سوريا

مزادات علنية في سوريا تنقل حق أراض لغير مالكيها النازحين

30 ديسمبر 2020

فوجىء سلمان قبل أكثر من شهر بانتقال أرضه الخصبة إلى شخص غريب فاز بعقد لاستغلالها في مزاد علني أجرته مؤسسة تابعة للنظام السوري على مساحات زراعية واسعة في شمال غرب البلاد.

وليس سلمان، اللاجىء في اليونان، الوحيد الذي يتعرض لمثل هذا.

فقد أفاد نازحون آخرون من شمال حماة وجنوبها ومن جنوب حلب، أنهم علموا بحصول مزادات لتضمين أراضيهم الغنية بأشجار الزيتون والفستق الحلبي والحبوب، من خلال لوائح موقعة من جمعيات فلاحية تُحدد مواعيد إجرائها، أو من خلال معارفهم ممن بقوا في المنطقة التي تسيطر عليها قوات النظام.

ويرى مراقبون وحقوقيون في المزادات نمطاً جديداً يعتمده النظام "لمصادرة ملكية" الغائبين أو "الانتقام" من المعارضين أو غير الراغبين بالعيش في ظله.

وفرّ سلمان (30 عاماً) قبل سنة تقريبا من قريته البرسة في ريف إدلب الجنوبي على وقع آخر هجوم لقوات النظام ضد الفصائل الجهادية والمقاتلة في المحافظة في بداية 2020.

لم يقو على العيش في مخيمات النزوح المنتشرة على طول الحدود مع تركيا، فقرر خوض رحلة التهريب الخطيرة إلى أوروبا.

ووصل قبل بضعة أشهر إلى اليونان لينضم إلى أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في جزيرة كريت، وبدأ يعمل مياوماً في قطاع البناء.

ترك سلمان خلفه 150 دونماً يملكها مع أشقائه الأربعة.

واعتاد أصحاب الأرض في شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام أن ينثروا البذور فيها لينبت الشعير والكمون والعدس وحبة البركة، على أمل أن تعود عليهم بأرباح تتراوح بين 10 و12 ألف دولار.

لكن هذه السنة اختلف الامر كلياً. ويروي لوكالة الصحافة الفرنسية عبر الهاتف، مفضلاً استخدام اسم مستعار، "في نهاية الشهر العاشر، فوجئنا بمزادات علنية، قرأنا أسماء القرى على لوائح لتضمين أراضي كل شخص غير متواجد في أرضه في جنوب إدلب".

وتشير اللوائح التي نشرها اتحاد الفلاحين في إدلب على صفحته على "فيسبوك" في تشرين الأول/ اكتوبر، إلى أن المزادات تجري على "الأراضي الزراعية لغير المتواجدين أصحابها في مناطق سيطرة الدولة" من المديونين للمصرف الزراعي.

وينفي سلمان، كما نازحون آخرون تحدثت معهم الفرنسية، أن تكون عليه أي ديون للمصرف الزراعي، ويعتبر ذلك "مجرّد حجة".

ويقول "خسرنا أراضينا في اليوم الذي تهجرنا فيه.. وفوق هذا كله يأتي أحدهم اليوم ليتصرّف بها. أرض تركها لنا أجدادنا وسنتركها لأبنائنا، بأي حق يأتي أحدهم ويأخذها؟".

ولا يقتصر الأمر على اتحاد الفلاحين، إذ تنظم لجان أمنية وعسكرية محلية تابعة للنظام، أيضاً مزادات، وفق ما تقول منظمة "اليوم التالي" المعارضة والمعنية بدعم الانتقال السياسي في سوريا، والمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وتتراوح قيمة الاشتراك في المزادات بين 500 وألفي ليرة للدونم الواحد.

"اعتداء سافر"

وتسبّبت هجمات عدة شنّتها قوات النظام بدعم روسي خلال السنوات الأخيرة بنزوح مئات الآلاف الذين لجأ عدد كبير منهم إلى مخيمات في شمال إدلب ومحيطها.

ودفع الهجوم الأخير مطلع العام نحو مليون شخص للنزوح خلال ثلاثة أشهر.

وقد عاد نحو 235 ألفاً منهم فقط إلى مناطقهم، غالبيتهم بعد اتفاق لوقف إطلاق النار بدأ في آذار/ مارس.

