إيران تسابق الزمن للاستفادة من الاقتصاد السوري
إيران تسابق الزمن للاستفادة من الاقتصاد السوري

قبل أيام، وصل وزير الطرق وبناء المدن الإيراني، رستم قاسمي إلى العاصمة السورية دمشق، وخلال زيارته التي استمرت يومين التقى رأس النظام السوري، بشار الأسد، وعددا من المسؤولين الاقتصاديين في حكومته، بينما أعلن في الختام عن سلسلة من الاتفاقيات، أبرزها إنشاء "مصرف مشترك".

وتحدث قاسمي، المدرج على قوائم العقوبات الأميركية، أيضا عن قرب إنشاء "منطقة حرة للتجارة بين البلدين، فيما أشار إلى خطوات يتم العمل عليها لإنجاز مشروع الربط السككي، لنقل الركاب والبضائع بين سوريا وإيران والعراق، وبالعكس.

ورغم أن زيارة قاسمي إلى دمشق ليست الأولى من نوعها، وكذلك الأمر بالنسبة للمسؤولين الاقتصاديين الإيرانيين، إلا أن "الجو" الذي تأتي فيه يطرح تساؤلات بشأن عما تريده طهران اقتصاديا في الوقت الحالي في سوريا، وما الذي ترسم له أيضا.

ويرى محللون وباحثون في الشأن الاقتصادي، في حديثهم لموقع "الحرة" أن طهران باتت "تتوجس من ضعف حصتها من كعكة الاقتصاد السوري"، وبالتالي تدخل الآن في سباق مع الزمن، من أجل توقيع أكبر عدد من الاتفاقيات، في خطوة قد تؤسس من خلالها لـ"مرحلة ما بعد الحرب".

وهذه الحالة من التوجس كان قد أشار إليها قاسمي عبر "تويتر" عقب لقائه مع الأسد، بقوله إن "الاتفاقيات التي تم التوصل إليها مع الأسد يمكن أن توفر فرص عملٍ لشبابنا، والكثير من القيمة المضافة للمستثمرين الإيرانيين"، مختتما التغريدة بعبارة: التأخير لم يعد مسموحا به".

وقبل قاسمي، وفي أغسطس الماضي، قال نائب رئيس غرفة التجارة الإيرانية- السورية، علي أصغر زبرداست إن العلاقات التجارية بين إيران وسوريا منخفضة، لكن هناك قدرة على زيادة العلاقات.

 وأضاف في مقابلة مع وكالة "أنباء إيلنا" أن "الفوائد الاقتصادية لسوريا تذهب لروسيا، وكذلك دول أخرى، بينما علاقاتنا التجارية والاقتصادية مع سوريا بطيئة".

 وبعد هذه الكلمات قال محمد أمير زاده، نائب رئيس غرفة التجارة الإيرانية، إن "حصتنا من التجارة السورية 3 في المئة، بينما تركيا 30 بالمئة".

 بينما أكد وزير الصناعة الإيراني، رضا فاطمي أمين، قبل زيارته إلى العاصمة السورية، دمشق، مطلع ديسمبر 2021، أنه "رغم العلاقات الثقافية القوية للغاية، فإن علاقاتنا الاقتصادية مع سوريا ضعيفة للغاية وتحتاج إلى التحسين".

"اتفاقيات على ورق"

وتعتبر طهران من أبرز حلفاء النظام السوري إلى جانب روسيا، وخلال السنوات الماضية قدمت له دعما عسكريا وسياسيا واقتصاديا.

 ورغم الكم الكبير من الاتفاقيات التي أبرمتها، "لقاء تدخلها" بحسب محللين وباحثي اقتصاد، إلا أن جزءا كبيرا منها لا يزال حتى الآن "حبرا على ورق"، على عكس تلك الخاصة بموسكو، التي اتخذت مسارات بعيدة كل البعد عن ذلك.

ويقول كرم شعار، الباحث السوري في معهد "الشرق الأوسط" بواشنطن، وحامل درجة الدكتوراه في الاقتصاد: "من الواضح أن طهران في حالة من التسابق حاليا اتجاه توقيع عقود اقتصادية واتفاقيات مع النظام السوري. سبب ذلك هو توجسها من تقارب الأخير مع دول عربية".

