سوريا

"إعادة النظر في التطبيع مع الأسد".. مستقبل محاكمات رموز النظام السوري

22 يناير 2022

بدأت المحكمة الإقليمية العليا في فرانكفورت يوم الأربعاء الفائت، محاكمة الطبيب السوري علاء موسى بتهمة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية خلال عمله لصالح النظام السوري، وذلك في ثاني قضية من نوعها بعد الحكم على ضابط المخابرات السابق أنور رسلان. 

وفي الثالث عشر من كانون الثاني الجاري، قضت محكمة ألمانية بالسجن مدى الحياة على الضابط السابق في مخابرات النظام السوري أنور رسلان، لإدانته بارتكاب القتل وجرائم ضد الإنسانية في سوريا. 

وأقرّ القضاة بذنب رسلان في مقتل 27 شخصا في معتقل سري للنظام في دمشق بين 2011 و2012، أشير إليه على أنه تابع لقسم "التحقيقات-الفرع 251" ومعروف باسم "أمن الدولة - فرع الخطيب" في دمشق. 

 

"طبيب التعذيب" 

وجهت النيابة العامة في فرانكفورت إلى الطبيب علاء موسى عدة تهم، منها قتل وتعذيب بحق معتقلين مناهضين للنظام السوري أثناء عمله طبيبا في سجن حمص المركزي بين عامي 2011 و2012. 

ووصل موسى إلى ألمانيا عام 2015، ويمارس مهنته حتى توقيفه في يونيو 2020 عندما تعرف عليه لاجئون سورين وأبلغوا الشرطة عنه. 

اتهم المدعون الطبيب علاء بـ 18 قضية تعذيب، منها تهمة غمر الأعضاء التناسلية لمراهق بالكحول في مستشفى عسكري بحمص وإضرام النار فيها باستخدام قداحة، كما أنه متهم بمحاولة حرمان السجناء من قدرتهم الإنجابية في قضيتين. 

من جهته، رحب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية الذي يديره المحامي والناشط الحقوقي أنور البني، بمحاكمة موسى، وأكد على استمرار مسيرة ملاحقة المجرمين ضد الإنسانية ومجرمي الحرب في سوريا، في محاكم الدول الأوروبية. 

وأورد المركز في بيان له: "من حالات تعذيب موسى للمعتقلين المرضى، سكبه الكحول على الأعضاء التناسليّة لفتًى قاصر من المتظاهرين متسائلًا بسخرية عمّا إذا كان رجلًا، ونُقل أنّه قد أشعل الكحول مع عبارة (لنرى إن كنت رجلًا). كما أعطى قرص دواء لمعتقل مصاب بالصرع، فمات المعتقل المريض بعد وقت قصير، وفي جريمة أخرى قام بضرب معتقل مرارًا وتكرارًا بهراوة وحقَنه بمخدّر، ثم وضع قدمه على رأسه وقال له إنه سيرسله ليلتقي الحوريّات، ومات المعتقل". 

وبحسب شاهد آخر قام "طبيب التعذيب"، كما وصفه بعض الضحايا، بإخراج معتقل من الزنزانة إلى الممر وألقاه أرضًا، وداس على جراحه المتقيّحة بحذائه المتّسخ، وقال "هذه هي الطريقة التي تعالج بها مثل هذه الجروح".

ثم صب المطهر على الساعد المتقيّح وأشعله بالنار، وقام بركل المعتقل متّهمًا إيّاه بأنّه "أعظم خائن في البلاد"، وظل يركله حتى فقد وعيه.

ووفقًا لملاحظة من مكتب المدعي العامّ الفيدرالي، فإن الأطباء في عيادة عسكرية أخرى كانوا دائمًا يحملون طلقات البوتاسيوم المميتة معهم لإبادة منتقدي النظام. 

كما كان هناك أيضًا تبادل للرأي بين الطبيب موسى وبين مسؤول في السفارة السوريّة بألمانيا حول المساعدة المحتمَلة من السفارة، حيث يأمل الأول في "الحصول على بعض الوثائق الرسميّة، التي سيقدّمها للسلطات المحليّة الألمانيّة لإثبات براءته، ومن ذلك أنّه طلب تزويده بأوراق مخالِفة للتي قدّمها سابقًا".

كما تداولا الرأي حول مساعدته للخروج من ألمانيا. 

وقالت أنتونيا كلاين، المستشارة القانونية في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، إن "العنف الجنسي باعتباره جريمة ضد الإنسانية سيلعب دوراً مهماً في المحاكمة". 

وأضافت: "تُظهر المحاكمة أيضاً مدى تنوع الجرائم في الصراع السوري، وبأي حجم ستواصل الحدوث". 

وكان المركز الأوروبي للحقوق الدستورية أشار سابقاً إلى أن سبعة لاجئين سوريين هم ضحايا أو شهود على اعتداءات جنسية وعمليات اغتصاب في معتقلات النظام السوري، قدموا شكوى جنائية أمام القضاء الألماني. 