وتقول ديانا سمعان، الباحثة في الملف السوري لدى منظمة العفو الدولية التي اتهمت النظام بشنّ هجمات ترقى إلى "جرائم ضد الانسانية" في إدلب وحماة وحلب، للفرنسية "بعد القصف لا تزال الانتهاكات التي تطال المدنيين مستمرة لكن بطرق مختلفة".

وتضيف "ما يحصل عبر هذه المزادات هو استغلال واضح للتهجير من الناحية الاقتصادية، ومصادرة للأراضي بطريقة غير قانونية ومخالفة للقانون الدولي".

في 2018، أصدرت الحكومة السورية القانون رقم 10 الذي يتيح لها إقامة مشاريع عمرانية جديدة على أملاك يكون أصحابها إجمالاً غائبين، على أن يُعوَّضوا بحصص إذا أثبتوا ملكياتهم عبر تقديم وثائق الملكية مباشرة أو عبر وكيل خلال عام من إعلانها منطقة تنظيمية.

ولا يتسنّى لنازحين كثر أخذ أوراقهم الثبوتية أو مستندات تثبت ملكياتهم عند فرارهم تحت القصف.

وتعرض القانون آنذاك لانتقادات واسعة من منظمات حقوقية. ويبدو أن المزادات تندرج في الإطار نفسه.

ويقول المستشار القانوني في منظمة "اليوم التالي" القاضي أنور مجنِي عبر الهاتف من تركيا "المزادات ظاهرة جديدة تخص أراضي عائدة لسوريين خارج مناطقهم وكأنها نوع من أنواع العقاب"، معتبراً أنها تشكل "انتهاكاً لحق الملكية الذي ينص عليه القانون ويضمن حقوق الاستعمال والاستغلال والتصرف للمالك".

ويضيف مجني، وهو من ممثلي المجتمع المدني في اللجنة الدستورية التي تعقد اجتماعات في جنيف برعاية الأمم المتحدة، أن "المزادات قد لا تؤدي إلى نقل الملكية، لكنها اعتداء على حق الاستعمال والاستغلال".

ويوضح أن جزءاً كبيراً من الفلاحين يأخذون قروضاً عادة من المصرف الزراعي، لكن الكلام عن مزادات بسبب عدم تسديد القروض "يمكن أن يكون منطقياً لو كان المصرف الزراعي هو من اتخذ الإجراءات لاستيفاء ديونه" التي "يجب أن تتم بإشراف من القضاء وهناك أصول وقوانين تنظمها، الأمر الذي لم يحصل".

ولا يعد "اتحاد الفلاحين طرفاً في القرض" وفق مجني، بالتالي "لا يحق له أن يباشر الاجراءات".

ونطبق الأمر ذاته على اللجان الأمنية والعسكرية التي "لا وجود لها في القانون وبالتالي لا يُسمح لها بوضع يدها على أملاك الناس".

وفي وثيقة حصلت عليها "اليوم التالي"، تحدّد لجنة إدارية منبثقة عن اللجنة الأمنية والعسكرية في حلب يوم 22 تشرين الثاني/ نوفمبر موعداً لمزاد علني لزراعة أراض في جنوب غرب المحافظة، من دون أن تأتي حتى على ذكر المصرف الزراعي.

وتذكر اللجنة أنه يجدر على الفائز بالمزاد تسديد المبلغ نقداً بعد الحصول على وصل من محاسبها.

"أردت استئجار أرضي"

وحاول حافظ أمير (38 عاماً) الذي فرّ من غرب حلب الى تركيا إنقاذ أرض كان يزرعها بالشعير وحبة البركة والكمون وغيرها، عندما عرف بموضوع بأمر مزاد يشملها، عن طريق جاره.

فعرض على هذا الأخير دخول المزاد، على أن "أدفع أنا الإيجار، وبعد الحصاد نتقاسم الأرباح".

ويضيف، مفضلاً استخدام اسم مستعار، "مجرد أن أعرض عليه أن أستأجر أرضي كان أمراً قاسياً جداً.. أردت أن أسترزق منها بدلاً من أن أفقدها تماماً".

وفي النهاية، فاز في المزاد قبل نحو شهر ونصف شخص "له أقارب في فرع المخابرات" في المنطقة، وفق أمير.

ويعمل الوالد لخمسة أولاد أكبرهم 12 عاماً اليوم مع اثنين من أبنائه في قطاف الزيتون مقابل 10 ليرات تركية يومياً (1,27 دولار).

