سوريا

"حرب استنزاف جديدة".. هجمات "داعش" تتصاعد في 5 محافظات سورية

23 ديسمبر 2020

لا يكاد يمر يوم في سوريا إلا ويعلن فيه تنظيم "داعش" عن هجمات في مناطق متفرقة من خمس محافظات سورية، في استراتيجية تصاعدت منذ قرابة ثلاثة أشهر، ولم تقتصر أهدافها على قوى محلية دون أخرى، بل انسحبت على كافة المقاتلين على الأرض في الخريطة السورية، بدءا من "قوات سوريا الديمقراطية" في الشرق ووصولا إلى قوات الأسد وفصائل المعارضة في الشمال والغرب. 

وباتت منطقة البادية السورية القاعدة الرئيسية التي تنطلق منها هجمات خلايا "داعش"، وذلك بعد أكثر من عام من إعلان الولايات المتحدة الأميركية القضاء على نفوذه بشكل كامل، بعد السيطرة على آخر معاقله في منطقة الباغوز بريف مدينة دير الزور السورية. 

وتبلغ مساحة البادية السورية نحو 80 ألف كيلومتر مربع، وتتوزع على محافظات: دير الزور، الرقة، حلب، حماة، حمص، ريف دمشق، والسويداء، وحسب مراقبين فإن نشاط خلايا "داعش" في البادية يأتي ضمن استراتيجية مختلفة بشكل جذري عن استراتيجياته السابقة في القتال، خاصة من ناحية تنقّل المقاتلين أو أساليب الاستهداف المحددة.

ومنذ أشهر تخوض روسيا وقوات الأسد عمليات عسكرية غير معلنة في البادية السورية، يشارك فيها الطيران الحربي، وخاصة في أجزاء البادية من ريفي حماة وحمص، وذلك بعد تصاعد الهجمات التي باتت تعيق تنقل المدنيين والعسكريين على الطرقات الواصلة من جنوب سوريا إلى شمالا في محافظة حلب. 

وفي المقابل تخوض القوات الكردية في شرق سوريا عمليات أمنية أيضا ضد خلايا "داعش"، والتي أعلنت في عدة مرات، آخرها منذ يومين استهداف مسؤولين في "الإدارة الذاتية"، في مناطق متفرقة من دير الزور والحسكة. 

استراتيجية وتكتيك جديد

حسب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في تقرير لها صدر في 31 من مارس الماضي فإن تنظيم "داعش" يحافظ على "مستوى منخفض" من عملياته داخل المنطقة الشرقية في سوريا، بالإضافة إلى قدرته على اتخاذ إجراءات دفاعية محدودة من حيث النطاق والمدة وعدد المقاتلين.

ولدى الإدارة الأميركية تخوف من قدرة "داعش" على إعادة تشكيل نفسه في البادية السورية في وقت قصير، بحسب التقرير "بما يتجاوز القدرات الحالية للولايات المتحدة لتحييده دون وجود أرضية تشارك في ذلك".

ويرى الباحث في شؤون الجماعات الجهادية، حسن أبو هنية أن تنظيم داعش يمتلك خبرة طويلة في العمل السري والعسكري، وتكتيكات الحروب الجديدة، لذلك هو بالتأكيد ليس لديه شيء عشوائي في الوقت الحالي، بل لديه غاية وهدف في النهاية.

ويقول الباحث الأردني في تصريحات لموقع "الحرة" إن داعش كان قد أعلن وبعد خسارته منطقة الباغوز عن تحول مباشر في استراتيجيته من "الحروب الكلاسيكية" إلى "حروب الاستنزاف" وحروب العصابات، والتي يطبقها الآن في منطقة البادية السورية ضد القوى المحلية المتصارعة.

ويوضح الباحث أن تنظيم "داعش" تكيف على الصعيد الهيكلي في الأشهر الماضية، وألغى كل الهيكل التنظيمي القديم القائم على السيطرة المباشرة، كما اتجه إلى "فصل الولاية التنظيمية بين العراق وسوريا في مرحلة مبكرة، في إطار خطوات الانتقال إلى حروب العصابات التقليدية". 

