمقابل الحصول على مكاسب أخرى للإدارة الذاتية في مواضيع أخرى".

ويمكن الاستدلال على ذلك، يبيّن المغربل، بأن مساحة الأراضي المزروعة للقمح في سوريا عام 2010 كانت تُقدَّر بـ1599 ألف هكتار، انخفضت عام 2021 بشكل بسيط إلى 1567.3 ألف هكتار (−2%)، وعام 2023 كانت المساحة المخطط زراعتها هي 1493 ألف هكتار(−6.6%)، بينما كان ما تم تنفيذه في مناطق النظام في الموسم الأخير (2023-2024) هو 536 ألف هكتار، أي الثلث تقريباً، مقارنةً بالمساحة المخطط زراعتها في عموم البلاد.

بالتالي، يواجه النظام السوري عجزاً واضحاً في المحصول يحاول ترميم ما يمكنه منه من خلال شرائه للمحصول من الإدارة الذاتية"، كما يرجّح المغربل.