 

تأثير على الحكومات الأوربية 

الصحافي والمخرج السوري دحام الأسعد، كان متابعاً لجلسات المحاكمة في ألمانيا، ويعمل حالياً على صناعة فيلم وثائقي بحق رموز نظام الأسد، والبحث عن عاصر داعش المتواجدين في أوروبا.

يقول لـ"ارفع صوتك": "تكمن أهمية هذه المحاكمات في تأثيرها على الحكومات الأوروبية، وبالإضافة لمحاكمة موسى وأرسلان، هناك عدد كبير من المحاكمات التي تخص رموز النظام في أوروبا، كمحاكمة الكيماوي التي تخص رموز النظام الكبار غيابياً، ومن الممكن أن تصدر عقوبات عليهم بشكل غيابي، إضافة لمحاكمات تخص المخابرات السورية في السويد وهولندا". 

ويضيف الأسعد أن هذه المحاكمات "تأخذ وقتاً طويلاً؛ لأن القضاء يأخذها من مركز الولاية القضائية العالمية في ألمانيا والسويد، إذ تُسمح له محاكمة أي شخص في العالم يتم الادعاء عليه، خاصة مجرمي الحرب". 

"ولهذه المحاكمات تأثير كبير على النظام السوري، فمحاكمة أنور أرسلان هي كانت أول محاكمة تعترف بالجرائم التي قام بها النظام في سجونه، وهذا شيء مهم جداً في أوروبا، خاصة للدول التي تعمل على تطبيع العلاقات مع النظام وتحضّر لفتح سفاراتها هناك"، يتابع الأسعد.

ويؤكد أن "الإعلام مهم جدا جدا ليضغط على الحكومات الأوروبية، باتجاه عدم إعادة فتح علاقاتها والتطبيع مع نظام الأسد، لأن التطبيع يعني إعادة اللاجئين السوريين في أوروبا لبلادهم". 

ويبين الأسعد لـ"ارفع صوتك": "ساعد وجود عدد كبير من اللاجئين السوريين في ألمانيا وكذلك موالين للنظام في كشف الانتهاكات، واكتشاف وجود رموز للنظام ومحاكمتهم، كذلك وجود عناصر لداعش تتم محاكمتهم حالياً، وأيضاً لأناس آخرين ارتكبوا جرائم حرب في سوريا". 

وعن تأثيرها على الرأي العام الأوروبي، يقول الأسعد إن المحاكمات تدفع بشكل أساسي للضغط على الحكومات لعدم التطبيع مع النظام السوري، وتأكيد أن سوريا ما زالت غير آمنة.

رضوان برتاوي وزوجته سميرة. الصورة من فيسبوك
"خوف وقلق دائم".. عائلة سورية تواجه خطر الترحيل من الدنمارك
وتعرضت الدنمارك لانتقادات على خلفية حرمانها لاجئين سوريين من تصاريح إقامة لاعتبار الوضع "آمناً" في دمشق، في مسار قالت الأمم المتحدة إنّه يفتقر إلى المبرر، علماً بأن قرار الدنمارك الأول من نوعه لدولة في الاتحاد الأوروبي.

 

تفاؤل وتشاؤم

في رصد "ارفع صوتك" لردود الفعل السورية نحو بدء محاكمات بعض رموز النظام، لوحظ تباينها بين التفاؤل والتشاؤم، إذ أعرب العشرات عن فرحهم باعتبارها خطوة أولى لمحاسبة النظام السوري على جرائمه، بينما رأى آخرون أن محاكمة أشخاص معدودين لن تعيد الاستقرار لسوريا بالتالي سيبقى ملايين اللاجئين في الخارج.

 

 

يقول الأسعد: "هذه أول مرة يتم إعطاء الأمل للاجئين السوريين من خلال محاكمات أشخاص ارتكبوا جرائم حرب، وهناك رضى كبير، وأيضاً يوجد تشكيك في أهمية هذه المحاكمات للمستقبل القريب". 

من جهته، يقول المحامي السوري أحمد فتال لـ"ارفع صوتك"، أن ما حدث أسهم في تشجيع عدد كبير من السوريين خاصة المقيمين في الخارج، على متابعة قضاياهم. 

ويضيف أن هذه المحاكمات تمثل "بداية المحاكمات العادلة لرموز النظام السوري، وما قانون قيصر إلا البداية الأولى لها".

ويأمل فتال أن تعمل المحاكم الدولية على متابعة كافة الدعاوى المقدمة من الأفراد والمنظمات الحقوقية لمحاكمة مجرمي الحرب أينما كانوا.

وتضاف قضيتا موسى وأرسلان، إلى سلسلة دعاوى وتحقيقات جارية في ألمانيا وفي فرنسا، ضد مسؤولين كبار أو ضباط في النظام السوري بتهم ارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" بينها التعذيب والاغتصاب والاعتداءات الجنسية. 

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل نحو 100 ألف شخص بسبب أعمال التعذيب أو نتيجة لظروف مروعة داخل السجون الحكومية، مشيراً إلى أن مرتكبي هذه الجرائم لم تتم محاكمتهم بعد. 

وحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، هناك ما لا يقل عن 131 ألفاً و469 شخصاً، ما بين معتقل ومختفٍ قسرياً لدى نظام الأسد منذ مارس 2011.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.