قوات سوريا الديقراطية في مدرعات أميركية تبحث عن خلايا داعش في الحسكة بعد الهجوم الأخير على السجن
قوات سوريا الديقراطية في مدرعات أميركية تبحث عن خلايا داعش في الحسكة بعد الهجوم الأخير على السجن

بعد فترة وجيزة من بدء الحرب الأهلية السورية قبل 10 سنوات، أعلنت الأقلية الكردية التي تهيمن على شمال شرق البلاد عن منطقة حكم ذاتي، لكن منذ ذلك الحين، غرق الأكراد في حرب لا نهاية لها، خاضعة لأهواء جيرانهم الأقوياء، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

في عام 2012، تم إنشاء منطقة الحكم الذاتي الكردية في سوريا التي تضم ما يقرب من ثلث البلاد شرق نهر الفرات، بعيدا عن سيطرة نظام بشار الأسد بعد انتفاضة شعبية في موجة الربيع العربي.

وفي واحدة من أكثر ساحات المعارك تعقيدا في العالم، تتواجد القوات الأميركية في المنطقة وسط تواجد القوات الروسية المتحالفة مع حكومة الأسد، التي سمحت لها قوات الدفاع والأمن بالدخول، كحماية ضد التوغل التركي، طبقا للصحيفة.

وتنقسم المدن الكبرى في المنطقة بين سيطرة الحكومة السورية والسيطرة المحلية في ظل تعايش مضطرب، ويصطف السكان الذين يدرسون أو يعملون في المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة عند نقاط التفتيش، في انتظار السماح لهم بالمرور.

ويسمي الأكراد المنطقة بـ "روج آفا"، والتي تعني "الغرب"، في إشارة إلى كردستان الغربية وحلم طويل الأمد بتأسيس دولة مستقلة تمتد على المناطق الكردية في سوريا والعراق وإيران وتركيا.

وقمعت كل هذه الدول تاريخيا سكانها الأكراد، ويعتبر أكثر من 25 مليون كردي يعيشون فيها أكبر مجموعة عرقية في العالم بدون دولة.

في سوريا، يمثل الأكراد ما يصل إلى 10 بالمئة من السكان البالغ عددهم 18 مليون نسمة. ووفقا للإدارة الإقليمية، يمثل الأكراد ما لا يقل عن 55 بالمئة من سكان المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي البالغ عددهم 4.6 مليون نسمة.

ولكن هناك أيضا أعداد كبيرة من العرب والمسيحيين الآشوريين، إلى جانب مجموعات أقل من التركمان والأرمن والشركس والإيزيديين.

وقال رئيس قسم العلاقات الدولية في إقليم كردستان، عبدالكريم عمر، "كانت هناك حروب طائفية في سوريا والعراق ... ولكن في منطقتنا، حافظنا على السلام الاجتماعي والتعايش".

واجهت المنطقة التي يقودها الأكراد خلال عمرها القصير تهديدات أمنية واقتصادية مستمرة من جميع الأطراف تقريبا، بما في ذلك من حكومة النظام السوري وأكراد العراق المجاورة في الشرق. لكن التهديد التركي هو الذي يلوح في الأفق.

وغزت تركيا، التي حاربت المسلحين الأكراد في الداخل منذ عقود، المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد لإبعادها عن الحدود.

وتعتبر أنقرة، قوات سوريا الديمقراطية، تهديدا أمنيا بسبب صلاتها بحركة حرب العصابات الكردية التي تقاتل تمردا ضد الدولة التركية منذ عقود.

خلال الحرب مع داعش قبل سنوات، أقامت قوات سوريا الديمقراطية شراكة مهمة مع التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة والذي كان يقاتل المسلحين في سوريا والعراق.

كانت الميليشيا تعتبر القوة البرية الأكثر قوة عندما يتعلق الأمر بقتال الجماعة المتطرفة.

ومع ذلك، على الرغم من الشراكة العسكرية الوثيقة مع الولايات المتحدة التي استمرت لسنوات، فإن الأكراد السوريين يواجهون مستقبلا محفوفا بالمخاطر.

ودفع هجوم السجن الأخير في يناير الجيش الأميركي إلى القتال الذي كان يتصاعد بعد دخول المدنيين في اشتباكات مع تنظيم داعش هي الأشد في السنوات الثلاث الأخيرة منذ نهاية ما يسمى بـ "دولة الخلافة".

في حديث لصحيفة "نيويورك تايمز"، قال قائد قوات الأمن في المنطقة، مظلوم كوباني، إنه بعد الهجوم على السجن، لم يعد وجود 700 جندي أميركي كافيا.

في 20 يناير، هاجم انتحاريون ومسلحون من داعش سجنا بمدينة الحسكة في محاولة لإطلاق سراح حوالى 4000 من مقاتلي التنظيم الإرهابي المحتجزين هناك.

وقاتلت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من القوة العسكرية الأميركية لمدة أسبوعين تقريبا قبل أن تستعيد السيطرة على الحسكة التي تعد جزءا من منطقة الحكم الذاتي الكردية.

وأضاف كوباني: "إننا بحاجة إلى المزيد من القوات الأميركية".

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية
صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية

عادت العلاقات المُتأرجحة بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى واجهة الأحداث مجدّداً، بعد المواجهات الأخيرة في ريف دير الزور بين ضفّتي منطقة الجزيرة والشاميّة، حيث يتقاسم الطرفان السيطرة فيها منذ عام 2017.

انعكست بشكل سريع في بقعة جغرافية ليست بالبعيدة، وتحديداً في مدينة الحسكة المجاورة، التي يتقاسم الطرفان السيطرة فيها أيضاً، لكن بشكل أكثر تداخلاً وحساسية من الوضع في دير الزور.

