"إعادة النظر في التطبيع مع الأسد".. مستقبل محاكمات رموز النظام السوري
بدأت المحكمة الإقليمية العليا في فرانكفورت يوم الأربعاء الفائت، محاكمة الطبيب السوري علاء موسى بتهمة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية خلال عمله لصالح النظام السوري، وذلك في ثاني قضية من نوعها بعد الحكم على ضابط المخابرات السابق أنور رسلان.
وفي الثالث عشر من كانون الثاني الجاري، قضت محكمة ألمانية بالسجن مدى الحياة على الضابط السابق في مخابرات النظام السوري أنور رسلان، لإدانته بارتكاب القتل وجرائم ضد الإنسانية في سوريا.
وأقرّ القضاة بذنب رسلان في مقتل 27 شخصا في معتقل سري للنظام في دمشق بين 2011 و2012، أشير إليه على أنه تابع لقسم "التحقيقات-الفرع 251" ومعروف باسم "أمن الدولة - فرع الخطيب" في دمشق.
"طبيب التعذيب"
وجهت النيابة العامة في فرانكفورت إلى الطبيب علاء موسى عدة تهم، منها قتل وتعذيب بحق معتقلين مناهضين للنظام السوري أثناء عمله طبيبا في سجن حمص المركزي بين عامي 2011 و2012.
ووصل موسى إلى ألمانيا عام 2015، ويمارس مهنته حتى توقيفه في يونيو 2020 عندما تعرف عليه لاجئون سورين وأبلغوا الشرطة عنه.
اتهم المدعون الطبيب علاء بـ 18 قضية تعذيب، منها تهمة غمر الأعضاء التناسلية لمراهق بالكحول في مستشفى عسكري بحمص وإضرام النار فيها باستخدام قداحة، كما أنه متهم بمحاولة حرمان السجناء من قدرتهم الإنجابية في قضيتين.
من جهته، رحب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية الذي يديره المحامي والناشط الحقوقي أنور البني، بمحاكمة موسى، وأكد على استمرار مسيرة ملاحقة المجرمين ضد الإنسانية ومجرمي الحرب في سوريا، في محاكم الدول الأوروبية.
وأورد المركز في بيان له: "من حالات تعذيب موسى للمعتقلين المرضى، سكبه الكحول على الأعضاء التناسليّة لفتًى قاصر من المتظاهرين متسائلًا بسخرية عمّا إذا كان رجلًا، ونُقل أنّه قد أشعل الكحول مع عبارة (لنرى إن كنت رجلًا). كما أعطى قرص دواء لمعتقل مصاب بالصرع، فمات المعتقل المريض بعد وقت قصير، وفي جريمة أخرى قام بضرب معتقل مرارًا وتكرارًا بهراوة وحقَنه بمخدّر، ثم وضع قدمه على رأسه وقال له إنه سيرسله ليلتقي الحوريّات، ومات المعتقل".
وبحسب شاهد آخر قام "طبيب التعذيب"، كما وصفه بعض الضحايا، بإخراج معتقل من الزنزانة إلى الممر وألقاه أرضًا، وداس على جراحه المتقيّحة بحذائه المتّسخ، وقال "هذه هي الطريقة التي تعالج بها مثل هذه الجروح".
ثم صب المطهر على الساعد المتقيّح وأشعله بالنار، وقام بركل المعتقل متّهمًا إيّاه بأنّه "أعظم خائن في البلاد"، وظل يركله حتى فقد وعيه.
صورة للتاريخ بحياتنا ما شفنا منها بـ #سوريا. لازم تتبروظ وتنحط بكل بيت.#علاء_موسى pic.twitter.com/liXClBAFJD
— ضياء عودة Diaa Audi (@diaa_audi) January 19, 2022
ووفقًا لملاحظة من مكتب المدعي العامّ الفيدرالي، فإن الأطباء في عيادة عسكرية أخرى كانوا دائمًا يحملون طلقات البوتاسيوم المميتة معهم لإبادة منتقدي النظام.
كما كان هناك أيضًا تبادل للرأي بين الطبيب موسى وبين مسؤول في السفارة السوريّة بألمانيا حول المساعدة المحتمَلة من السفارة، حيث يأمل الأول في "الحصول على بعض الوثائق الرسميّة، التي سيقدّمها للسلطات المحليّة الألمانيّة لإثبات براءته، ومن ذلك أنّه طلب تزويده بأوراق مخالِفة للتي قدّمها سابقًا".
كما تداولا الرأي حول مساعدته للخروج من ألمانيا.
وقالت أنتونيا كلاين، المستشارة القانونية في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، إن "العنف الجنسي باعتباره جريمة ضد الإنسانية سيلعب دوراً مهماً في المحاكمة".
وأضافت: "تُظهر المحاكمة أيضاً مدى تنوع الجرائم في الصراع السوري، وبأي حجم ستواصل الحدوث".
وكان المركز الأوروبي للحقوق الدستورية أشار سابقاً إلى أن سبعة لاجئين سوريين هم ضحايا أو شهود على اعتداءات جنسية وعمليات اغتصاب في معتقلات النظام السوري، قدموا شكوى جنائية أمام القضاء الألماني.
تأثير على الحكومات الأوربية
الصحافي والمخرج السوري دحام الأسعد، كان متابعاً لجلسات المحاكمة في ألمانيا، ويعمل حالياً على صناعة فيلم وثائقي بحق رموز نظام الأسد، والبحث عن عاصر داعش المتواجدين في أوروبا.