من المركزية إلى اللامركزية

عند الحديث عن منطقة البادية السورية التي تخرج منها هجمات خلايا "داعش" فهي منطقة صحراوية لا يوجد فيها إلا التلال والهضاب والصحراء، الأمر الذي يطرح إشارات استفهام عن الموارد التي تعتمد عليها الخلايا في أسلوب عيشها، وطبيعة الحياة العامة الخاصة بها، خاصة أن المنطقة التي تنشط بها تعتبر منطقة جرداء لا تعيش فيها إلا الوحوش. 

وإلى جانب التمركز في منطقة البادية السورية فالملاحظ بأنه هناك خلايا تعيش داخل الأوساط الاجتماعية في سوريا، خاصة في مناطق شرق الفرات في ريف دير الزور، إلى جانب أوساط محافظة درعا، التي كان يتمركز فيها مقاتلو "داعش" في السنوات السابقة في منطقة حوض اليرموك في الريف الغربي. 

ويشير الباحث حسن أبو هنية إلى أن تنظيم "داعش" يعمل حاليا في سوريا ضمن مجاميع صغيرة ومتوزعة في مناطق متفرقة، بالإضافة إلى الخلايا الموجودة في المدن، التي تعرف باسم "الخلايا النائمة".

ويقول الباحث إن "التنظيم ليس في عجلة من أمره ولا يعتمد الآن على ردّات الفعل، بل يعمل وفق خطة وضعت فيها الأهداف بشكل واضح، من قبل القيادة المركزية"، مضيفا أن داعش وفي إطار عودته الجديدة الآن، فقد تحول من حالة المركزية إلى حالة اللامركزية، والتي تسري على رأس الهرم مما يسمى بـ"أمير الولاية" ومن ثم "القواطع والمفارز، والخلايا". 

وكان "معهد دراسة الحرب" قد ذكر أن "داعش" بنى مجموعاتٍ صغيرة من بقايا فلول قواته التي شكّلها في عام 2011، وتمكنت من السيطرة على الموصل والفلوجة ومدن أخرى في العراق، والسيطرة على معظم شرق سوريا في ثلاث سنوات فقط، كما أشار التقرير أن التنظيم قد وضع خططا مضادة لخوض مرحلة تالية من الحرب.

وحسب الباحث أبو هنية، فإن داعش يسير اليوم أيضا في "استراتيجية الصبر الاستراتيجي" وينتظر في الوقت الحالي ما ستؤول إليه الأوضاع في شمال شرق سوريا، سواء بانسحاب الولايات المتحدة الأميركية، أو نشوب نزاع عسكري جديد بين تركيا والقوات الكردية. 

ما الموارد التي تعتمد عليها الخلايا؟

رغم الحديث المؤكد عن نشاط "داعش" في البادية السورية، وما يؤكده الأخير بالإعلانات الرسمية بين الفترة والأخرى تغيب أي أرقام دقيقة عن عدد المقاتلين النشطين، والذين يبدو أنهم وحسب مراقبين منفصلين عن بعضهم البعض في مناطق جغرافية متفرقة، سواء داخل المدن أو في المناطق الصحراوية. 

مصدر إعلامي من محافظة درعا يقول في تصريحات لموقع "الحرة" إن خلايا "داعش" لها نشاط واسع في الجنوب السوري، ولها الدور الأبرز في عمليات الاغتيال التي تشهدها المنطقة، وتطال شخصيات معارضة وأخرى تتبع لنظام الأسد من ضباط وعناصر. 

ويضيف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه أنه وفي أثناء السيطرة على منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي تسرب عدد لا يستهان به من مقاتلي "داعش" بين المدن والقرى في المنطقة، وفيما بعد انضووا بشكل أو بآخر ضمن التشكيلات المحلية العاملة في المنطقة. 

ويتابع المصدر: "نوعية عمليات الاغتيال وتوقيتها والتفاصيل المتعلقة بها تقود إلى وقوف خلايا داعش ورائها"، وطرح المصدر مثالا على ذلك بعملية اغتيال طالت قيادي في فصائل المعارضة، العام الماضي، في ذات التوقيت الذي نفذ فيه القيادي المعارض عملية إعدام نفذها بحق مقاتل في داعش في عام 2018. 

بدوره يشير الباحث حسن أبو هنية إلى أن داعش يمتلك القدرة البشرية والخبرة في هذه المناطق سواء في البادية وباقي المدن السورية، المتوترة أمنيا.

