سوريا

مزارع سوري: نبيع ذهب نسائنا لشراء البذور

06 أكتوبر 2021

بعدما أتت النيران على محصوله من القمح في شمال شرق سوريا العام الفائت 2020، أمل عبد الباقي سليمان أن يعوّض موسم العام الحالي خسارته، لكن ذلك لم يحصل، بسبب التراجع الكبير في مستوى هطول الأمطار.

وبينما تزيد عوامل التغير المناخي خطر الجفاف والحرائق في كل أنحاء العالم، واجهت سوريا تدنياً في مستوى الأمطار هذا العام، خصوصاً في محافظة الحسكة الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية الكردية، التي كانت تعد قبل اندلاع النزاع العام 2011 بمثابة صوامع قمح سوريا. 

في قرية تل شعير قرب مدينة القامشلي، يتحسر سليمان (48 عاماً) على أرضه التي اعتاد أن تدرّ له الأرباح في مواسم حصاد القمح.

يقول لوكالة فرانس برس "العام الماضي، احترق الحقل الذي زرعته.. (خسرت) مئتي دونم من القمح".

"وهذا العام كان هناك نقص في الأمطار ولم نحصد القمح" بسبب عدم نمو البذور، يضيف سليمان.

ومثل سليمان، يشكو مزارعو المنطقة من تراجع محاصيل القمح، ما يثير المخاوف إزاء الأمن الغذائي في بلد يكافح ستون في المئة من سكانه لتوفير طعامهم.

في محافظة الحسكة حيث كانت الإدارة الكردية والحكومة تتنافسان سنوياً على شراء محاصيل القمح والشعير من المزارعين لتأمين احتياجات المناطق الواقعة تحت سيطرة كل منهما، تقدّر منظمات إنسانية دولية تراجع إنتاج المحاصيل بأكثر من 95% مقارنة مع العام الماضي في أجزاء كبيرة من المنطقة.

إضافة إلى تراجع مستوى الأمطار، يعيد سليمان الأزمة إلى غلاء البذور والأسمدة ومعدات الزراعة والنقص في المحروقات، معتبراً أن "الوضع الزراعي في المنطقة كارثي (...) والجفاف يتمدد فيها".

وإذا استمر الوضع على حاله، لا يستبعد المزارع استبدال زراعة القمح بأنواع أخرى "كالكزبرة والكمون كون تكاليفها أقل وأسعارها أغلى ولا تتطلب أمطاراً غزيرة".

 

"نبيع ذهب نسائنا" 

في قرية كرديم حليمة بمحافظة الحسكة، يرى حاجي محمّد (71 عاماً) أنّ "الزراعة أصبحت خسارة" بعدما بات الجفاف "يؤثر عليها من النواحي كافة".

ويقول المزارع منذ 45 عاماً "نحاول بيع ذهب نسائنا وأغراض المنزل لشراء البذور، لعلّ الأمطار تتساقط وتعوض بعض الخسائر" في الموسم المقبل.

ويضيف بحزن "لم نعد نجد الرحمة من  السماء ولا من الأرض".

قبل اندلاع النزاع العام 2011، كانت سوريا تُحقق اكتفاءها الذاتي من القمح مع إنتاج يتجاوز أربعة ملايين طن سنوياً.

ومع توسّع رقعة المعارك وتعدّد الأطراف المتنازعة، انهار الإنتاج إلى مستويات قياسية. وباتت الحكومة مجبرة على الاستيراد خصوصاً من حليفتها روسيا.

وقال وزير الزراعة السوري مّحمد حسان قطنا لإذاعة "شام إف إم" المحلية المقربة من السلطات منتصف الشهر الماضي، إنّ إنتاج القمح في البلاد بلغ 900 ألف طن "بينما تقدر الحاجة المحلية بمليوني طن".

وعزا ذلك إلى "التغيرات المناخية والجفاف" خلال شهري أبريل ومايو، فضلاً عن ضعف الموارد المائية. 

وفي مثال عن حجم تراجع الإنتاج، يوضح الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في مناطق سيطرة الإدارة الكردية سلمان بارودو أن موسم العام الحالي "كان استثنائياً".

ويلفت إلى أنّ إدارته تسلمت من المزارعين العام الحالي "بين 184 و184 ألف طن مقارنة مع 600 ألف طن العام الماضي".

وتتراوح حاجة المنطقة سنوياً، وفق قوله، بين 550 و600 ألف طن لتأمين الطحين (للأفران) والبذور للفلاحين والاحتياطي الضروري للأشهر المقبلة".

ويأتي انخفاض المحاصيل فيما يحذر خبراء ومنظمات إنسانية منذ أشهر من كارثة في شمال وشمال شرق سوريا جراء تراجع منسوب نهر الفرات، ما يهدد بانقطاع المياه والكهرباء عن ملايين السكان والحقول الزراعية.