ويضيف شعار لموقع "الحرة": "إيران بكل تأكيد متوجسة وهذا واضح، لكن هناك شيء مختلف، وكأن بشار الأسد يلعب لعبته المعتادة وهي المماطلة".

و"مماطلة رئيس النظام السوري" يمكن قراءتها، بحسب الباحث الاقتصادي: "من خلال عقد اجتماعات وإنشاء لجان ومفاوضات، ولكن ضمنيا هو غير مهتم ولا يفضل التدخل الإيراني الاقتصادي بسوريا كثيرا".

واللافت أن فاتورة الحرب في سوريا، وعند الحديث بلغة الأرقام، فإن إيران هي الجهة التي دفعت الجزء الأكبر منها، وليست روسيا.

ويوضح شعار: "لكن في المقابل فإن الاستثمارات السيادية التي ذهبت لموسكو لا تقارن مع طهران. روسيا حصلت على أضعاف مضاعفة، والسبب هو أن الرافعة الروسية بوجه النظام السوري أكبر من تلك الخاصة بإيران، سواء سياسيا أو عسكريا".

وكانت روسيا قد حصلت على استثمارات ضخمة في قطاع الفوسفات والنفط، كما استحوذت على معمل البتروكيماويات في مدينة حمص وسط البلاد.

وكان لها استثمار بارز لمرفأ طرطوس، بشقين مدني وعسكري، فضلا عن الاستثمارات الخاصة بالنفط، وأبرزها في البلوكين البحريين (عقد عمريت، البلوك رقم 1).

أما إيران "فلم تحصل على شيء سوى الكلام والصور والمؤتمرات"، ويشير شعار: "أعلن عن الكثير من الاستثمارات الخاصة بها في السنوات الماضية، لكنها لم تنجز على أرض الواقع. ما حصل هو التقاط الصور بين الطرفين فقط"!

"لا يمكن الاستغناء عنها"

وفي الرابع من ديسمبر الماضي، قال وزير الاقتصاد في حكومة النظام السوري، سامر الخليل، لوكالة "تسنيم" الإيرانية إن "العملية التجارية بين سوريا وإيران ليست بالمستوى الذي تنشده دمشق وطهران"، معتبرا أن ما يتطلع له البلدان "هو مستويات أعلى من التبادل التجاري. هذا الموضوع قيد العمل لتطويره".

وأضاف الخليل أن "قانون الاستثمار السوري الجديد الذي يحمل الرقم 18 يتضمن الكثير من المزايا والتسهيلات الكبيرة في مجال الاستثمار للشركات الإيرانية الراغبة في الاستثمار في في قطاعات واسعة ومتعددة".

وجاء حديثه في الوقت الذي أبدى فيه المسؤولون الإيرانيون امتعاضا من حجم التبادل التجاري مع سوريا من جهة، وحجم الاستثمارات المبرمة من جهة أخرى.

ولا يرى المحلل السياسي المقيم في دمشق، الدكتور علاء الأصفري، أن هناك أي عقبات اقتصادية ما بين سوريا وإيران، لكنه يؤكد "تأخر إنجاز بعض المشاريع المتفق عليها".

ويقول الأصفري لموقع "الحرة": "هناك تقدم واضح بمسار العلاقات الاقتصادية بين إيران وسوريا. دائما نقول إن العلاقة استراتيجية ولا يمكن أن ننظر بقلق في المرحلة المقبلة".

ويضيف المحلل السياسي أن العلاقة بين الجانبين "شفافة أيضا"، معتبرا أن "المصالحات العربية أو الدولية مع الدولة السورية لا يمكن أن تكون على حساب العلاقات مع إيران".

وتحدث الأصفري عن "مشاريع كبيرة تنفذها إيران في سوريا، وجزء منها يتعلق بالطاقة البديلة".

ومع ذلك لم ينف "الصعوبات" في بعض القطاعات، مشيرا بالقول: "اليوم لدينا بعض الصعوبات في التعامل، لكن هناك خطوات ستنفذ بشكل جيد، بينها إنشاء المصرف المشترك والسوق الحرة. هذا سينعكس إيجابا على الاقتصاد السوري".

"انتشار اقتصادي"

ومثّل اندلاع الحرب السورية في 2012، فرصة لإيران لزيادة نفوذها في سوريا، وكان هذا مدفوعا بأهمية سوريا الاستراتيجية، ودورها في ضمان استمرارية الممر البري من طهران إلى بيروت، ووصولها إلى المياه الدافئة لشواطئ البحر الأبيض المتوسط.