ويقول: "لديه على الصعيد المالي، وبحسب استخبارات الدول حوالي 100 مليون دولار، لكن بتقديري يمتلك أكثر من 300 مليون دولار، ولديه استثمارات بأسماء وهمية"، مضيفا: "لا يوجد لديه مصاريف كبيرة سوى المقاتلين وبعض العائلات، وقبل انسحابه الأخير من الباغوز كان قد ترك في مناطق شاسعة مخابئ للأسلحة والأموال". 

وعلى خلاف ما عمل عليه سابقا، يتابع الباحث أن خلايا داعش تتبع حاليا "التكتيكات المميتة" من خلال الكمائن والاغتيالات وبعض العبوات الناسفة، بعيدا عن استخدام التكتيكات السابقة.

وبالنظر إلى بدايات عام 2020 وحتى الآن، وبحسب الباحث فهناك وتيرة مرتفعة لعمليات التنظيم، وهي محسوبة وغير عشوائية، وبالتالي يتوقع المراقبون أن يكون هناك مزيدا من النمو مع بقاء المنطقة على ما هي عليه من توتر أمني، وغياب أي فرص للانفتاح السياسي. 

الحرة/ ضياء عودة - إسطنبول

مواضيع ذات صلة:

أحمد جبريل (1937-2021) مؤسس وزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة
أحمد جبريل (1937-2021) مؤسس وزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة

ترك الوجود الفلسطيني في سوريا أثراً لافتاً في مُجريات الحرب خلال 13 عاماً، لا سيما في خضم المعارك الرئيسية بين عامي 2012 و2020.

ورغم أنّ اللاجئين الفلسطينيين تقاسَموا مع السوريين مُجملَ الانتهاكات التي حصلت من قتل واعتقالٍ وتهجير، إلا أنّ الحضور العسكري لعدد من الفصائل الفلسطينية أثار حفيظة السوريين المعارضين للنظام.

ووجد الكثير من السوريين أنفسهم أمام مقاتلين فلسطينيين يحملون السلاح بوجههم دفاعاً عن النظام السوري.

في المقال، نذكر أهمّ الفصائل الفلسطينية التي أيّدت النظام السوري وكانت شريكة له في المعارك، واتهمت بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.

 

 الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة

يُعد هذا التشكيل العسكري أول فصيل فلسطيني شارك في قمع التظاهرات السورية منذ أيامها الأولى قبل دخول الاحتجاجات مرحلة التسليح، وتم توثيق ذلك بمقاطع فيديو.

تصنف الجبهة الشعبية تنظيما قوميا يساريا. أسّسها أحمد جبريل (توفي عام ٢٠٢١) المعروف بتأييده للنظام السوري، كتنظيم سياسي عام 1958، ثم تحوّل إلى تنظيم عسكري عام 1965، وكان مقرّه في العاصمة السورية دمشق.

تمتلك الجبهة الشعبية تأثيرا قويا في مجتمع اللجوء الفلسطيني بدمشق، لا سيما في المخيمات الرئيسية مثل "اليرموك" و"فلسطين".

شارك مقاتلو التنظيم في قمع المظاهرات السلمية في الشهور الأولى، ثم شاركوا في العمليات العسكرية داخل مخيمي "اليرموك" و"التضامن"، وفي مناطق خارج العاصمة ليس فيها أي وجود فلسطيني، مثل درعا البلد ومناطق في الغوطة الشرقية. 

  

لواء القدس

رغم أن تشكيله تم بعد اندلاع الحرب في سوريا بوقت قصير على  يد مهندس مدني اسمه محمد السعيد، إلا أنه يعتبر من أقوى وأكبر التشكيلات العسكرية الفلسطينية التي دعمت النظام السوري وقاتلت معه في معارك عديدة، خصوصا معارك حلب وريفها.

غالبية مقاتلي اللواء ينحدرون من مخيمي "حندرات" و"النيرب" في حلب، والقسم الأكبر منهم لديهم خبرة في حمل السلاح بحكم انتسابهم سابقاً لحركتي "فتح" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

بدأ تشكيل اللواء بحوالي ٧ آلاف مقاتل، وتضاعفت الأعداد لاحقاً، بسبب الرواتب العالية التي يمنحها الفصيل لمقاتليه.

 ينتشر  لعناصر اللواء بشكل رئيسي في ريف حلب، إضافة إلى تمدّد مناطق نفوذه لتصل إلى دير الزور شرقاً ومناطق البادية السورية وسط البلاد.

