خدمة تحويل في أحد متاجر مدينة يونانية/ الصورة من موقع "بلومبيرغ"
خدمة تحويل في أحد متاجر مدينة يونانية/ الصورة من موقع "بلومبيرغ"

تلعب الحوالات المالية التي يرسلها اللاجئون السوريون إلى ذويهم المقيمين في سوريا، دوراً كبيراً في التغلب على الظروف الاقتصادية والأزمات المعيشية وتأمين لقمة العيش لهم. 

ويقوم السوريون في الخارج بتحويل مبالغ شهرية لعائلاتهم في سوريا، منذ السنوات الأولى للجوئهم، بسبب الوضع الاقتصادي المتردّي داخل البلاد، الذي أدى مؤخراً لانخفاض لافت في قيمة صرف الليرة السورية مقابل الدولار.

ووصل سعر صرف الدولار الواحد، أمس الأربعاء، إلى أربعة آلاف ليرة سورية، وهو مستوى قياسي لم تصل إليه الليرة السورية من قبل، بعد أن كانت قيمة الدولار الواحد تعادل 50 ليرة سورية عام 2010. 

 

"بألف نعمة"

محمود تنبكجي، لاجئ في تركيا، يقوم شهرياً بإرسال 100 دولار لعائلته في دمشق.

يقول محمود لـ"ارفع صوتك": "صحيح أن المبلغ قليل لكنه جيد جداً مقارنة بأسعار الصرف الموجودة داخل سورية، وقد يعادل راتب موظف لشهر كامل هناك، أو أكثر".

ويضيف "يحسدون عائلتي لأن لديها ابن لاجئ، وفعلياً يُعتبر حال عائلتي أفضل بكثير من غيرهم، الذين قد يعتمدون على راتب موظف واحد، ولا يكفي لسد احتياجات عائلة واحدة لأثر من عشرة أيام".

ومن دمشق، تقول المواطنة مريم باكير لـ"ارفع صوتك" إن ابنتها التي لجأت إلى ألمانيا ترسل لها مبلغ 150 يورو شهرياً، ويكفيها هذا المبلغ لتسد جميع احتياجات عائلتها وأحياناً يزيد عنها.

وتوضح "نحن نعيش بألف نعمة، فهناك عائلات ليس لديها أي معيل سوى رب المنزل الموجود في دمشق، ولا يكفيهم راتبه سوى أسبوعين".

"لا أعلم كيف يستطيعون تدبير أمرهم بدون الحصول على مبالغ شهرية أخرى ومن دون أي مورد آخر... عدد كبير منهم اضطر لبيع ممتلكاته الذهبية أو العقارية لسد احتياجاته" تتابع مريم. 

 

مكاتب للتحويل 

تمر عملية تحويل الأموال النظامية بمراحل صعبة جداً وأجور يصعب على السوريين تحملها، إذ تصل أجرة تحويل مبلغ الـ100 دولار لأكثر من 15% من قيمة المبلغ الذي يتم تحويله، وعندما تصل إلى سوريا يقوم البنك المركزي بتصريفها بسعره الرسمي، بما لا يزيد على  170 ألف ليرة سورية.

بينما سعرها في "السوق السوداء" ومكاتب التحويل يصل لأكثر من 400 ألف ليرة سورية، لذلك يقوم الكثير من السوريين باللجوء إليها.

يقول أحمد الحويج، وهو صاحب أحد مكاتب الحوالات في تركيا، إنه يقوم يومياً بتحويل مبالغ لا تقل في مجموعها عن عشرة آلاف دولار لعائلات لاجئين في سوريا.

ويفيد "ارفع صوتك" بالقول: "نأخذ عمولة صغيرة جداً على كل عملية تحويل، وكلما ارتفع المبلغ انخفضت أجرة التحويل، على عكس ما تقوم به مكاتب التحويل النظامية".

"وهناك ضغط كبير على عملنا، خاصة مع بداية كل شهر، ففي مكتبنا لوحده نرسل الحوالات لعائلات السوريين حول العالم وليس فقط إلى سوريا" يضيف الحويج. 

ويقول إن الجميع "مضطرون للتعامل مع هذه المكاتب" فأسعار التحويل "ارتفعت مؤخرا مع انتشار فيروس كورونا، كما زاد الضغط من النظام السوري على مكاتب التحويل في مناطقة، إذ أصبح كل مكتب لا يقبل بتحويل مبلغ يقل عن 100 دولار هناك". 

ويوضح الحويج: "هناك إجراءات مشددة جرت مؤخراً على جميع مكاتب التحويل في دمشق وغيرها من المدن، ما اضطر عدداً كبيراً منها للإغلاق، فلجأنا إلى التحويل عبر الوسطاء وعبر أشخاص موثوقين نحوّل لهم ويقومون بالتسليم باليد ومن دون وجود أي مكتب رسمي كما كان سابقاً". 

واحتلت سوريا مركزاً متأخراً في قائمة مؤشر الأمن الغذائي للعام 2020 الصادر عن وحدة المعلومات الاقتصادية لمجلة "إيكونوميست" البريطانية، كما سجّلت المرتبة 101 في قائمة تضم 113 دولة، حيث يعاني نسبة كبيرة من سكانها من انعدام الأمن الغذائي وفقاً لتقارير دولية. 

ويعاني 12.4 مليون شخص في سوريا، من انعدام الأمن الغذائي، وفقًا لنتائج تقييم الأمن الغذائي الذي أُجري أواخر 2020، بحسب تقرير لبرنامج الأغذية العالمي. 

وقدّر البنك الدولي عام 2016 أن حجم الحوالات التي تدخل سوريا بحوالي 1.6 مليار دولار أي حوالي 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي دراسة تعبّر فقط عن الحوالات الرسمية التي تتم عبر القنوات الرسمية، إلا أن العدد الأكبر للحوالات يتم في مكاتب التحويل غير الرسمية.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".