استطاعت القوات الكردية -المكوّن الأساسي لِقسد- التمدّد سريعاً في مدينة الحسكة، منذ سيطرتها على بضعة أحياء في أطرافها الشمالية بين عامي 2012 و2014، حتى تموضعها بأحياء الجنوب والجنوب الشرقي ووسط المدينة في العام 2015، وتحديداً بعد طرد فلول تنظيم داعش التي هاجمت الحسكة صيف العام نفسه.

وعلى نحوٍ دراماتيكي، باتت سيطرة حكومة النظام تنحصر فقط في منطقة "المربع الأمني" وسط المدينة، التي تضم عدة أحياء صغيرة وشوارع رئيسة، فيها دوائر حكومية ومبنى القصر العدلي وأفرع المخابرات والتجنيد.

إثر المواجهات الأخيرة في دير الزور، حاصرت "قسد" المربّع الأمني ومنعت قوات النظام من الدخول والخروج وإدخال الإمدادات الغذائية والمياه، فانعكس ذلك على سكان تلك المنطقة الذين "يعانون الأمرّين" جرّاء معيشتهم في مدينة واحدة تحكمها "دولتان" وفق تعبير البعض ممن التقيناهم.

غالبية سكّان مدينة الحسكة يقطنون في أحياء تسيطر عليها "قسد" وذلك لعدة اعتبارات، أهمّها ابتعادهم عن سطوة الفروع الأمنية التابعة للنظام السوري وهروب الشباب من حملات التجنيد، بالإضافة لوضع الخدمات الجيّد نسبياً مقارنة بمنطقة المربّع الأمني.

غير أن ازدواجية العيش في مدينة الحسكة التي تظهر عبر أشكال مختلفة، تجعل السكّان يعيشون "تناقضاً صارخاً" كما يقول الناشط المدني عبد الرحمن بكرو، الذي يعيش في القسم التابع لـ"قسد".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن  "الأهالي والسكّان كانوا يأملون أن تسيطر الإدارة الذاتية على كامل أحياء الحسكة، لينتهي هذا الصراع المتجدّد بين طرفين يحكمان أحياء متداخلة داخل مدينة واحدة".

كما أن الكثير من السكان في مناطق سيطرة "قسد"، يتابع بكرو "هم موظفون في دوائر حكومية تابعة للنظام السوري، ويقبضون رواتبهم الشهرية منه، الأمر الذي يجبرهم على إنجاز التعاملات القانونية والأمنية مرتين، مرة في مناطق سكنهم، وأخرى في مناطق عملهم".

يبيّن: "هذه المشكلة تزداد تعقيداً مع وجود بعض الكليات والمعاهد والمدارس في منطقة سيطرة النظام السوري، ما يضطر الطلاب إلى استخلاص تأجيل دراسي من شعبة التجنيد التابعة لحكومته، كما يقومون بإنجاز أوراق مشابهة في مناطق سكنهم الأصلية".

"إذاً، عليك القيام بكل واجباتك القانونية لدولتين في وقت واحد"، يقول بكرو.

 

المدنيون "يدفعون الثمن"

بحسب بعض سكان الحسكة الذين تحدث إليهم "ارفع صوتك"، فإن الشارع الواحد داخل المدينة (مثلاً طوله نحو 300 متر)، قد يضم حاجزين أمنيين، أحدهما تابع لشرطة "قسد" وتُدعى "الأسايش"، والآخر يتبع النظام.

يقول عباس سلو (46 عاماً)، إن هذا الأمر يسبب ضغوطات كبيرة على السكان، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "تتميز الحسكة بأنها مدينة صغيرة جداً، وأحياؤها متداخلة بشكل كبير جداً، لذلك فإن التنقل بين شارع وآخر ضرورة لا مفرّ منها".

"لا سيما أن النظام السوري يسيطر عملياً على قلب المدينة، بما تحويه هذه المنطقة من دوائر حكومية وأسواق رئيسية. لا يمكن لسكان الحسكة أن يقولوا (لن نمرّ من هناك)"، يتابع سلو.

يعود آخر تاريخ للمواجهات المسلّحة بين "قسد" وقوات النظام في الحسكة إلى ربيع 2021، ورغم ذلك، فإن الأهالي يعبّرون دائماً عن تخوّفهم من أنّ أي توتّر بين الجانبين في أيّ مكان من نقاط التماسّ بينهما، سينعكس سلباً على حياة المدنيين واستقرارهم.

وأدّت المواجهات السابقة بين الطرفين إلى وقوع ضحايا بين المدنيين، يقول كمال راضي، من سكان حي المحطّة وسط الحسكة "ذنبهم الوحيد أنّهم تواجدوا خلال اشتعال فتيل المناوشات".

يوضح راضي (39 عاماً): "المناوشات بين الجانبين في دير الزور تحصل عادةً بين ضفتي النهر، وهذا يعطي المدنيين فرصة للفرار من مناطق التوتر، أما في الحسكة، فلا يبعد الحاجز العسكري لقسد سوى بضعة أمتار عن حواجز النظام السوري، ما يعني حتميّة الإضرار بالمدنيين في المنطقة، مع عدم وجود فرصة للهروب".

وخلال الحصار الأخير لمنطقة المربع الأمني في مدينة الحسكة، قال سكان مدنيون إنهم تضرّروا بشكل واسع جراء القيود على دخول سيارات الشحن بما تحمله من مواد غذائية وعبوات مياه الشرب.

هذا الأمر، أدى لرفع أسعار بعض المواد الغذائية قبل أن تعود تدريجياً إلى معدّلاتها السابقة.