في محافظة الرقة المجاورة التي يجتازها نهر الفرات، يتحسر أحمد الحميدي (42 عاماً) على موسم القمح. 

يقول "فكرنا باستجرار المياه من نهر الفرات" لكن لم يتم ذلك "بسبب الكلفة"، مضيفاً "نخشى الجفاف في الموسم المقبل. وحينها ستكون المنطقة فعلاً بخطر".

 

"متدن للغاية" 

في دمشق، يوضح ممثل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) مايك روبسون، لوكالة فرانس برس، أن موسم الأمطار "الذي انتهى في آذار (مارس)، شكّل السبب الأكبر لمشكلة تراجع المحصول. لكنه ليس الوحيد، إذ كان لارتفاع درجات الحرارة في الشهر اللاحق تداعيات لناحية عدم اكتمال نمو الحبوب".

ورغم أنه ليس لدى المنظمة بعد "الأرقام النهائية الكاملة لمحاصيل هذا العام" لكنّ روبسون يتوقع أن "يكون متدنياً للغاية، ربما قرابة نصف إجمالي حصاد العام الماضي".

ومن شأن تراجع إنتاج القمح وزراعات كثيرة أخرى أن يزيد من معاناة شعب استنزفه نزاع دام مستمر منذ عقد، وانهيار اقتصادي حاد.

وسينعكس بطبيعة الحال ارتفاعاً في أسعار الخبز وسلع رئيسية في بلد يشكو فيه 12,4 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، وفق منظمة فاو.

يقول روبسون "شهدنا.. ارتفاعاً لناحية انعدام الأمن الغذائي العام الفائت.. ونتوقع ازدياداً إضافياً هذا العام.. إنّه أمر مقلق للغاية".

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية

يُعد مشروب المتّة الأرجنتينية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثير من السوريين، حيث لا تخلو الجلسات العائلية من هذا المشروب الذي صار تقليديا وشعبياً، تميزه طقوس وأساليب خاصة لتحضيره وتقديمه.

وانتشر هذا المشروب منذ عقود في سوريا، خاصة المحافظات الساحلية ومحافظة السويداء، حتى أصبح منافسًا قويًا للشاي والقهوة، ويتفوق عليهما في الكثير من الأحيان. 

ويَعتبر عشاق المتّة في سوريا أنها جزء من التراث والثقافة الاجتماعية، وترمز إلى الترحيب والكرم وتجمع الناس في الأوقات الجيدة والعصيبة.

وإن زرت في زيارة إلى أحد منازل مدن السويداء، أو طرطوس، أو بانياس، أو اللاذقية، ستجد أصحاب المنزل يقدمون لك  المتة تلقائياً. 

تقول منى مرعي (51 عاما) من السويداء، إن مشروب المتة "علامة على الترحيب بالضيف والسعادة باستقباله، والقيام بواجب تكريمه، والرغبة ببقائه لوقت أطول". 

تاريخها في سوريا

انتقلت المتة إلى سوريا من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية على يد المهاجرين السوريين الذين قصدوا تلك البلاد في القرن التاسع عشر بحثاً عن فرص حياة أفضل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أزمات اقتصادية. 

وبمجرد استقرارهم هناك، بدأوا في التأقلم مع العادات والتقاليد المحلية، كان من بينها تناول من مشروب المتة، الذي صار جزءا من حياتهم اليومية. 

بعد سنوات الهجرة، عاد الكثير من السوريين إلى وطنهم الأم خلال ستينيات القرن الماضي، وحينها جلبوا معهم المتة، التي انتشرت رويداً رويداً ولاقت استحسانا كبيرا لدى السوريين، وأُعجب الناس بطعمها فكثر الطلب عليها. 

وبعد الأزمة السورية واللجوء، نقل السوريون هذا المشروب إلى بلدان أوروبا والعالم، حيث أصبحت المتة تُعرض على رفوف المتاجر، وتباع في أسواق أوروبا وتركيا وأمريكا وبعض الدول العربية. 

يقول المهندس ماجد عكاش من مدينة حماة، إنه وفور وصوله إلى ألمانيا افتقد المتة بشكل كبير وكان دائم البحث عنها في أولى سنوات اللجوء ولكن دون جدوى. اختلف الوضع الآن حيث صارت تُباع في الكثير من المتاجر.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أعتبر المتة جزءا من هويتي السورية، فهي تذكرني بالأوقات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، وتربطني بالوطن، وسعيد جدا لأن السوريين حملوها معهم إلى أوروبا، كما حملها أجدادنا من أميركا الجنوبية إلى سوريا". 

يُعتبر شراب المتة مفضلاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، ويتم تحضيره بطريقة خاصة، إذ تُنقع أوراق المتة في الماء البارد لدقيقة أو اثنتين، ثم يُضاف إليها الماء الساخن. 