يقول لـ"ارفع صوتك": "تكمن أهمية هذه المحاكمات في تأثيرها على الحكومات الأوروبية، وبالإضافة لمحاكمة موسى وأرسلان، هناك عدد كبير من المحاكمات التي تخص رموز النظام في أوروبا، كمحاكمة الكيماوي التي تخص رموز النظام الكبار غيابياً، ومن الممكن أن تصدر عقوبات عليهم بشكل غيابي، إضافة لمحاكمات تخص المخابرات السورية في السويد وهولندا".
ويضيف الأسعد أن هذه المحاكمات "تأخذ وقتاً طويلاً؛ لأن القضاء يأخذها من مركز الولاية القضائية العالمية في ألمانيا والسويد، إذ تُسمح له محاكمة أي شخص في العالم يتم الادعاء عليه، خاصة مجرمي الحرب".
"ولهذه المحاكمات تأثير كبير على النظام السوري، فمحاكمة أنور أرسلان هي كانت أول محاكمة تعترف بالجرائم التي قام بها النظام في سجونه، وهذا شيء مهم جداً في أوروبا، خاصة للدول التي تعمل على تطبيع العلاقات مع النظام وتحضّر لفتح سفاراتها هناك"، يتابع الأسعد.
ويؤكد أن "الإعلام مهم جدا جدا ليضغط على الحكومات الأوروبية، باتجاه عدم إعادة فتح علاقاتها والتطبيع مع نظام الأسد، لأن التطبيع يعني إعادة اللاجئين السوريين في أوروبا لبلادهم".
ويبين الأسعد لـ"ارفع صوتك": "ساعد وجود عدد كبير من اللاجئين السوريين في ألمانيا وكذلك موالين للنظام في كشف الانتهاكات، واكتشاف وجود رموز للنظام ومحاكمتهم، كذلك وجود عناصر لداعش تتم محاكمتهم حالياً، وأيضاً لأناس آخرين ارتكبوا جرائم حرب في سوريا".
وعن تأثيرها على الرأي العام الأوروبي، يقول الأسعد إن المحاكمات تدفع بشكل أساسي للضغط على الحكومات لعدم التطبيع مع النظام السوري، وتأكيد أن سوريا ما زالت غير آمنة.
تفاؤل وتشاؤم
في رصد "ارفع صوتك" لردود الفعل السورية نحو بدء محاكمات بعض رموز النظام، لوحظ تباينها بين التفاؤل والتشاؤم، إذ أعرب العشرات عن فرحهم باعتبارها خطوة أولى لمحاسبة النظام السوري على جرائمه، بينما رأى آخرون أن محاكمة أشخاص معدودين لن تعيد الاستقرار لسوريا بالتالي سيبقى ملايين اللاجئين في الخارج.
من يراه اليوم ذليلاً منكساً رأسه لا يصدق بأنه هو من سكب الكحول على العضو الذكري للمريض المعتقل وأشعله ليستمتع برؤيته يتعذب
— قتيبة ياسين (@k7ybnd99) January 19, 2022
لن يصدق بأنه داس على رأس مريض الصرع حتى قتله
لا يظن بأنه كان يتدرب بهم ويجري عمليات العظام لهم دون تخدير#علاء_موسى #الطبيب_الجلاد pic.twitter.com/jb3M4Lntat
البلاء الاكبر في قضية الطبيب علاء موسى "الذي تفنن بإحراق المعارضين في المشافي لا في السجون" هو تورط فئات مختلفة من المجتمع خارج اقبية النظام ومخابراته بجرائم الاسد بأبشع صورها، أي عدالة ستقتص منهم واي وطن سيجمعنا بهم ؟#علاء_موسى
— Siba Madwar صِبا ياسر مدور (@madwar_siba) January 19, 2022
من يحاول أن يخفي وجهه اليوم 👇👇أجرى قبل سنوات عمليات جراحية لمعتقلين في أقبية #الأسد دون تخدير.. الطبيب #علاء_موسى يمثل أمام محكمة ألمانية بتهم قتل وتعذيب لمعارضين خلال تلقيهم العلاج في المستشفيات العسكرية.. خطوة ثانية في رحلة الألف ميل لعدالة الشعب السوري
— BASSEL AZZAM (@BASELAZZAM1) January 19, 2022
Boris Roessler / AFP pic.twitter.com/LGEI20dC4m
يقول الأسعد: "هذه أول مرة يتم إعطاء الأمل للاجئين السوريين من خلال محاكمات أشخاص ارتكبوا جرائم حرب، وهناك رضى كبير، وأيضاً يوجد تشكيك في أهمية هذه المحاكمات للمستقبل القريب".
من جهته، يقول المحامي السوري أحمد فتال لـ"ارفع صوتك"، أن ما حدث أسهم في تشجيع عدد كبير من السوريين خاصة المقيمين في الخارج، على متابعة قضاياهم.
ويضيف أن هذه المحاكمات تمثل "بداية المحاكمات العادلة لرموز النظام السوري، وما قانون قيصر إلا البداية الأولى لها".
ويأمل فتال أن تعمل المحاكم الدولية على متابعة كافة الدعاوى المقدمة من الأفراد والمنظمات الحقوقية لمحاكمة مجرمي الحرب أينما كانوا.
وتضاف قضيتا موسى وأرسلان، إلى سلسلة دعاوى وتحقيقات جارية في ألمانيا وفي فرنسا، ضد مسؤولين كبار أو ضباط في النظام السوري بتهم ارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" بينها التعذيب والاغتصاب والاعتداءات الجنسية.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل نحو 100 ألف شخص بسبب أعمال التعذيب أو نتيجة لظروف مروعة داخل السجون الحكومية، مشيراً إلى أن مرتكبي هذه الجرائم لم تتم محاكمتهم بعد.
وحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، هناك ما لا يقل عن 131 ألفاً و469 شخصاً، ما بين معتقل ومختفٍ قسرياً لدى نظام الأسد منذ مارس 2011.