وفي مايو 2020 وفي تصريح هو الأول من نوعه قال النائب حشمت الله فلاحت بيشه، من لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية إن بلاده أنفقت ما بين 20 مليارا و30 مليار دولار في سوريا لدعم بشار الأسد.

وأضاف: "يجب على إيران أن تستعيد هذه الأموال".

ويشير موقع "iranwire" إلى أن أحد أهم نفقات إيران في سوريا هو تسليم النفط والمنتجات النفطية إلى قوات الأسد، ويتم ذلك في إطار "حد ائتماني" فتحته إيران لسوريا.

ويتراوح هذا الحد، بحسب وسائل إعلام إيرانية، بين 2-3 مليار دولار في السنة، مع منح حد ائتماني إجمالي يصل إلى 6 مليارات دولار في السنة، بما في ذلك الإمدادات الغذائية والطبية، التي حددها وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف بنحو 2.5 مليار دولار في السنة.

من جهته يرى الاستشاري الاقتصادي السوري، يونس الكريم أن تسارع التحركات الإيرانية الاقتصادية في سوريا يرتبط بعدة أسباب، منها "محاولة الهروب من سياسة الاحتواء التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية في كل من لبنان والعراق".

وهناك أسباب أخرى كسعي طهران "للتمركز في سوريا كي يكون بيدها أوراق تفاوض كثيرة في المستقبل"، إضافة إلى محاولتها الاستعداد لعملية "إعادة الإعمار" في البلاد.

ويقول الكريم لموقع "الحرة": "هي تحاول الآن تفعيل ملفات الاقتصاد التي تم الاتفاق عليها مع النظام السوري، دون أن تأخذ طريقا نحو التنفيذ".

ويضيف: "تريد التحوّل من الانتشار العسكري إلى الانتشار الاقتصادي".

من جانبه يشير الباحث الاقتصادي، كرم شعار إلى أن الإيرانيين "يتمنون أن تكون استثماراتهم في سوريا حقيقة، لكن في حال عدم حدوث ذلك ستكون هناك استفادة أيضا".

ويوضح ذلك بالقول: "الاستثمارات عندما تكون غير حقيقة فهذا الأمر يرتبط بعامل التسويق داخليا بأننا تدخلنا في سوريا، ولم ندفع المصاريف فقط، بل نسترد التكاليف أيضا".

ويرى شعار أن عوائد الاستثمارات الاقتصادية الإيرانية في سوريا "تكاد تكون شبه معدومة"، على خلاف الروس، بينما هناك أخرى لم تر النور حتى الآن، مثل "المشغل الثالث للاتصالات"، "الاستثمار في الفوسفات"، "استثمار ميناء اللاذقية".

ويتابع الباحث: "بشار الأسد يغرق الإيرانيين بالتفاصيل، بينما روسيا تتعامل معه بشكل مباشر".

"سياق مختلف"

وفي غضون ذلك وعلى الرغم من تأكيد المحللين أن استثمارات إيران في سوريا "غير مرضية لها" حتى الآن"، إلا أنهم أشاروا بجزء من حديثهم إلى "سياق مختلف" قد تتضح معالمه مستقبلا.

الاستشاري الاقتصادي، يونس الكريم يقول إن "طهران تحاول بشكل خفي خلق طبقة اقتصادية تكون موالية لها في سوريا، بمعنى دولة داخل دولة كما يحدث في لبنان".

ويضيف الكريم: "التدخل الاقتصادي الروسي يستند على أخذ المؤسسات المنتجة التي لا تحتاج لكلفة تشغيلية، ومن ثم إعادة البيع لمستثمرين عرب وأجانب. الاستفادة المادية هنا كبيرة ومباشرة".

أما إيران، ووفق الاستشاري الاقتصادي السوري: "تحاول الاعتماد على الاستثمارات التي لها علاقة مع الفقراء. هذه طويلة الأجل وتشغّل يد عاملة كثيرة، لكنها تحتاج لأموال ضخمة".

وهذه السياسة تضمن لطهران "كسب طبقة الفقراء، وبالتالي سيكون لها حاضنة اجتماعية أكبر من تلك الموالية لروسيا صاحبة الاستثمارات الكبرى".