وإن كانت الوثائق بدأت بالظهور مؤخراً، يقول نازحون والمرصد السوري إن المزادات بدأت قبل أشهر خصوصاً في حماة.

ويقول أبو عادل (54 عاماً) إنه نزح من قريته كفر زيتا في شمال حماة لقربها من خطوط التماس العام 2012، من دون أن ينقطع عن أراضيه المزروعة بالفستق الحلبي.

كان يتردد عليها ويرعاها، ويبذل جهداً لتعود عليه بموسم ناجح تراوح مردوده ما بين 23,8 و28,8 ألف دولار.

منذ سيطرة قوات النظام على كفرزيتا صيف 2019، لم ير أبو عادل أشجاره.

لكنه لم يستسلم وتواصل مع أشخاص في القرية أرسل لهم تكاليف الاهتمام بها وحراستها.
غير أنه لم يتمكن من قطاف الموسم، إذ عرضت أرضه في مزاد في تموز/ يوليو فاز به أشخاص "موالون" للجان الأمنية التي نفذته.

ويقول أبو عادل بأسى "لم يكن بمقدورنا عمل شيء"، مضيفا "جميعهم عصابة واحدة".

مواضيع ذات صلة:

أحمد جبريل (1937-2021) مؤسس وزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة
أحمد جبريل (1937-2021) مؤسس وزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة

ترك الوجود الفلسطيني في سوريا أثراً لافتاً في مُجريات الحرب خلال 13 عاماً، لا سيما في خضم المعارك الرئيسية بين عامي 2012 و2020.

ورغم أنّ اللاجئين الفلسطينيين تقاسَموا مع السوريين مُجملَ الانتهاكات التي حصلت من قتل واعتقالٍ وتهجير، إلا أنّ الحضور العسكري لعدد من الفصائل الفلسطينية أثار حفيظة السوريين المعارضين للنظام.

ووجد الكثير من السوريين أنفسهم أمام مقاتلين فلسطينيين يحملون السلاح بوجههم دفاعاً عن النظام السوري.

في المقال، نذكر أهمّ الفصائل الفلسطينية التي أيّدت النظام السوري وكانت شريكة له في المعارك، واتهمت بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين.

 

 الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة

يُعد هذا التشكيل العسكري أول فصيل فلسطيني شارك في قمع التظاهرات السورية منذ أيامها الأولى قبل دخول الاحتجاجات مرحلة التسليح، وتم توثيق ذلك بمقاطع فيديو.

تصنف الجبهة الشعبية تنظيما قوميا يساريا. أسّسها أحمد جبريل (توفي عام ٢٠٢١) المعروف بتأييده للنظام السوري، كتنظيم سياسي عام 1958، ثم تحوّل إلى تنظيم عسكري عام 1965، وكان مقرّه في العاصمة السورية دمشق.

تمتلك الجبهة الشعبية تأثيرا قويا في مجتمع اللجوء الفلسطيني بدمشق، لا سيما في المخيمات الرئيسية مثل "اليرموك" و"فلسطين".

شارك مقاتلو التنظيم في قمع المظاهرات السلمية في الشهور الأولى، ثم شاركوا في العمليات العسكرية داخل مخيمي "اليرموك" و"التضامن"، وفي مناطق خارج العاصمة ليس فيها أي وجود فلسطيني، مثل درعا البلد ومناطق في الغوطة الشرقية. 

  

لواء القدس

رغم أن تشكيله تم بعد اندلاع الحرب في سوريا بوقت قصير على  يد مهندس مدني اسمه محمد السعيد، إلا أنه يعتبر من أقوى وأكبر التشكيلات العسكرية الفلسطينية التي دعمت النظام السوري وقاتلت معه في معارك عديدة، خصوصا معارك حلب وريفها.

غالبية مقاتلي اللواء ينحدرون من مخيمي "حندرات" و"النيرب" في حلب، والقسم الأكبر منهم لديهم خبرة في حمل السلاح بحكم انتسابهم سابقاً لحركتي "فتح" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

بدأ تشكيل اللواء بحوالي ٧ آلاف مقاتل، وتضاعفت الأعداد لاحقاً، بسبب الرواتب العالية التي يمنحها الفصيل لمقاتليه.

 ينتشر  لعناصر اللواء بشكل رئيسي في ريف حلب، إضافة إلى تمدّد مناطق نفوذه لتصل إلى دير الزور شرقاً ومناطق البادية السورية وسط البلاد.