حظي الفصيل بدعم روسي سخي بعد تدخل موسكو في الحرب السورية في سبتمبر 2015، ثم لم يلبث اللواء أن أصبح أحد أذرع الحرس الثوري الإيراني الرئيسية في سوريا.

في خطوة هي الأولى من نوعها، أطلقت هولندا في نوفمبر الماضي، محاكمة عنصر في صفوف "لواء القدس" بتهمة المشاركة في ارتكاب "جرائم حرب وممارسة انتهاكات لحقوق الإنسان" في سوريا.

ونقل موقع قناة "الحرة" عن مسؤول الإعلام في منظمة "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية"، فايز أبو عيد، أن محاكمة الفلسطيني السوري مصطفى الداهودي أمام محكمة لاهاي الدولية تندرج تحت تهمة ارتكابه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، وانتمائه ومشاركته في أنشطة لـ"لواء القدس".

وقالت "مجموعة العمل"، وهي مجموعة حقوقية توثق أوضاع فلسطينيي سوريا، إن "لواء القدس" شارك مع قوات النظام السوري في معارك منطقة الليرمون ومعارك السجن والشيخ نجار ومحيط مطار النيرب العسكري، ومعارك الراموسة ومخيم جندرات في محافظة حلب.

 

قوات الصاعقة

تمثل "قوات الصاعقة" الذراع العسكري لحزب البعث الفلسطيني، الذي يُعدّ امتداداً لحزب البعث السوري. تأسّست في سوريا عام 1966، وأصبحت أهم الأذرع العسكرية الموالية للبعث ثم لنظام حافظ الأسد عقب الانقلاب الذي أطاح فيه برفاقه عام 1970.

ولأنها تحمل عقيدة البعث الحاكم في سوريا، فقد اعتَبرت الدفاع عن نظام بشار الأسد أولوية لها، فشاركت في مُجمل عمليات القمع والمعارك إلى جانب قوات النظام.

 

قوات الجليل

الذراع العسكري لِـ"حركة شباب العودة الفلسطينية". أسّسها فادي ملاح، وهو أحد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم "خان دنون" بريف دمشق، بعد نحو شهرين من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011.

يشير تاريخ تأسيس التنظيم إلى أنه أنشئ لقمع المتظاهرين السوريين بتسليح كامل من الأفرع الأمنية للنظام السوري.

بدأ الفصيل انتشاره في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص، وتوسع بعد عام 2013 في المشاركة العسكرية عبر معارك في ريف دمشق واللاذقية ودير الزور.

 

سرايا العودة والتحرير

الذراع العسكري للحزب الفلسطيني الديمقراطي الذي تأسّس على يد مازن شقير. شاركت سريا العودة في معارك المخيمات في العاصمة دمشق، إضافة للعمليات العسكرية في الغوطة الشرقية.

 

حركة فلسطين الحرّة

تشكيل فلسطيني أسّسه ياسر قشلق في دمشق قبل اندلاع الثورة السورية بثلاث سنوات. حظيت بتسليح ودعم من الأفرع الأمنية السورية للمشاركة في قمع الاحتجاجات بالعاصمة دمشق، ثم لم تلبث أن شاركت في عدة معارك بريف دمشق.

 

جيش التحرير الفلسطيني

تأسس جيش التحرير الفلسطيني كذراع عسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تَشكّلت عام 1964. لكنه لا يخضع اليوم لسيطرتها. قاد جيش التحرير الفلسطيني طويلا اللواء "طارق الخضراء"، الذي حظي بدعم واهتمام خاص من الرئيس السوري حينها حافظ الأسد. ويرأسه حاليا، أكرم محمد السلطي. ويحظى بدعم كامل من نظام الأسد.

بعد اندلاع الثورة في سوريا أعلن الفصيل نفيراً عاماً لاستقطاب المقاتلين، رغم أنّ تعداد عناصره الرئيسيين يُقدّر بأكثر من 50 ألف مقاتل، بحُكم أن النظام السوري فرضَ التجنيد الإجباري في صفوفه بالنسبة للاجئين الفلسطينيين المُقيمين في سوريا.

وتقول مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا إن 280 من عناصر جيش التحرير الفلسطيني قُتِلُوا منذ بداية الحرب الدائرة في سورية، معظمهم سقط في ريف دمشق.