المئات من مقاتلي الدولة الإسلامية اقتحموا الشهر الماضي سجنا في مدينة الحسكة
المئات من مقاتلي الدولة الإسلامية اقتحموا الشهر الماضي سجنا في مدينة الحسكة

"عند حلول الظلام، تنشط خلايا داعش النائمة"، بهذه العبارات ينقل خليفة سالم الجدال (64 عاما مخاوف سكان القرى في شمال شرق سوريا، الذين يتفادون التجول ليلا بسبب مجموعات مصغرة يسعى التنظيم من خلالها لتعزيز تواجده في المنطقة، في وقت يستمر إصرار ه على  إعادة تشكيل نفسه بعد  ثلاث سنوات من هزيمة الخلافة المعلنة، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست". 

ويقول الجدال، وهو مزارع من قرية جالو، بإن "سكان المنطقة يخشون الخروج من منازلهم بعد مغيب الشمس"، مبينا أن "عناصر داعش يرتدون الزي العسكري ما يجعل من الصعب تمييزهم من قوات الأمن الكردية" في المنطقة المدعومة من الولايات المتحدة.

ويختصر هذا المشهد حال تنظيم الدولة الإسلامية عام 2022، حيث لم يعد يسيطر على الأراضي، كما فعل التنظيم حتى عام 2019، لكنه ظل متخفيا في مجموعات صغيرة، ويعمل بتطور متزايد ويستغل سياسات سوريا لإعادة البناء، وفقا للتقرير. 

والشهر الماضي، اقتحم المئات من مقاتلي الدولة الإسلامية سجنا في مدينة الحسكة، واستمرت المعارك التي انتهت باستعادة السيطرة عليه حوالى 10 أيام، ما أسفر عن مقتل أكثر من 500 شخص، نحو ثلاثة أرباعهم من عناصر داعش، بحسب قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وقبل مهاجمته لسجن الحسكة، كان تنظيم داعش في سوريا يعمل بشكل أساسي في مناطق شرق البلاد ذات الكثافة السكانية المنخفضة، حيث لجأ مقاتلوه إلى الصحراء للتخطيط لهجمات على الحكومة السورية والقوات التي يقودها الأكراد، وفقا لما نقله تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" عن محللين وسكان محليين.

خلال الفترة بين عامي 2018 و2021، صعد التنظيم من عمليات الاغتيال التي طالت زعماء محليين وشخصيات عشائرية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص، وفقا لدراسة أجرتها شبكة ناشطين محليين في دير الزور.

وفي الآونة الأخيرة، نفذ التنظيم عمليات ابتزاز ضد شركات محلية من أجل الحصول على المال، وكذلك نشر منشورات ضد قوات سوريا الديمقراطية.

بدوره، قال مظلوم كوباني، قائد ميداني في قوات سوريا الديمقراطية، للصحيفة، إن "هذه الخلايا جاءت من أماكن مختلفة، قاموا بنشر الناس في الأحياء المحيطة بالسجن لإثارة الفوضى بمجرد بدء الهجوم".

ومع اندلاع أعمال العنف في الحسكة، شن مسلحون هجمات في أماكن أخرى في شمال شرق سوريا.

وعند نقطة تفتيش ريفية في محافظة دير الزور، كان ياسر في منتصف نوبة ليلية شديدة البرودة كعضو في قوات الأمن الداخلية التي يقودها الأكراد في المنطقة عندما رأى ستة رجال على دراجات نارية يسيرون على الطريق الخالي باتجاهه. 

وروى ياسر أن اثنين منهم كانا يرتديان سترات ناسفة مربوطة بصدريهما، وعلم لاحقا أن هجمات مماثلة وقعت عند نقطتي تفتيش أخريين.

وأشار إلى أن سكان القرية لم يوفروا المأوى لهم عند هروبهم من الحاجز، حيث همز الناس من خلف أبوابهم: "لا يمكننا فتح الباب، إذا علم داعش سيقتلوننا". 

استغل المسلحون الانقسامات السياسية في سوريا لإعادة بناء قدراتهم القتالية، وتحت ضغط من قوات سوريا الديمقراطية والتحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة.

وتراجعت بعض خلايا الدولة الإسلامية عام 2019 من شمال شرق سوريا إلى الأراضي التي تسيطر عليها قوات رئيس النظام بشار الأسد، حيث كانت العمليات ضد التنظيم أقل استمرارا، ثم بعد أن تعرض المسلحون لإطلاق النار هناك، عادوا إلى المنطقة التي يقودها الأكراد.

"لقد نقلوا الناس إلى جبهة أكثر قابلية للحياة من أجل البقاء، وكان ذلك وسط سوريا"، بحسب ما قاله جريجوري ووترز، الباحث غير المقيم في معهد الشرق الأوسط.

وأكد ووترز أن "الجبهة الأكثر قابلية للحياة هي الشمال الشرقي"، مشيرا إلى أن بعض المهاجمين في الحسكة يبدو أنهم أمضوا بعض الوقت في معسكرات تدريب داعش في المناطق التي تسيطر عليها قوات الأسد، وأظهر المسلحون الذين عادوا إلى شمال شرق سوريا قدرة أكبر على تنفيذ هجمات معقدة.

وعن  استراتيجية التنظيم في إعادة تشكيل نفسه،  أوضحت دارين خليفة، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، أن "مقاتلو داعش استفادوا من صراعات الإدارة التي يقودها الأكراد للحكم في المناطق ذات الأغلبية العربية التي وقعت تحت حكمه، حيث احتج السكان العرب على سوء الخدمات العامة وما وصفوه بالاعتقالات التعسفية خلال الغارات ضد داعش".

ويستغل المسلحون هذا السخط، ويدفعون لبعض السكان مبالغ صغيرة ليكونوا مخبرين، على سبيل المثال لتزويدهم بمعلومات عن نشاط قادة المجتمع أو حركة قوات الأمن، بحسب خليفة.

ويشير مسؤولو قوات سوريا الديمقراطية بشكل خاص إلى المخيمات المترامية الأطراف والمتداعية في المنطقة والتي تأوي آلاف الأشخاص الذين نزحوا من منازلهم بسبب القتال والفق، حيث قد يحاول المسلحون شق طريقهم. 

وقالت قوات سوريا الديمقراطية إن عشرات من سكان المخيم اعتقلوا في الأشهر الأخيرة بتهمة تقديم الدعم لتنظيم الدولة الإسلامية مقابل مبالغ مالية.

وقال المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، فرهاد شامي، إن "داعش يستغل الفقر في هذه المنطقة"، قائلا: "لقد حاولوا استخدام النازحين كسلاح".

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.