وتُشرب المتّة في قرعة مخصصة لذلك، والقرعة كأس خاصة مصنوعة من الخشب في الأساس، ولاحقا أصبحت تُصنع من الزجاج والبورسلان، و"البومبيجة" التي يتم الشرب فيها، وهي مصاصة معدنية. 

تتنوع طرق شرب المتة بحسب المناطق في سوريا، ففي  السويداء والقلمون يتم تداول قرعة المتة بعد تعقيمها بالماء الساخن والليمون بين مجموعة من الأشخاص، بينما في كطرطوس واللاذقية وحلب يشرب كل فرد بقرعة مخصصة له. 

يقول ماهر إسماعيل من السويداء، إن المتة من المشروبات الأشهر شعبياً، وفي محافظته "يمكن أن ترى المتة في كل بيت تقريبا، حتى أنها تدخل ضمن جهاز العروس". 

عن طريقة الشرب، يشرح ماهر لـ"ارفع صوتك": "الكثير يتناولونها دون أية إضافات، ولكن يمكن إضافة الهيل لها أو الزنجبيل أو العقدة الصفراء، والبعض يشربها بالحليب بدلا من الماء الساخن، والبعض يفضل إضافة السكر فقط مع الماء". 

هل لها طقس معين في السويداء؟ يقول ماهر "يجلس الحاضرون في حلقة، ويتم تداور جوزة أو قرعة المتة بين الحاضرين بالدور الذي يبدأ من الطرف الأيمن". 

من الأولويات 

خلال السنوات السابقة شهدت المتة ارتفاعا كبيرا في سعرها، كما فُقدت لفترات من الأسواق السورية، وعند عودتها اصطف الناس في طوابير للحصول عليها، واتجهوا لتخزينها بكميات كبيرة كي لا ينقطعوا عن شربها. 

وفي عام ٢٠٢٣ وضعت وزارة التجارة التابعة لحكومة النظام السوري، المتة، على البطاقة الذكية.  

تقول منى  عليان (29 عاما) من مدينة طرطوس: "المتة رفيقتنا في اجتماعاتنا، وهي  مشروب اجتماعي بامتياز، ولازَمَتنا في سوريا ولم نتخلّ عنها رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأننا نعتبرها من الأولويات التي لا يمكن الاستغناء عنها".

"وحين انتشرت إشاعات عن إمكانية انقطاعها، أصيب بعض الناس بالهلع، واصطفت عائلات بأكملها للحصول على حصتها من المتة"، تضيف منى لـ"ارفع صوتك".

سحر، عاملة في مؤسسة "مياه حلب"، تؤكد لنا "لا أستطيع بدء يومي دون كأس من المتّة، أعددت عدة خاصة للعمل وأخرى للمنزل. وهي تمدني بالنشاط والحيوية". 

من جانبه، يقول علي حيدر، وهو بائع لشركة توزيع المتة في اللاذقية، إن الإقبال على المتة كبير جدًا "فالناس يحبونها ويستهلكونها يوميا، ما يجعل الطلب عليها مستمرا على مدار العام، أما الأصناف الأكثر رواجاً فهي متة الخارطة وبيبوري التي تستورد من الأرجنتين وتُعبأ في معمل يبرود في ريف دمشق، ويفضلها الناس بسبب طعمها الثقيل وسعرها المناسب".  

ما فوائدها؟

يُستخلص مشروب المتة من أوراق نبات ليربا ماتي، وهو نبات مشهور في الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وباراغواي، ويمتاز بطعمه الفريد وخصائصه المنشطة.

يقول طبيب الأعشاب سامر كرامة إن المتّة "من مشروبات الطاقة والتنبيه، وتحتوي على مضادات الأكسدة والكافايين الطبيعي، وتساعد على تعزيز التركيز، كما تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مشروب المتّة يفيد في خسارة الوزن، وإذابة دهون البطن، وخفض نسبة السكر في الدم. كما أنه مدر للبول، ومليّن للمعدة والأمعاء، ويساهم في علاج عسر الهضم، والتخفيف من حدة الصداع". 

بسبب الشعبية الكبيرة لمشروب المتة، أصبحت سوريا واحدة من أكبر مستوردي المتة في العالم، حيث تستوردها بكميات كبيرة سنويًا من الأرجنتين لتلبية الطلب المحلي المتزايد.

ووفق بيانات  المعهد الوطني لليرباماتي (INYM) الأرجنتيني، فإن سوريا تعتبر من أكبر مستهلكي المتة في الشرق الأوسط. في عام 2018 حققت الصادرات  نسبة قياسية مع تصدير 43 مليون كيلوغرام من المتة. 

وقال المعهد إنه من المثير للدهشة أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الصادرات الأرجنتينية هو سوريا، وهي أكبر مستورد أجنبي للمتّة في العالم. 

وأظهرت البيانات أن دول الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان تمثل في المجمل 75 بالمئة من صادرات ليربا ماتي الأرجنتينية، تليهما جمهورية التشيلي التي تعتبر ثاني أكبر وجهة تصدير.