وذلك يؤكده الباحث الاقتصادي، كرم شعار بقوله: "إيران تحاول العمل على المستوى الشعبي، وعلى مستوى رؤساء مؤسسات، على عكس الروس الذين يتحدثون ويبرمون الاتفاقيات مباشرة مع الرأس بشار الأسد".

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري
تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري

الحرة- ضياء عودة- منذ تاريخ انعقادها الأول في القاهرة، في أغسطس 2023، تسلطت الأضواء كثيرا على لجنة الاتصال العربية الخاصة بسوريا وعلى الدور المناط وأعمالها، وما إذا كانت ستنجح في إحداث خرق عام على المشهد الداخلي البلاد، ولاسيما السياسي منه.

ومع اجتماع أطرافها الستة للمرة الثانية في العاصمة المصرية، الثلاثاء، تثور تساؤلات عما قدمه النظام السوري للدول المعنية بالتواصل معه، سواء على صعيد عملية "خطوة مقابل خطوة"، أو فيما يتعلق بالملفات التي ارتبطت به داخليا، وكان لها ارتدادات واسعة في الخارج

اجتماع اللجنة جاء على هامش جلسة القمة العربية لبحث التطورات المتعلقة بغزة، شارك فيه وزير خارجية النظام، فيصل المقداد ونظرائه في العراق والأردن والسعودية ولبنان ومصر، وبحضور الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط.

وقال بيان نشرته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إن "لجنة الاتصال قررت تشكيل فريق من الخبراء لدراسة الموضوعات التي تتابعها مع سوريا"، وأضاف أيضا أنه "تم التوافق أيضا على أن يكون الاجتماع المقبل في بغداد"، دون تحديد موعد محدد.

وكان من المقرر أن يعقد الاجتماع الثاني للجنة الاتصال في وقت لاحق من العام الحالي، لكن فشل النظام في الرد على الأسئلة المتعلقة بتهريب حبوب "الكبتاغون" وقضايا أخرى دفع أطرافها إلى تأجيل موعد الانعقاد، كما ورد في تقرير تحليلي نشره "معهد واشنطن"، شهر مايو الماضي.

وأوضح تقرير المعهد الأميركي، قبل 4 أشهر، أن عملية التأجيل لم تكن لمرة واحدة فقط خلال الأشهر الماضية، بل تم اتخاذ قرارها لأكثر من مرة (آخرها في مايو الماضي)، ورغم ذلك "فشل النظام في تقديم رد مكتوب على الأسئلة الموجهة له".

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي السوري، عمر كوش، أن اجتماع الثلاثاء يعتبر "روتينيا" كونه انعقد على هامش الجلسة المخصصة لبحث التطورات في غزة، ويرى أنه "لم يسفر عن شيء.. وربما عقد لكي يقال إن اللجنة مازالت حيّة".

ويعتبر كوش في حديثه لموقع "الحرة" أن "لجنة الاتصال دفنت منذ الاجتماع الأول، عندما تبين أن النظام لم يقدم أي شيء على المستوى السياسي أو بخصوص مشكلة اللاجئين وتهريب حبوب الكبتاغون إلى الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن".

ويضيف أن "اجتماع اللجنة السابق كان مقررا في بغداد لكنه ألغي"، وأن "الاجتماع الثاني لا يدخل في أي مسار لعمل لجنة الاتصال بحد ذاتها".

لكن، ومن جهته، يقول المحلل الجيوسياسي الأردني، الدكتور عامر السبايلة إنه "مازالت هناك قناعة واضحة حول رغبة الدول العربية بإعادة دمشق إلى المعسكر العربي".

وبالتالي يضيف السبايلة لموقع "الحرة" أن "كل ما يجري الآن (بما فيها اجتماع لجنة الاتصال) هو عبارة عن استمرار لهذه العملية".

وحتى لو كان المسار العربي مع دمشق بطيئا يشير في المقابل إلى أن "القناعات العربية لم تتبدل ولم تتحول إلى حالات عداء ولم تتحول لقطع علاقات أو تصعيد"، وفق الخبير الأردني.

"خطوة دون خطوات"

وكانت المبادرة التي أدت لعودة النظام السوري "للحضن العربي" تضمنت خمس أولويات أساسية يتعين إنجازها من خلال لجنة الاتصال الخاصة بمواصلة الحوار مع النظام السوري.