حظي الفصيل بدعم روسي سخي بعد تدخل موسكو في الحرب السورية في سبتمبر 2015، ثم لم يلبث اللواء أن أصبح أحد أذرع الحرس الثوري الإيراني الرئيسية في سوريا.

في خطوة هي الأولى من نوعها، أطلقت هولندا في نوفمبر الماضي، محاكمة عنصر في صفوف "لواء القدس" بتهمة المشاركة في ارتكاب "جرائم حرب وممارسة انتهاكات لحقوق الإنسان" في سوريا.

ونقل موقع قناة "الحرة" عن مسؤول الإعلام في منظمة "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية"، فايز أبو عيد، أن محاكمة الفلسطيني السوري مصطفى الداهودي أمام محكمة لاهاي الدولية تندرج تحت تهمة ارتكابه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، وانتمائه ومشاركته في أنشطة لـ"لواء القدس".

وقالت "مجموعة العمل"، وهي مجموعة حقوقية توثق أوضاع فلسطينيي سوريا، إن "لواء القدس" شارك مع قوات النظام السوري في معارك منطقة الليرمون ومعارك السجن والشيخ نجار ومحيط مطار النيرب العسكري، ومعارك الراموسة ومخيم جندرات في محافظة حلب.

 

قوات الصاعقة

تمثل "قوات الصاعقة" الذراع العسكري لحزب البعث الفلسطيني، الذي يُعدّ امتداداً لحزب البعث السوري. تأسّست في سوريا عام 1966، وأصبحت أهم الأذرع العسكرية الموالية للبعث ثم لنظام حافظ الأسد عقب الانقلاب الذي أطاح فيه برفاقه عام 1970.

ولأنها تحمل عقيدة البعث الحاكم في سوريا، فقد اعتَبرت الدفاع عن نظام بشار الأسد أولوية لها، فشاركت في مُجمل عمليات القمع والمعارك إلى جانب قوات النظام.

 

قوات الجليل

الذراع العسكري لِـ"حركة شباب العودة الفلسطينية". أسّسها فادي ملاح، وهو أحد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم "خان دنون" بريف دمشق، بعد نحو شهرين من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011.

يشير تاريخ تأسيس التنظيم إلى أنه أنشئ لقمع المتظاهرين السوريين بتسليح كامل من الأفرع الأمنية للنظام السوري.

بدأ الفصيل انتشاره في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص، وتوسع بعد عام 2013 في المشاركة العسكرية عبر معارك في ريف دمشق واللاذقية ودير الزور.

 

سرايا العودة والتحرير

الذراع العسكري للحزب الفلسطيني الديمقراطي الذي تأسّس على يد مازن شقير. شاركت سريا العودة في معارك المخيمات في العاصمة دمشق، إضافة للعمليات العسكرية في الغوطة الشرقية.

 

حركة فلسطين الحرّة

تشكيل فلسطيني أسّسه ياسر قشلق في دمشق قبل اندلاع الثورة السورية بثلاث سنوات. حظيت بتسليح ودعم من الأفرع الأمنية السورية للمشاركة في قمع الاحتجاجات بالعاصمة دمشق، ثم لم تلبث أن شاركت في عدة معارك بريف دمشق.

 

جيش التحرير الفلسطيني

تأسس جيش التحرير الفلسطيني كذراع عسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تَشكّلت عام 1964. لكنه لا يخضع اليوم لسيطرتها. قاد جيش التحرير الفلسطيني طويلا اللواء "طارق الخضراء"، الذي حظي بدعم واهتمام خاص من الرئيس السوري حينها حافظ الأسد. ويرأسه حاليا، أكرم محمد السلطي. ويحظى بدعم كامل من نظام الأسد.

بعد اندلاع الثورة في سوريا أعلن الفصيل نفيراً عاماً لاستقطاب المقاتلين، رغم أنّ تعداد عناصره الرئيسيين يُقدّر بأكثر من 50 ألف مقاتل، بحُكم أن النظام السوري فرضَ التجنيد الإجباري في صفوفه بالنسبة للاجئين الفلسطينيين المُقيمين في سوريا.

وتقول مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا إن 280 من عناصر جيش التحرير الفلسطيني قُتِلُوا منذ بداية الحرب الدائرة في سورية، معظمهم سقط في ريف دمشق.