وتشمل النقاط الخمس زيادة وتوسيع نطاق تسليم المساعدات الإنسانية في سوريا، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين على نطاق واسع، وإنهاء إنتاج وتصدير المخدرات غير المشروعة من سوريا.

ويضاف إليها ضرورة استئناف عمل اللجنة الدستورية والتوصل لحل سياسي بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي، فضلا عن إنشاء هيئة أمنية دولية لتنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب في سوريا.

ولم يقدم النظام أي بادرة حتى الآن على صعيد عودة اللاجئين وتهيئة الظروف في البلاد لاستقبالهم بصورة آمنة. ورغم أن وتيرة عمليات تهريب "الكبتاغون" انخفضت نسبيا لا يزال الجيش الأردني يعترض شحنات من الجو والأرض.

وعلى الصعيد السياسي كان النظام اتجه مؤخرا لتنظيم "انتخابات برلمانية"، متجاهلا أصوات ملايين السوريين النازحين في البلاد، واللاجئين في الخارج.

وفي غضون ذلك لم يبد منذ تاريخ اجتماع اللجنة الأول، وحتى الآن، أي موقف إيجابي على صعيد استئناف أعمال اللجنة الدستورية، فيما يصر على ضرورة انعقادها خارج جنيف، بزعم أنها "غير حيادية"، مؤيدا بذلك نظرة موسكو.

ويعتقد الكاتب والصحفي، المقيم في دمشق، عبد الحميد توفيق، أن "الجانب السوري لم يقدم حتى الآن استجابة لما يعلن من متطلبات أو شروط عربية، على كل الصعد".

ويوضح لموقع "الحرة" أن سبب ذلك "ذاتي"، ويتمثل بأن "السلطة السورية لا ترى أنها ملزمة في تقديم مثل هذه القضايا ولا تعتبر أنها الوحيدة المطلوب منها".

كما لا يريد النظام السوري أن يوحي بناء على واقع الحال في سوريا بأنه "ضعيف"، وفق توفيق.

ويشير الكاتب، من جانب آخر، إلى أن "ما يتحدث به بشار الأسد في كثير من الأحيان يؤكد على أن علاقات دمشق الأنجح والأفضل مع الدول العربية يجب أن تكون ذات طابع ثنائي وليس علاقات على مستوى جامعة الدول العربية".

ويبدو أن النظام يدرك هذا الأمر، ووفقا لتوفيق "يريد الأسد أن يحاكي مصالح كل دولة عربية على حدى وبما ترغب به".

"عامل عدم استقرار"

وقبل الاجتماع الثاني للجنة الاتصال العربية أعادت المملكة العربية السعودية فتح سفارتها في المقر الرئيسي بالعاصمة السورية دمشق.

لكن، وفي مقابل ذلك، لم يكن الزخم السعودي منسحبا على بقية الأطراف العربية التي يتولى وزرائها تنفيذ مهمة الحوار الخاصة باللجنة، كالأردن ومصر.

وفي حين أن ذلك يشي بتباين مواقف كل دولة على حدى مع النظام السوري وكما يؤكده الكاتب السوري توفيق سابقا يعتقد الخبير الأردني السبايلة أن المشهد يذهب باتجاه مغاير.

ويقول السبايلة إن "السعودية هي البلد الأهم في السياسة العربية والأثقل والأكبر، والقادرة على توجيه البوصلة"، وإن مشهد افتتاح سفارتها قبل أيام يشير إلى أن "فكرة ضم سوريا للمعسكر العربي ما تزال قائمة".

ومع ذلك يوضح أن "إحداث تغيير حقيقي عربي في العلاقة مع سوريا يظل صعبا اليوم، ولاسيما في ظل المناخ الموجود ومرحلة الحرب التي تعتبر البلاد أحد جبهاتها".

ومن الواضح، حتى الآن، أن النظام السوري وفي الجانب غير المعلن "استطاع إبقاء خطوط التواصل مع الجميع، وأن يقدم شيئا غير منظور، مما يعزز الإيمان لدى البعض من الدول العربية، في موضوع إخراج سوريا من عزلتها"، وفق السبايلة.

لكن الخبير الأردني يضيف أن "المسار سيكون تدريجيا، نظرا لظروف الحرب القائمة في المنطقة".

وتختلف وجهة نظر الكاتب والمحلل السياسي كوش عما أشار إليه السبايلة.

ويعتبر الكاتب أن "النظام يحاول أن يستثمر ويفتح بازار وهمّه الدائم البحث عن منقذ لإخراجه من الأزمة الاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرته".

وفي ذات الوقت فإن النظام "ليس مستعدا لأن ينخرط بأي حل، باعتبار أن تهريب الكبتاغون يؤمن له ولأزلامه ورموزه وحاشيته مبالغ خيالية"، بحسب كوش.

ويتابع: "بمعنى آخر.. النظام عامل عدم استقرار في المنطقة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك لأنه سينتهي وبالتالي هو لا يريد إنهاء نفسه بنفسه".

3 عوامل تُحكم مسار الاتصال

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حضر القمة العربية التي نظمت بشكل استثنائي في الرياض في نوفمبر الماضي، وألقى كلمة حينها أمام الزعماء العرب، أكد فيها أن الانتقال "من حضن لآخر" لا يعني تغيير "انتماء" الإنسان.

وبعدما شكك بفعالية جامعة الدول العربية، آنذاك، شدد على ضرورة تطوير آلية عماها ومراجعة ميثاقها ونظامها الداخلي، وتطوير آلياتها "تماشيا مع العصر"، على حد تعبيره.

ورغم حضوره مجددا في المنامة، مايو الماضي، لم يخصص له وقت لإلقاء الكلمة أمام الزعماء العرب.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي توفيق أن الواقع يشير إلى أن مجريات العلاقة السورية العربية محكومة بـ3 عوامل.

ويوضح أن الأول "سوري ذاتي داخلي مرتبط بالسلطة السورية والدولة والقيادة".

ويتمثل الثاني، وهو "موضوعي"، بعدم قدرة أي طرف عربي على اتخاذ موقف مشترك، باستثناء الذي تم التعبير عنه شكليا عندما عادت دمشق لمقعدها في الجامعة العربية.

ويتابع توفيق، من نقطة ثالثة، أنه يوجد "عامل آخر حقيقي وواقعي ويحرك كل ما سبق، ويرتبط بالولايات المتحدة  وصراعها القائم مع روسيا في كل ساحات العالم".

وفيما يتعلق بخطوة فتح السفارة السعودية، يعتقد توفيق، المقيم في دمشق، أنه دليل على أن "العلاقات السياسية تنمو وتطرد".

لكنه في المقابل يقول إن الخطوة أمام "سؤال كبير.. ماذا بعد؟ وهل يمكن للسعودية أن تقدم احتياجات تراها سوريا مهمة".

وبالإضافة إلى ما سبق، يبرز سؤال أكبر بحسب تعبير الكاتب السوري هو: هل تستطيع الرياض أن تقدم لدمشق أو تتبنى مواقف قادرة على محاكاة الأميركيين وتليين موقف واشنطن؟

ولا يرى المتحدث "آفاقا كبيرة وواعدة في الاتجاه المذكور، باستثناء احتمال وجود علاقات ثنائية لن تصل لمراحل متقدمة يتمناها الشعب السوري ويبنى عليها أو أن تكون نقطة تحول على الساحة السورية".

"تكتيك"

ومن جهته يوضح الخبير الأردني السبايلة أن ما يفعله النظام عبارة عن "تكتيك".

ويقول إن (الأسد) "يعلم أن إيران لا تستطيع أن تقدمه للمجتمع الدولي وترفع عنه العقوبات، بل تعمّق أزمته".

وبالتالي فإن النظام السوري "بحاجة لنوع من التوازن، لأن الدول العربية وعودته للجامعة جعلت له مساحة لفكرة الانتقال للحديث مع المجتمع الدولي وإزالة العقوبات".

ويضيف السبايلة: "النظام يعلم أن مصلحته الحقيقة في فك العزلة مع الدول العربية وليس مع إيران غير القادرة على مساعدته، ويمارس أيضا ذات السياسة مع تركيا لكن وفقا لشروطه ومصالحه".

والموقف السوري المتعلق بإيران سواء قبل 2011 وما بعد هذا العام ما يزال على حاله، وفق حديث الكاتب توفيق.

ويوضح الكاتب أن "دمشق الآن ما زالت على ثوابتها، ولا تبد أي مرونة في التوجه العربي بالابتعاد عن إيران، لأنها تعتبر ذلك جزءا أساسيا من قرارها السيادي والسياسي".